انتقلت تابي، إحدى أبرز شركات التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط، من كونها منصة معروفة لتسهيلات "اشتر الآن وادفع لاحقاً" إلى محاولة بناء علاقة أوسع مع المستخدمين عبر أدوات يومية لإدارة المال. ومع إطلاق خدمة Tabby Cash، تدخل الشركة مرحلة جديدة تجمع بين حساب إنفاق بلا رسوم وبطاقة تمنح استرداداً نقدياً، في توسع يعكس رغبة واضحة في التحول من حل عند الدفع إلى منصة مالية أوسع.
الشركة تقول إن أكثر من 20 مليون مستخدم نشط في المنطقة باتوا ضمن نطاق خدماتها، بينما يستخدم أكثر من 150 ألف شخص المنتج الجديد بالفعل قبل إطلاقه بشكل أوسع في الإمارات. هذا الانتقال لا يغيّر فقط شكل عرض تابي للمستهلك، بل يضعها أيضاً في موقع مختلف داخل سوق الخدمات المالية، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على متاجر التجزئة أو مزودي الدفع، بل تمتد إلى الحسابات المصرفية التقليدية وتجارب إدارة الأموال الشخصية.
من حل للمشتريات إلى أداة مالية يومية
في بداياتها، ركزت تابي على مشكلة محددة واجهت التجارة الإلكترونية في المنطقة: الاعتماد الواسع على الدفع عند الاستلام وصعوبة الوصول إلى البدائل الرقمية السهلة. ومع الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى نموذج واسع الانتشار جعل التقسيط جزءاً مألوفاً من سلوك التسوق لدى شريحة كبيرة من المستهلكين في الخليج. لكن الشركة ترى الآن أن المجال أوسع من مجرد تمويل المشتريات.
المنتج الجديد يقدّم حساب إنفاق وخيارات استرداد نقدي، ما يعني أن تابي لم تعد تكتفي بتسهيل عملية الشراء نفسها، بل تحاول أن تكون جزءاً من دورة الإنفاق اليومية. هذا التوجه مهم في سوق تشهد فيه التكنولوجيا المالية نمواً سريعاً، بينما يبحث المستخدمون عن أدوات أقل تعقيداً من المنتجات المصرفية التقليدية وأكثر وضوحاً من الرسوم والاشتراطات المعتادة.
وبحسب طرح الشركة، فإن الفكرة الأساسية لم تعد تشجيع الاستهلاك بقدر ما هي توفير طريقة أكثر سلاسة وشفافية للإنفاق عندما يكون الإنفاق ضرورياً. هنا تنتقل تابي من دور الوسيط في نقطة الدفع إلى دور أقرب إلى البنية المالية اليومية للمستخدم.
فجوة الائتمان التي استغلتها الشركة
يرى المؤسس والرئيس التنفيذي حسام عرب أن جزءاً كبيراً من الفرصة التي بنت عليها تابي جاء من محدودية الوصول إلى أدوات الائتمان التقليدية في المنطقة. ففي أسواق مثل الإمارات والسعودية، لا يزال الحصول على بطاقات ائتمان أو بعض المنتجات المصرفية مرتبطاً بشروط دخل وحدود دنيا قد تستبعد شريحة كبيرة من المستهلكين القادرين على الشراء عبر الإنترنت لكن غير القادرين على تلبية متطلبات البنوك.
هذا الخلل خلق مساحة لشركات ناشئة مثل تابي لتصميم منتجات تبدو أبسط وأكثر مرونة. فالشركة تقدم بدائل لا تحتاج إلى شروط راتب مرتفعة أو أرصدة دنيا في كثير من الحالات، ما يجعلها جذابة لفئات ترى أن الخدمات المالية التقليدية لا تتعامل معها بمرونة كافية.
لكن هذه السهولة لا تعني أن تابي تحاول إلغاء دور البنوك. الرسالة التي يكررها عرب هي أن المشكلة ليست في وجود المؤسسات المالية، بل في التجربة نفسها: التعقيد، والرسوم غير الواضحة، والإجراءات التي يشعر بها المستخدم كعبء أكثر منها كخدمة.
الشفافية والمرونة كميزة تنافسية
في حديثه عن القطاع، يركز عرب على أن المؤسسات المالية كثيراً ما تنقل التكاليف إلى المستخدم في اللحظة غير المناسبة، أو تخفيها داخل شروط طويلة لا يقرأها معظم الناس. ومن هذا المنطلق، تصبح الشفافية ليست مجرد قيمة تسويقية، بل جزءاً أساسياً من نموذج العمل في شركات التكنولوجيا المالية الحديثة.
ويعتقد عرب أن الجمهور لا يبحث فقط عن تسهيلات دفع، بل عن تجربة مالية تقلل التوتر المرتبط بإدارة المال. فالكثير من الناس، كما يصف، يقضون وقتاً كبيراً في التفكير بما يدخل إلى حساباتهم وما يخرج منه، إضافة إلى القلق المرتبط بمدى سهولة التعامل مع المؤسسات المالية نفسها. هنا ترى تابي أن مهمتها هي جعل هذه العلاقة أقل إرباكاً وأكثر انسيابية.
هذا المنطق يتماشى مع توجه أوسع في الشركات الناشئة المالية، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بتقديم منتج مالي جديد، بل بتبسيط التجربة بالكامل: التسجيل، الاستخدام، الفهم، والقدرة على رؤية التكلفة بوضوح. وفي سوق تتزايد فيه المتطلبات التنظيمية والرقابية، تصبح البساطة نفسها ميزة تنافسية.
بين الإقبال على التقسيط والحاجة إلى الادخار
رغم أن تابي اشتهرت بحلول التقسيط، فإن عرب يلفت إلى مفارقة أساسية في المنطقة: المجتمعات المحلية ليست بالضرورة مجتمعات ادخار قوية. ويقول إن كثيرين يعيشون من راتب إلى راتب، ما يعني أن المشكلة لا تقتصر على الشراء، بل تمتد إلى غياب أدوات تساعد على الادخار والاستثمار وإدارة التدفقات النقدية الشخصية.
هذا الطرح يمنح إطلاق Tabby Cash بعداً إضافياً. فالشركة لا تتعامل فقط مع فكرة الإنفاق، بل مع الاحتياج الأوسع إلى أدوات مالية تمنح المستخدم مرونة أكبر دون أن تدفعه إلى مزيد من الاستهلاك غير المنضبط. وهي نقطة حساسة بالنسبة لأي شركة بدأت من خدمة ترتبط في ذهن كثيرين بالشراء المؤجل.
اللافت أن عرب لا ينكر هذا التناقض الظاهر، لكنه يحاول إعادة صياغته. فبحسب رؤيته، يمكن أن تكون أفضل طريقة للإنفاق هي عبر منصة توفر شروطاً واضحة وبدون كلفة إضافية، لا عبر منتج يدفع الناس إلى زيادة إنفاقهم. هذه الرسالة تبدو محاولة لتعديل صورة تابي من مجرد أداة تقسيط إلى شركة مالية تريد بناء ثقة طويلة الأجل مع المستخدم.
ما الذي تعنيه هذه الخطوة لقطاع الشركات الناشئة؟
على مستوى أوسع، تعكس خطوة تابي كيف تنمو الشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية عادةً: تبدأ من مشكلة محددة جداً، ثم تتوسع تدريجياً نحو طبقات أعمق من السلوك المالي. فحل مشكلة الدفع عند الشراء قد يكون بوابة لمنتج أكبر يشمل الحسابات والبطاقات والخدمات المرتبطة بإدارة المال الشخصي.
كما تشير الخطوة إلى أن سوق الشرق الأوسط لا يزال مفتوحاً أمام نماذج مالية بديلة، خاصة في ظل استمرار الفجوات بين احتياجات المستخدمين وما توفره البنوك التقليدية. وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية الامتثال والتنظيم في هذا القطاع، ما يجعل أي توسع من هذا النوع بحاجة إلى توازن دقيق بين الابتكار والالتزام.
بالنسبة إلى تابي، يبدو أن التحول الحالي لا يقوم على فكرة منافسة البنوك مباشرة، بل على محاولة بناء تجربة مالية يشعر المستخدم بأنها أقرب إلى أسلوب حياته. وإذا كان التقسيط هو ما جعل اسم الشركة معروفاً، فإن المرحلة الجديدة قد تحدد ما إذا كانت قادرة على التحول من علامة مرتبطة بالدفع المؤجل إلى منصة مالية يومية لها حضور أوسع في حياة المستهلكين في الخليج.