19-Jul-2026 6 دقائق قراءة

الأرشيف الرقمي الفلسطيني في بيرزيت يتحول إلى مشروع لحماية الذاكرة من الضياع

يبني الفلسطينيون في الضفة الغربية أرشيفاً رقمياً واسعاً يوثق الصور والوثائق والخرائط والتسجيلات لحماية الذاكرة الثقافية من التدمير والنهب والضياع، مع نسخ موزعة حول العالم لضمان بقائه.

مشروع رقمي لمواجهة محو الذاكرة

في وقت تتعرض فيه المواقع الثقافية الفلسطينية للتدمير والنهب والتهجير، اتجه فريق يعمل في الضفة الغربية إلى بناء حل مختلف: أرشيف رقمي واسع يهدف إلى حفظ الذاكرة الفلسطينية خارج حدود أي مبنى واحد أو خادم واحد. الفكرة الأساسية كانت بسيطة من حيث المبدأ، لكنها معقدة في التنفيذ: إذا كانت المواد الأصلية معرضة للضياع، فكيف يمكن تحويلها إلى نسخة موزعة وآمنة وقابلة للوصول؟

الجواب جاء عبر منصة رقمية أنشأها متحف فلسطين لتكون مستودعاً مفتوحاً للصور والوثائق والخرائط والمراسلات واليوميات والأفلام. ومع تصاعد المخاطر منذ أكتوبر 2023، اكتسب المشروع أهمية أكبر بوصفه بنية تحتية ثقافية تحاول الصمود أمام الحرب والتهجير والاختراق الرقمي.

من جمع المواد من العائلات إلى قاعدة بيانات ضخمة

بدأ العمل ميدانياً، عبر زيارات لعائلات فلسطينية في الضفة الغربية وطلب الإذن لمسح ما لديهم من ألبومات وصور ورسائل ووثائق شخصية. هذه البداية المتواضعة تحولت تدريجياً إلى مشروع توثيقي كبير يعتمد على الفهرسة الدقيقة والنسخ الرقمية عالية الجودة وربط المواد بسياقاتها التاريخية والاجتماعية.

ويضم الأرشيف اليوم أكثر من 500 ألف مادة رقمية، بينها صور وبيانات شخصية ومذكرات وخرائط وأفلام ورسائل. كثير من هذه المواد كان يمكن أن يضيع أو يتلف مع مرور الوقت، لولا عملية الرقمنة التي نقلتها من الذاكرة الورقية الهشة إلى صيغة رقمية قابلة للحفظ والاستنساخ.

يرتكز المشروع على فكرة أن الحفظ لا يعني فقط التصوير أو المسح الضوئي، بل يشمل العمل على الوصف الأرشيفي، وتدقيق البيانات، والترجمة، وربط كل عنصر بسياقه التاريخي. لهذا السبب، يعمل فريق متخصص في الرقمنة وإدخال البيانات والأبحاث، إلى جانب شبكة من المتطوعين.

البنية التقنية كوسيلة مقاومة

أحد أهم عناصر المشروع هو أنه لا يعتمد على نسخة واحدة مركزية. فالأرشيف موزع عبر نسخ احتياطية متعددة محفوظة في أماكن مختلفة حول العالم، بما يقلل خطر الفقد النهائي حتى لو تعطل الموقع أو تعرض الخادم لهجوم. هذه البنية لا تمنح حصانة كاملة ضد الاختراق، لكنها تقلل كثيراً من احتمال اختفاء المحتوى بالكامل.

ويتعرض الموقع لهجمات رقمية متكررة، بحسب القائمين عليه، ما يفرض إعادة تشغيله واستعادته انطلاقاً من النسخ الاحتياطية. وفي هذا السياق، تصبح الرقمنة نفسها جزءاً من استراتيجية الصمود: ليس فقط لحفظ الملفات، بل أيضاً لضمان إمكانية استعادتها في حال تعرضت لهجوم أو تعطلت البنية الأساسية.

هذا النموذج يعكس اتجاهاً متزايداً لدى المؤسسات والمجتمعات المهددة، حيث لا يعود الأرشيف مجرد مخزن للمعلومات، بل يصبح نظاماً موزعاً مصمماً للبقاء في بيئات غير مستقرة سياسياً وأمنياً.

أثر الحرب على التراث الفلسطيني

الجهود الرقمية جاءت نتيجة مباشرة لواقع ميداني قاسٍ. فالقصف والاحتلال والقيود على الحركة أثرت في المتاحف والمواقع الأثرية والأرشيفات الفلسطينية. كما تشير تقارير حديثة إلى تضرر عدد كبير من المواقع الثقافية في غزة، بينما تتسع في الضفة الغربية مخاوف السيطرة على مواقع أثرية وتاريخية.

في هذا السياق، لا ينظر القائمون على الأرشيف إلى عملهم كمجرد مشروع تقني أو ثقافي، بل كاستجابة لسلسلة طويلة من محاولات مصادرة الذاكرة. لذلك يحمل الأرشيف بعداً سياسياً وثقافياً في آن واحد، لأنه يتيح للفلسطينيين الاحتفاظ بسرديتهم الخاصة وإعادة بناء تاريخهم من الأسفل إلى الأعلى، عبر مصادر عائلية وشخصية ومجتمعية.

ويكتسب هذا المعنى أهمية إضافية حين نتذكر أن كثيراً من المواد التراثية لم تعد موجودة في أماكنها الأصلية، أو أصبحت خارج سيطرة أصحابها، أو تعرضت للدمار. عندها، لا يعود الأرشيف الرقمي مجرد بديل، بل مساحة لإعادة وصل ما انقطع من الذاكرة الجماعية.

الرقمنة الدقيقة للمواد الحساسة

العمل اليومي داخل المشروع يكشف أن التعامل مع التراث ليس مهمة تقنية فقط، بل أيضاً مسؤولية أخلاقية. فبعض المواد التي يتم مسحها ضوئياً شديدة الهشاشة، مثل الصحف القديمة والكتب الدينية والرسائل المكتوبة بخط اليد، ما يتطلب حذراً كبيراً لتجنب تلفها أثناء المعالجة.

ومن بين المواد التي جرى التعامل معها نصوص تعود إلى القرن التاسع عشر ونسخ تاريخية نادرة من صحف فلسطينية. التعامل مع هذه القطع لا يهدف إلى إنتاج صور رقمية فحسب، بل إلى حفظ الأصول المادية نفسها من مزيد من التدهور. كما يحرص الفريق على احترام الخصوصية والكرامة وحقوق أصحاب المواد أو الأشخاص الظاهرين فيها.

هنا تتجاوز الرقمنة وظيفتها التقنية لتصبح شكلاً من أشكال الحماية الثقافية، لأنها تتيح حفظ الدليل التاريخي مع مراعاة حساسية ما يحمله من أسماء ووجوه وتفاصيل شخصية.

من الأرشيف إلى المعارض العالمية

لم يبقَ الأرشيف داخل حدود المؤسسة. فقد تحول جزء منه إلى مواد قابلة للاستخدام في معارض متنقلة ومشاريع فنية خارج فلسطين. وفي أحد النماذج، أتيح المحتوى بصيغة يمكن تنزيلها وطباعتها وبناء معرض منها في أي مكان، ما سمح بنقل السردية الفلسطينية إلى مدن وجامعات ومراكز ثقافية في العالم.

هذا الامتداد الدولي مهم لأنه يجعل الأرشيف أكثر من قاعدة بيانات جامدة. فهو يتحول إلى مورد حي للفنانين والقيّمين الثقافيين والباحثين، ويمنح الجمهور خارج فلسطين فرصة الوصول إلى مواد أصلية أو موثقة تساعده على فهم التاريخ الفلسطيني بعيداً عن الصور النمطية والاختزال.

كما أن استخدام الأرشيف في معارض متنقلة أثبت أن المحتوى الرقمي يمكن أن يتجاوز الشاشة إلى فضاء العرض العام، وأن يصبح أداة تعليمية وثقافية تعبر الحدود الجغرافية والسياسية.

ما الذي يعنيه هذا النموذج لمستقبل المؤسسات الناشئة ثقافياً؟

رغم أن المشروع ليس شركة ناشئة بالمعنى التجاري التقليدي، فإنه يقدم درساً مهماً للمبادرات الناشئة العاملة في المجال الثقافي والتقني: القيمة لا تأتي فقط من المنتج، بل من المشكلة التي يحلها. هنا المشكلة هي الفقد والإتلاف والاحتكار، والحل هو بناء بنية رقمية مرنة وموزعة وقابلة للاستمرارية.

يعتمد نجاح مثل هذه المبادرات على ثلاثة عناصر واضحة: فريق صغير عالي التخصص، وشبكة دعم من المتعاونين والجهات الممولة، وبنية تقنية تضع الاستدامة والاسترجاع في قلب التصميم. هذه العناصر قد لا تبدو لامعة في البداية، لكنها تصنع الفارق عندما يكون الهدف هو الحفاظ على ذاكرة جماعية مهددة.

في النهاية، يطرح الأرشيف الرقمي الفلسطيني سؤالاً أكبر من حدود التوثيق: كيف يمكن للمجتمعات التي تعيش تحت التهديد أن تبني أدواتها الخاصة لحماية تاريخها؟ الإجابة التي يقدمها هذا المشروع تقول إن الذاكرة، عندما تُوزع وتُفهرس وتُنسخ وتُتاح، تصبح أكثر قدرة على البقاء من الحجر والورق وحدهما.