19-Jul-2026 5 دقائق قراءة

Paradromics تزرع أول رقاقة دماغية تحت الجلد في تجربة سريرية داخل الولايات المتحدة

أجرت شركة Paradromics أول عملية زراعة لرقاقة دماغية في تجربة سريرية بالولايات المتحدة، في خطوة قد تدفع تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب من المختبر إلى الاستخدام الطبي العملي لمرضى الإعاقة الحركية.

شهدت شركة Paradromics خطوة مهمة في مسار التقنيات العصبية بعد تنفيذ أول عملية زراعة لرقاقة دماغية مطورة منها داخل دماغ أحد المرضى في الولايات المتحدة. وجرت العملية على يد فريق طبي بقيادة جراح الأعصاب ماثيو ويلسي، في تطور يعكس انتقال هذه الفئة من التقنيات من نطاق الأبحاث إلى التطبيق السريري المباشر.

ويأتي هذا الإنجاز ضمن موجة أوسع من الاهتمام بتقنيات واجهات الدماغ والحاسوب، وهي أنظمة تهدف إلى قراءة الإشارات العصبية وتحويلها إلى أوامر رقمية أو وسائل تواصل عملية. وبالنسبة لشركات ناشئة مثل Paradromics، فإن نجاح أول زرع بشري لا يمثل مجرد اختبار تقني، بل خطوة تأسيسية نحو بناء سوق علاجي جديد يعتمد على الدمج بين الطب والهندسة.

من المختبر إلى غرفة العمليات

تطورت فكرة واجهات الدماغ والحاسوب خلال السنوات الماضية من نماذج تجريبية محدودة إلى منصات تحاول حل مشكلات طبية معقدة، خصوصاً لدى المرضى الذين فقدوا القدرة على الحركة أو النطق. وفي هذه الحالات، تبقى القدرات الذهنية غالباً سليمة، بينما تتعطل القنوات الجسدية التي تسمح بالتواصل مع العالم الخارجي.

هنا تظهر أهمية الرقاقة الدماغية، إذ يمكنها التقاط الإشارات العصبية من القشرة الدماغية ثم ترجمتها لاحقاً إلى نصوص أو أوامر رقمية. هذا النوع من الحلول يكتسب قيمة خاصة لدى المصابين بإعاقات حركية شديدة أو بأمراض تنكسية مثل التصلب الجانبي الضموري، حيث تصبح الوسائل التقليدية للتعبير أو التحكم محدودة للغاية.

وتشير المعطيات المرتبطة بهذه العملية إلى أن Paradromics اختارت تصميماً يختلف عن كثير من المحاولات السابقة. فالرقاقة مزروعة بالكامل تحت الجلد، من دون وجود أسلاك ظاهرة تخرج من الرأس، وهي نقطة مهمة من زاوية السلامة والاستخدام الطويل الأمد وتقليل احتمالات المضاعفات.

تصميم أقل إزعاجاً وأكثر قابلية للاستمرار

تعتمد التقنية على وضع الشريحة فوق سطح القشرة الدماغية، مع توصيل إلكتروداتها بدقة في الموضع المطلوب، ثم ربطها بجهاز إرسال في منطقة الصدر عبر سلك داخلي. وتستند العملية الجراحية إلى صور طبية دقيقة لتحديد موقع الزرع، وتستغرق نحو أربع ساعات وفق ما ورد عن التجربة.

هذا النهج يعكس اتجاهاً متزايداً داخل قطاع التقنية الطبية نحو بناء حلول يمكنها البقاء داخل الجسم لفترات طويلة من دون أن تتحول إلى عبء على المريض أو الفريق الطبي. كما أن غياب الأسلاك الخارجية يخفف من المخاطر المرتبطة بالعدوى أو الأعطال الميكانيكية، وهي من أبرز التحديات التي واجهت بعض الأجيال السابقة من الواجهات العصبية.

ويرى ويلسي، الذي بدأ مسيرته من خلفية في الهندسة الكهربائية قبل أن ينتقل إلى الطب، أن فهم الإشارات المعقدة الصادرة عن الدماغ يحتاج إلى عقلية تجمع بين التحليل الهندسي والقراءة الطبية. وقد بنى جزءاً من خبرته الأكاديمية على دراسة معالجة الإشارات الرقمية في معهد MIT، وهو ما يفسر اهتمامه المباشر بالتقنيات التي تفكك الإشارات العصبية وتحوّلها إلى مخرجات قابلة للاستخدام.

رهان علاجي يتجاوز التجربة الأولى

لا تكمن أهمية هذا التطور في نجاح الجراحة وحده، بل في إمكانية تحويله إلى نموذج علاجي متكرر يمكن توسيعه لاحقاً. فالشركات العاملة في هذا المجال تحتاج إلى إثبات أن التقنية ليست مجرد إنجاز هندسي، بل أداة يمكن دمجها داخل منظومة الرعاية الصحية بصورة آمنة وفعالة.

ويؤكد الفريق الطبي المرتبط بالتجربة أن العمليات من هذا النوع لم تعد غير مألوفة بالكامل في غرف العمليات الحديثة، إذ أصبحت جراحات فتح الجمجمة وزرع الشرائح الإلكترونية أكثر قابلية للتنفيذ مع تطور أدوات التصوير والتخطيط الجراحي. لكن النجاح الحقيقي يظل مرتبطاً بحسن اختيار المرضى، لأن الفائدة المتوقعة لا تتحقق إلا عندما تكون الحالة مناسبة تقنياً وطبيًا.

ومن هنا، تمثل هذه الخطوة اختباراً مزدوجاً للشركة: اختباراً لقدرة التصميم على العمل داخل الجسم البشري، واختباراً آخر لقدرة المنصة على خدمة احتياجات مرضى حقيقيين يعانون فقداناً شبه كامل في الحركة أو التواصل. وإذا نجحت النتائج اللاحقة، فقد يتحول ما بدأ كتجربة محدودة إلى فئة علاجية جديدة داخل السوق الصحية.

ماذا يعني ذلك للشركات الناشئة في التقنية العصبية؟

تشهد سوق التقنية العصبية منافسة متسارعة بين شركات ناشئة تسعى إلى بناء حلول أكثر أماناً ودقة وأقل تدخلاً. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أي زرع بشري ناجح باعتباره مؤشراً على نضج المنتج، وليس مجرد خطوة تجريبية. فالمستثمرون والجهات الطبية يراقبون عن قرب قدرة هذه الشركات على الانتقال من عرض الفكرة إلى تقديم فائدة سريرية قابلة للقياس.

كما أن دخول شركات ناشئة إلى هذا الحقل يفرض معايير صارمة تتعلق بالسلامة والتنظيم والتجربة السريرية. فالمسألة لا تتعلق بتطوير جهاز إلكتروني فقط، بل ببناء حل يلامس الدماغ مباشرة، وهو ما يضعه ضمن أكثر المجالات حساسية في الابتكار الطبي. ولذلك، فإن أي تقدم جديد يحتاج إلى حذر تنظيمي إلى جانب الإبداع التقني.

وفي حالة Paradromics، فإن الزراعة الأولى تمنح الشركة نقطة انطلاق عملية لمزيد من الاختبارات، وقد تفتح الباب أمام تقييم أوسع لمدى قدرة الواجهة الدماغية على مساعدة المرضى في استعادة وسيلة للتواصل أو التحكم بالأجهزة المحيطة. ومع ذلك، لا تزال الطريق طويلة قبل الحديث عن انتشار واسع أو اعتماد روتيني.

وبين الحماس العلمي والقيود الطبية، تبدو هذه التجربة علامة على مرحلة جديدة في تقنيات الإعاقة المساعدة. فإذا أثبتت الواجهات العصبية قدرتها على تقديم فائدة حقيقية وآمنة، فقد تتحول من مشروع تجريبي إلى أحد أبرز المسارات الاستثمارية والعلاجية في قطاع الشركات الناشئة الصحية خلال السنوات المقبلة.