أعلنت نتفليكس إتمام صفقة استحواذ كامل على شركة InterPositive الناشئة، المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة لصناعة الأفلام، مقابل 587 مليون دولار نقداً. وتأتي الصفقة لتوسيع استخدام الأدوات الذكية داخل مراحل ما بعد الإنتاج، في وقت تتسابق فيه منصات المحتوى إلى إدخال تقنيات أكثر تقدماً في عملياتها الإبداعية والتقنية.
وتُعد InterPositive من الشركات التي ركزت على تطوير حلول عملية تساعد فرق العمل السينمائي على معالجة المشكلات التي تظهر بعد انتهاء التصوير، مثل فقدان بعض اللقطات، أو الحاجة إلى تعديل الخلفيات، أو تحسين الإضاءة، من دون اللجوء إلى إعادة التصوير المكلفة أو العودة إلى مواقع الإنتاج.
لماذا تهتم نتفليكس بهذه التقنية؟
يمثل الاستثمار في أدوات ما بعد الإنتاج نقطة مهمة لنتفليكس، لأن هذا النوع من التقنيات لا يقتصر على تسريع العمل فقط، بل يمنح فرق الإبداع مرونة أكبر في التعامل مع الأخطاء والقيود اللوجستية. وفي صناعة تعتمد على مواعيد تسليم دقيقة وتكاليف مرتفعة، يمكن لأي أداة تقلل الحاجة إلى إعادة الإنتاج أن تحقق وفراً مالياً وزمنياً ملحوظاً.
كما يعكس الاستحواذ توجهاً أوسع لدى المنصة نحو دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل الإنتاجي، خصوصاً في المجالات التي تتطلب مزيجاً من الدقة التقنية والحس الإبداعي. ووفق ما كشفت عنه نتفليكس، فقد استفادت أكثر من 300 مادة مرئية على المنصة من تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مراحل مختلفة من الإنتاج.
فريق صغير وتأثير كبير
تضم InterPositive فريقاً يقل عدد أفراده عن 200 موظف، وسيُنقل كامل هذا الفريق إلى إدارات التقنية والذكاء الاصطناعي في نتفليكس بعد إتمام العملية. أما بن أفليك، الشريك المؤسس للشركة، فسينتقل إلى دور استشاري رفيع من دون مسؤوليات تنفيذية مباشرة.
وتحمل هذه الخطوة دلالة إضافية تتجاوز حجم الصفقة، إذ تشير إلى أن المنصات الكبرى باتت لا تكتفي بشراء الخدمات البرمجية، بل تفضّل في بعض الأحيان الاستحواذ على الشركات التي تطور أدوات متخصصة داخلياً، بهدف ضمان التكامل المباشر مع بنيتها التقنية وحماية المعرفة المتراكمة داخلها.
الذكاء الاصطناعي يغير نموذج الإنتاج
التحول الذي تعكسه هذه الصفقة لا يقتصر على نتفليكس وحدها، بل ينسجم مع اتجاه عام في سوق الإعلام والترفيه نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الفيديو، وإدارة الأصول المرئية، وتحسين المشاهد، وتخفيض كلفة المهام المتكررة. ومع تطور هذه التطبيقات، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية الأساسية للإنتاج، لا مجرد أداة مساندة.
وفي هذا السياق، شدد بن أفليك في تصريحات رسمية على أن الهدف من تأسيس الشركة كان دعم الإبداع البشري لا استبداله، وأن الأدوات التي طورتها صممت لمساعدة صنّاع الأفلام على تجاوز المشكلات التقنية من دون التأثير في جوهر العمل الفني. هذا الطرح يعكس أحد أهم الجدل الدائر في القطاع حالياً، وهو كيفية التوفيق بين الكفاءة الآلية والحفاظ على دور الإنسان في اتخاذ القرار الإبداعي.
صفقة تعكس اشتداد المنافسة
تأتي هذه العملية في مرحلة تشهد فيها الأسواق منافسة حادة على استقطاب الشركات الناشئة التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي الموجهة للقطاعات المتخصصة. وفي حالة صناعة الترفيه، تزداد القيمة السوقية للحلول التي يمكنها التكيف مع احتياجات الاستوديوهات ومنصات البث وفرق ما بعد الإنتاج.
وتُعد قيمة الصفقة من بين الأكبر في هذا المجال، خصوصاً أنها تجمع بين منصة بث عالمية وشركة ناشئة تركّز على تطبيقات إنتاجية دقيقة. كما أن عدم اتضاح ما إذا كانت أدوات InterPositive ستُطرح لاحقاً لترخيص خارجي أم ستظل حصرية لنتفليكس، يضيف بعداً استراتيجياً مهماً إلى العملية.
ومن المتوقع أن يكتمل الإجراء النهائي خلال الربع الثالث من العام الجاري، ما يعني أن أثره العملي قد يبدأ بالظهور قريباً في طريقة تطوير وإخراج بعض الأعمال على المنصة. وفي حال نجحت نتفليكس في دمج هذه التقنية بكفاءة، فقد تصبح الصفقة نموذجاً جديداً لكيفية استحواذ شركات التكنولوجيا والإعلام على الشركات الناشئة المتخصصة لتسريع الابتكار وتقوية مزاياها التنافسية.