الشركات الناشئة 02-Jun-2026 6 دقائق قراءة

«صناعات» تعيد بناء هويتها الصناعية بإيرادات 6.2 مليار ريال واستراتيجية تكامل حتى 2028

تتجه شركة «صناعات» إلى تجاوز إرثها التقليدي عبر تحويل أنشطتها من وحدات صناعية منفصلة إلى منصة متكاملة تخدم مشاريع البناء والبنية التحتية، مدعومة بإيرادات بلغت 6.2 مليار ريال في 2025 واستراتيجية تمتد حتى 2028.

تحول يتجاوز تغيير الاسم

لم يكن الانتقال من اسم «الزامل للصناعة» إلى «صناعات البناء المتقدمة» مجرد تعديل في الهوية التجارية أو تحديث في المظهر البصري، بل خطوة تعكس إعادة صياغة شاملة لموقع الشركة داخل السوق الصناعي. فالشركة تسعى إلى تقديم نفسها اليوم بوصفها منصة صناعية متكاملة، لا مجرد مجموعة أنشطة متجاورة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.

ويأتي هذا التحول في وقت تتسارع فيه مشاريع البناء والبنية التحتية في السعودية، ما يرفع الطلب على الشركات القادرة على توفير منتجات وحلول وخدمات تنفيذ تحت مظلة واحدة. وفي هذا السياق، تبدو «صناعات» وكأنها تراهن على نقل إرثها القديم إلى نموذج أعمال أكثر مرونة واتساعاً، يربط بين التصنيع والتوريد والتنفيذ.

هذا النوع من التحولات أصبح أكثر أهمية في الأسواق الصناعية الحديثة، لأن القيمة لم تعد تقاس فقط بقدرة المصنع على الإنتاج، بل بمدى قدرته على خفض التعقيد وتقديم حل متكامل للعميل. ومن هنا يمكن فهم التغيير بوصفه انتقالاً من شركة منتجات إلى شركة منظومات.

الحديد والمكيفات ما زالا قلب النشاط

رغم توسع الرؤية الاستراتيجية، لا تزال القطاعات التقليدية هي التي تحمل الجزء الأكبر من القوة التشغيلية للمجموعة. فالحديد والمكيفات يشكلان معاً أكثر من 75% من إجمالي الإيرادات، ما يعني أن التحول الجديد لا يلغي الأساس القديم، بل يعيد توظيفه داخل بنية أوسع.

قطاع الحديد يبقى محورياً، خصوصاً في مجالات المباني سابقة الهندسة والهياكل الفولاذية، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالنمو العمراني والمشاريع الكبرى. أما قطاع المكيفات، فيمثل أحد أهم محركات الأداء الصناعي، لكنه لم يعد يُنظر إليه كمنتج تقليدي، بل كجزء من منظومة حلول تقنية أوسع تشمل التبريد والتحكم بالمناخ وإدارة الهواء.

هذا الربط بين القطاعات يوضح أن الشركة لا تسعى إلى الاستغناء عن أنشطتها الأساسية، وإنما إلى إعادة تنظيمها داخل نموذج واحد أكثر تكاملاً، بحيث تصبح كل وحدة صناعية داعماً للأخرى بدل أن تكون نشاطاً منفصلاً في السجل فقط.

محفظة التكييف تتحول إلى حلول متخصصة

أحد أبرز ملامح التحول يتمثل في التطور الذي شهدته أعمال التكييف. فالنشاط لم يعد مقتصراً على الوحدات السكنية أو الاستخدامات التقليدية، بل بات يشمل طيفاً أوسع من الحلول مثل أنظمة التبريد المركزي، ومعالجة الهواء، وتبريد مراكز البيانات، والتهوية الصناعية والبحرية.

وتدير الشركة أربع منشآت تصنيع في الدمام الصناعية بطاقة إنتاجية تتجاوز 1.1 مليون وحدة سنوياً، ويعمل لديها أكثر من 1600 موظف. وهذه الطاقة التصنيعية الكبيرة تمنحها قدرة واضحة على خدمة الأسواق الخليجية والإقليمية، خصوصاً في البيئات التي تتطلب أداءً عالياً في درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية.

كما أن توسع هذا القطاع يعكس اتجاهاً أوسع في المنطقة نحو الطلب على حلول التبريد المرتبطة بمراكز البيانات والمشروعات العملاقة، وهي قطاعات تحتاج إلى موردين قادرين على الجمع بين الاعتمادية والتخصص والقدرة على التنفيذ السريع.

العزل يصبح جزءاً من معادلة النمو

في النموذج الجديد، لم يعد العزل نشاطاً مكملاً أو ثانوياً، بل أصبح عنصراً استراتيجياً داخل البنية الصناعية للشركة. وتقدم «مجموعة العزل الخليجية» مجموعة من المنتجات تشمل الألياف الزجاجية والصوف الصخري والألواح العازلة والأنابيب المعزولة مسبقاً، وهي مكونات ترتبط مباشرة بكفاءة الطاقة والسلامة واستدامة المباني.

كما عززت الشركة هذا المسار عبر استحواذها في 2025 على الحصة المتبقية في «أفيكو»، وهو ما أضاف طبقة جديدة من التكامل التشغيلي ورفع القدرة على توسيع حضورها في مشاريع البناء الحديثة والبنية التحتية. هذا النوع من التوسع لا يهدف فقط إلى زيادة الحصة السوقية، بل إلى توحيد سلسلة القيمة الصناعية تحت إدارة واحدة.

وتزداد أهمية هذا القطاع مع ارتفاع الاهتمام بكفاءة الطاقة وتقليل الفاقد الحراري في المباني والمنشآت الصناعية، ما يجعل العزل مكوناً أساسياً في أي عرض صناعي متكامل يستهدف المشاريع الكبرى.

«زودكون» تعيد ترتيب جانب التنفيذ

من بين الخطوات اللافتة في التحول المؤسسي، إنشاء «زودكون» لتجميع أنشطة البناء والتنفيذ في منصة تشغيلية موحدة. وهذه الخطوة تعكس انتقال الشركة من منطق التصنيع فقط إلى منطق إدارة المشروع الكامل، حيث يجتمع التصميم والتوريد والتنفيذ في إطار واحد.

في قطاع البناء، لا تتحدد الميزة التنافسية بجودة المنتج وحدها، بل بسرعة التنسيق بين مراحل المشروع المختلفة، وبقدرة الشركة على تقليل عدد الأطراف المشاركة في التنفيذ. لذلك، يمثل هذا التوجه محاولة عملية لتقليل التعقيد وتسريع التسليم وتحسين التحكم في الجودة والتكاليف.

وتبدو هذه المقاربة مناسبة للسوق السعودي الحالي، حيث تزداد الحاجة إلى كيانات صناعية قادرة على العمل كمنصات حل متكاملة، وليس كموردين منفصلين لكل مرحلة من مراحل المشروع.

نتائج مالية تمنح التحول زخماً إضافياً

جاء هذا التحول بالتوازي مع أداء مالي قوي خلال 2025، ما يمنحه قدراً أكبر من المصداقية. فقد بلغت الإيرادات 6.2 مليار ريال، وارتفع إجمالي الربح إلى 1.114 مليار ريال، بينما وصل الربح التشغيلي إلى 261 مليون ريال بنمو 49%.

كما تحسن صافي الربح بشكل لافت ليصل إلى 101 مليون ريال، مقارنة بـ27 مليون ريال في العام السابق. وهذه الأرقام تشير إلى أن الشركة لا تعيد بناء هويتها في ظل ضغوط مالية حادة، بل في مرحلة يظهر فيها تحسن واضح في الكفاءة والانضباط التشغيلي.

مثل هذا التزامن بين إعادة التموضع الاستراتيجي وتحسن النتائج المالية يمنح التحول وزناً إضافياً، لأنه يربط بين الرؤية الجديدة والقدرة الفعلية على التنفيذ وتحقيق العائد.

الرقمنة تدخل في صلب النموذج

لم تعد الرقمنة في «صناعات» مجرد أداة لدعم العمليات الداخلية، بل بدأت تتحول إلى عنصر مؤثر في طريقة الوصول إلى السوق وإدارة الأداء. وتشير البيانات إلى أن مبيعات الإنترنت بلغت نحو 66 مليون ريال، وهو رقم يعكس توسعاً في القنوات الرقمية المباشرة، خصوصاً داخل قطاع المكيفات.

إلى جانب ذلك، تتجه الشركة إلى نقل مزيد من عملياتها إلى بيئة سحابية، مع تطبيق أنظمة ERP سحابية واستخدام التحليلات المتقدمة في دعم القرار وتحسين الكفاءة. وهذا يوضح أن النموذج الجديد لا يعتمد فقط على الأصول الصناعية، بل على البيانات والأنظمة الذكية في تشغيل تلك الأصول.

في الصناعة الحديثة، لم يعد التفوق مرتبطاً بالطاقة الإنتاجية فقط، بل أيضاً بسرعة الحصول على المعلومات ودقتها وقدرة الإدارة على توظيفها في التخطيط والتنبؤ والتحسين المستمر.

استراتيجية 2028 ترسم الإطار التالي

تقوم استراتيجية «صناعات 2028» على مجموعة مترابطة من الأولويات تشمل النمو، والريادة السوقية، والحلول المتكاملة، والابتكار، والتحول الرقمي، والمحتوى المحلي، والتميز التشغيلي، وتنمية رأس المال البشري.

اللافت في هذه الاستراتيجية أن عناصرها لا تعمل بشكل منفصل، بل تبدو مترابطة داخل منطق واحد: النمو يحتاج إلى منصة متكاملة، والمنصة تحتاج إلى كفاءة تشغيلية، والكفاءة تحتاج إلى رقمنة وبيانات، والابتكار يحتاج إلى رأس مال بشري مؤهل. بهذا المعنى، لا تقدم الشركة خطة قصيرة الأجل، بل تصوراً لإعادة بناء موقعها داخل الاقتصاد الصناعي السعودي.

كما أن التركيز على المحتوى المحلي يعكس انسجاماً مع اتجاهات أوسع في السوق السعودية نحو تعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية ورفع نسبة التصنيع المحلي في سلاسل الإمداد والمشروعات الكبرى.

من شركة صناعية إلى منصة متعددة القطاعات

الرسالة الأساسية من هذا التحول هي أن الشركة تريد أن تُقرأ بطريقة مختلفة: لا بصفتها مجموعة من المصانع فقط، بل بوصفها منصة تجمع الحديد والمكيفات والعزل والإنشاءات ضمن بنية عمل واحدة. وهذا ما يجعل التحول أكثر عمقاً من مجرد تغيير اسم أو شعار.

غير أن التحدي الحقيقي سيظل في التنفيذ. فنجاح النموذج الجديد يتوقف على قدرة الشركة على تحويل التكامل المعلن إلى قيمة تشغيلية ملموسة، وعلى قدرتها على إدارة التعقيد عبر سلسلة القيمة كاملة دون فقدان الكفاءة أو التخصص.

وفي سوق يتغير بسرعة، قد يكون هذا النوع من المنصات الصناعية هو الشكل الأقرب للنجاح المستدام، إذا استطاعت أن تربط بين التصنيع والبيانات والتنفيذ في نموذج واحد قابل للتوسع.