الشركات الناشئة 29-May-2026 6 دقائق قراءة

كيف بنت ركيزة الصبر شركة fintech لاتينية تخدم الملايين

قصة رائد أعمال أرجنتيني حوّل خبرته في العملات الرقمية إلى شركة مالية ناشئة تجمع المدفوعات والإنفاق وإدارة الأموال في منصة واحدة.

تُظهر قصة رجل الأعمال الأرجنتيني مانويل بيدرويت كيف يمكن لفكرة بدأت من اهتمام مبكر بالعملات الرقمية أن تتحول إلى مشروع مالي ناشئ واسع التأثير في أمريكا اللاتينية. فالرجل لم يكتفِ بمراقبة تطور الكريبتو من بعيد، بل حاول دفعه خارج دائرة المستخدمين المتخصصين ليصبح أداة مفيدة في الحياة اليومية، خاصة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استقبال الأموال وإدارتها عبر الحدود.

هذا التحول لم يكن سهلاً. فالسوق الرقمية في المنطقة مرت بتقلبات حادة، ومعها تعلّم بيدرويت أن بناء شركة مستدامة يحتاج إلى صبر طويل وقدرة على التعامل مع الإخفاقات قبل النجاحات. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الخبرة أساسًا لفلسفته في العمل: التركيز على الحلول الحقيقية بدل الانجذاب وراء الموجات المؤقتة.

من دراسة الأحياء إلى عالم الشركات الناشئة

وُلد بيدرويت ونشأ في الأرجنتين، وبدأ مساره الأكاديمي بدراسة الأحياء قبل أن ينتقل إلى إدارة الأعمال. هذا المسار غير التقليدي اتسق مع روح المبادرة التي ورثها من اهتمام والده بالتكنولوجيا. وفي بداياته، أطلق مشروعًا صغيرًا لبيع وحدات USB مخصصة، واستمر هذا النشاط لثلاث سنوات تقريبًا، لكنه كان كافيًا ليثبت له أن روح الريادة أصبحت جزءًا من مسيرته المهنية.

لاحقًا، عمل في شركة استشارية كبيرة ضمن فريق التسويق الرقمي. هناك اكتشف البيتكوين للمرة الأولى، وكانت انطباعاته الأولية متحفظة إلى حد كبير، لكنه سرعان ما غاص في التفاصيل التقنية والفرص التي قد تتيحها العملات الرقمية. هذا الاكتشاف غيّر اتجاهه بالكامل، ودفعه إلى التركيز بدوام كامل على هذا المجال الناشئ.

خلال ثلاث سنوات فقط، ساهم مع شركاء له في إطلاق منتجين مبكرين: سوقًا للتداول بين الأفراد، ومنصة من أوائل منصات تبادل العملات الرقمية في أمريكا اللاتينية. ومع أربعة مؤسسين مشاركين، توسع المشروع إلى تشيلي وباراغواي وأوروغواي، كما حقق إنجازًا لافتًا حين أصبح أول مشروع يربط بنكًا بشبكة بيتكوين ويتيح مدفوعات عابرة للحدود، ما خفّض كلفة التحويلات الخارجية بنسبة كبيرة.

من خدمة المتخصصين إلى خدمة المستخدم العادي

رغم النجاح المتزايد، شعر بيدرويت أن المنتج الذي بناه ظل يخدم شريحة مهتمة مسبقًا بالكريبتو، لا المستخدم العادي الذي يحتاج إلى حلول مالية مباشرة وبسيطة. ومع حلول عام 2020، بدأ يرى أن التحدي الحقيقي ليس في ابتكار تقنية جديدة، بل في جعل هذه التقنية مفهومة ومفيدة للناس في حياتهم اليومية.

جاءت الفكرة التالية من تجربة عملية جدًا. أثناء تقديمه دورة تدريبية عبر الإنترنت حول العملات الرقمية، واجه مشكلة في الحصول على مستحقاته من المنصة. عندها اصطدم بواقع مألوف لدى كثير من العاملين في أمريكا اللاتينية: صعوبة استلام الأموال من الخارج، ثم التعقيد الناتج عن تحويلها إلى مدفوعات محلية أو استخدامها بشكل طبيعي.

من هنا وُلدت شركة بيـلو، بوصفها منصة تجمع بين استقبال الأموال من أي مكان، وإدارة المدفوعات، والتعامل مع العملات الرقمية، ومتابعة المصروفات في مكان واحد. الفكرة لم تكن مجرد إضافة خدمة جديدة، بل محاولة لتقليل الاعتماد على عدة مزودين وخدمات متفرقة لإنجاز أبسط العمليات المالية.

استهدفت الشركة بشكل خاص العاملين عن بُعد والمستقلين الذين يتقاضون رواتبهم من شركات خارج بلدانهم. هؤلاء يحتاجون إلى حل يربط العالم الرقمي بالاحتياجات المحلية، ويمنحهم وسيلة أكثر سلاسة للتحرك بين الدولار واليورو والعملات المشفرة والمدفوعات اليومية.

ومع الوقت، تطور المنتج ليشمل الادخار بالعملات الرقمية، ودفع الفواتير، واستقبال الأموال بالدولار واليورو، ثم استخدام الرصيد في الحياة اليومية. هذا التوسع التدريجي جذب اهتمام المستثمرين، وحصلت الشركة على تمويل بلغ 4.2 مليون دولار من أكثر من سبع جهات استثمارية.

العمل في سوق متقلب يتطلب جلدًا عاليًا

العمل في قطاع العملات الرقمية لا يخلو من التشكيك، خصوصًا بعد فترات الهبوط الحاد التي شهدها السوق. لكن بيدرويت يقول إن البقاء في المجال منذ عام 2012 منحه منظورًا مختلفًا؛ فقد شاهد أكثر من دورة صعود وهبوط، وتعلم أن الذعر ليس استراتيجية، وأن التقنية لا تختفي لمجرد تغيّر المزاج العام حولها.

في نظره، كل موجة حماس في السوق تعقبها عادة فترة ارتباك، ثم تعود الصناعة لتتخذ شكلًا جديدًا. لهذا يفضل التفكير في المدى الطويل بدل الركض وراء الاتجاهات السريعة. وهو يرى أن بعض الشركات تلاحق الضجيج من أجل الربح السريع، بينما القيمة الحقيقية تأتي من بناء منتج ثابت يحتاجه الناس بالفعل.

هذه النظرة ساعدته على تجاوز الضغوط النفسية المرتبطة بالعمل في بيئة شديدة التذبذب. كما دفعته إلى تبني قاعدة واضحة: لا يمكن لمؤسس شركة ناشئة أن يلاحق كل فرصة جذابة، بل عليه أن يحدد بوضوح من هو المستخدم، وما المشكلة التي يريد حلها، ومدى حجم هذه المشكلة.

ويؤكد أن هذه الأسئلة الأساسية هي ما يحدد الأولويات لاحقًا. فإذا كان فهم العميل والمشكلة قويًا، تصبح بقية القرارات مسألة ترتيب وتنفيذ، لا بحثًا عشوائيًا عن الاتجاه الأنسب.

التوسع إلى البرازيل وخطة النمو المقبلة

بعد انتشار خدمات بيـلو في 20 دولة في أمريكا اللاتينية لإجراء المعاملات، تتجه الشركة الآن إلى تعميق وجودها في السوق البرازيلية. ويأتي هذا التوجه بعد نجاحها في الأرجنتين، مع التركيز على الخدمات الأكثر شمولًا مثل دفع الفواتير، وبطاقات الخصم المرتبطة بماستركارد، والسحب النقدي باستخدام العملات الرقمية.

البرازيل تمثل فرصة ضخمة في مشهد التكنولوجيا المالية، كما أنها تضم نسبة كبيرة من العاملين المستقلين في المنطقة. ولهذا لا ترى الشركة السوق البرازيلية مجرد توسع جغرافي إضافي، بل نقطة تحول قد تعزز موقعها بين المنصات المالية التي تستهدف فئة العاملين عبر الحدود.

وقد بدأت الشركة بالفعل في بناء حضورها هناك عبر التواصل مع السوق المحلي وفهم دينامياته، إلى جانب ربط خدماتها بمنصة بايكس، وهي أكبر منصة للمدفوعات الفورية في البرازيل. هذا التكامل يسمح لحاملي حسابات بيـلو بإرسال الأموال أو استقبالها من وإلى البرازيل بصورة أكثر سلاسة.

غير أن بيدرويت يدرك أن السوق البرازيلية تنافسية للغاية، وأن العملاء هناك أكثر صرامة في تقييم التجربة والخدمة. لذلك يعتمد التوسع على التدرج، ودراسة الاحتياج المحلي، وبناء الثقة خطوة بخطوة، بدل محاولة دخول السوق بقفزة كبيرة غير محسوبة.

ما الذي يمكن أن تتعلمه الشركات الناشئة من هذه التجربة؟

تكشف هذه المسيرة أن بناء شركة ناشئة ناجحة في أمريكا اللاتينية لا يتعلق فقط بامتلاك فكرة تقنية جديدة. الأهم هو فهم المشكلات المالية اليومية التي يواجهها المستخدمون، ثم تصميم حل بسيط يربط بين الاحتياجات المحلية والاقتصاد العالمي.

كما أن التجربة تبرز أهمية الانضباط المؤسسي في القطاعات المتقلبة. فالمؤسس الذي ينجح ليس بالضرورة من يطارد أكثر الأفكار لمعانًا، بل من يواصل تحسين منتج واضح المعالم، ويقبل ببطء النمو إذا كان ذلك يعني استدامة أكبر.

وفي حالة بيـلو، كانت نقطة الانطلاق بسيطة: مشكلة في استلام الأموال واستخدامها. لكن تحويل هذه المشكلة إلى منصة مالية متعددة الوظائف تطلب صبرًا، ومرونة، ووعيًا دقيقًا بحجم السوق، ومثابرة على تطوير المنتج بدلاً من التشتت بين الفرص.

لهذا تبدو قصة بيدرويت مثالًا عمليًا على نوعية الشركات الناشئة التي تنجح حين تكون قريبة من الواقع اليومي للمستخدم. فحين يكون المنتج مرتبطًا بحاجة حقيقية، يصبح التوسع ممكنًا، حتى في أسواق صعبة ومليئة بالتقلبات.