الشركات الناشئة 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ياسمين رضوي تقود رهان Spark Capital على Anthropic إلى عائد يقترب من 3 مليارات دولار

تحولت رهانات Spark Capital المبكرة على Anthropic إلى واحدة من أبرز قصص العائد في الاستثمار الجريء، بعدما قفزت قيمة حصة بقيمة 75 مليون دولار إلى ما لا يقل عن 3 مليارات دولار مع صعود الشركة في سباق الذكاء الاصطناعي.

في الاستثمار الجريء، لا تكفي قراءة السوق وحدها لصناعة الصفقة الكبيرة؛ أحياناً يكون الفارق الحقيقي هو القدرة على الالتزام بفكرة تبدو بعيدة عن الإجماع في لحظة مبكرة جداً. هذا ما تعكسه تجربة ياسمين رضوي، الشريكة في Spark Capital، مع شركة Anthropic، التي تحولت من شركة ناشئة غير معروفة تقريباً إلى أحد أكبر أسماء الذكاء الاصطناعي عالمياً.

القصة بدأت في وقت لم يكن فيه كثير من المستثمرين يبدون حماساً لشركة خرجت من رحم OpenAI على يد مجموعة من المهندسين بقيادة داريو ودانييلا أموديي. في عام 2021، كانت Anthropic تفتقر إلى منتج معلن وإلى إيرادات تشغيلية، وكانت لا تزال تبحث عن تمويل ضخم يساعدها على بناء تقنياتها الأساسية. في تلك المرحلة، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد أصبح بعد العنوان الرئيسي في السوق.

ومع ذلك، لم تتعامل رضوي مع الشركة باعتبارها مجرد فرصة عابرة. على العكس، قادت Spark Capital إلى حجز موقع متقدم في دعم Anthropic، ثم عادت لتقود جولة تمويل كبيرة في مايو 2023 بلغت 450 مليون دولار، وهو أكبر التزامات الشركة الاستثمارية في ذلك الوقت. وقدرت الصفقة الشركة آنذاك بنحو 5 مليارات دولار، في وقت كان لا يزال فيه المستثمرون منقسمين بشأن آفاق السوق.

رهان مبكر على فريق تقني لا على ضجيج السوق

ما ميّز قرار Spark Capital لم يكن حجم الشيك فقط، بل القناعة بأن الفريق المؤسس يملك رؤية تقنية قابلة للتحول إلى منصة مؤثرة. بحسب ما تكشفه مسار الصفقة، فإن رضوي استندت إلى تقييم طويل للمؤسسين ومنهجهم في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي، لا إلى مؤشرات مالية سريعة أو ضجة إعلامية مؤقتة.

هذا النوع من الاستثمار يعتمد على فرضية واضحة: إذا كان الفريق قادراً على تطوير بنية تقنية قوية، فإن السوق سيأتي لاحقاً. وفي حالة Anthropic، أثبتت الأحداث أن هذا الرهان كان صحيحاً. فمع الوقت، أصبحت الشركة اسماً مركزياً في المنافسة العالمية على نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تصاعد الاهتمام بمنتج Claude وما تبعه من تطبيقات موجهة للمطورين والشركات.

من 75 مليون دولار إلى ما لا يقل عن 3 مليارات

النتيجة المالية كانت لافتة. استثمار Spark Capital الأولي البالغ 75 مليون دولار ارتفعت قيمته، وفق تقديرات المشاركين في السوق، إلى ما لا يقل عن 3 مليارات دولار. هذه القفزة الهائلة تعكس حجم التحول الذي شهدته الشركة خلال فترة قصيرة نسبياً، كما تضع رضوي ضمن أبرز المستثمرين الجدد في قائمة فوربس لمستثمري Midas لهذا العام، حيث جاءت في المرتبة الثالثة عشرة.

ولا يقتصر معنى هذا الإنجاز على رقم العائد فقط. فمثل هذه الصفقات تكشف كيف يمكن لمستثمر جريء أن يغيّر موقعه في السوق عندما ينجح في قراءة الاتجاهات قبل أن تصبح واضحة للجميع. وفي بيئة تتسم بتقلبات سريعة وتنافس شديد على أفضل الشركات الناشئة، قد يكون الدخول المبكر هو العامل الأكثر تأثيراً في صناعة القيمة.

Claude Code وتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات

مع توسع Anthropic، بدأت منتجاتها تكتسب حضوراً تجارياً أكبر، خصوصاً في سوق أدوات البرمجة التوليدية. ومن بين ما برز في هذا المسار Claude Code، الذي تشير التقديرات إلى أنه أصبح خلال شهور قليلة يحقق إيرادات سنوية تتجاوز 2.5 مليار دولار. كما ظهرت منصات وخدمات مكملة مثل Claude Cowork، ما عزز من حضور الشركة داخل البنية الجديدة لقطاع البرمجيات المؤتمتة.

هذا التحول من شركة ناشئة تتلقى تمويلاً إلى شركة قادرة على تحقيق إيرادات ضخمة يوضح كيف تغيرت معايير التقييم في سوق الذكاء الاصطناعي. فلم يعد السؤال مقتصراً على قدرة النموذج التقني، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بسرعة التبني لدى المؤسسات، وحجم الاستخدام الفعلي، ومدى قدرة المنتج على الاندماج في سير العمل اليومي للشركات.

توسع سريع وسط سباق تمويل ضخم

بحلول 2026، ارتفعت التقديرات الخاصة بالإيرادات السنوية لـ Anthropic إلى 30 مليار دولار، مدفوعة بتوسع الاعتماد المؤسسي على منتجاتها، ولا سيما بين شركات التقنية الكبرى. لكن هذا الصعود لم يكن ممكناً من دون رأس مال ضخم؛ إذ جمعت الشركة، بحسب التقديرات المتداولة، أكثر من 100 مليار دولار على امتداد جولات التمويل المختلفة.

ويعكس هذا الحجم من التمويل حقيقة باتت واضحة في قطاع الذكاء الاصطناعي: بناء النماذج المتقدمة وتشغيلها على نطاق واسع يتطلب رؤوس أموال ضخمة، وقدرة مستمرة على جذب المستثمرين، ومعدلات استخدام تبرر هذا الإنفاق. لذلك، فإن النجاح في هذا القطاع لا يعتمد فقط على الابتكار، بل أيضاً على القدرة على إقناع السوق بأن الابتكار قابل للتحول إلى بنية تجارية مستدامة.

منافسة مفتوحة واعتقاد ثابت برؤية المؤسسين

المشهد اليوم أكثر ازدحاماً من أي وقت مضى. فالمنافسة تشمل OpenAI وGoogle وشركات أخرى، إلى جانب أسماء بارزة في وادي السيليكون مثل إيلون ماسك. ومع ذلك، لا تزال رضوي، وفق ما يظهر من موقفها العلني، ترى أن Anthropic تمتلك مقومات تسمح لها بمواصلة التقدم في هذا السباق.

تستند هذه القناعة إلى عنصرين أساسيين: جودة الفريق المؤسس، وقدرته على الوفاء بالوعود التقنية والتجارية. فكلما زادت أهمية الذكاء الاصطناعي في قطاعات الأعمال والبرمجيات، ارتفعت قيمة الشركات التي تستطيع الجمع بين البحث والتطوير والتطبيق العملي. ومن هنا، لم يعد الاستثمار في Anthropic مجرد صفقة ناجحة، بل نموذجاً على كيفية قراءة التحولات الكبرى في الشركات الناشئة قبل اكتمالها.

وبالنسبة لسوق رأس المال الجريء، فإن هذه القصة تقدم درساً واضحاً: أفضل العوائد لا تأتي دائماً من الصفقات الأكثر وضوحاً في بدايتها، بل من القدرة على فهم اتجاه طويل المدى، ثم الصبر حتى تتحول الفرضية إلى واقع تجاري. وهذا بالضبط ما حدث في الرهان المبكر على Anthropic.