صفقة تعيد رسم ملكية أحد أبرز أصول التنقل الرقمي
أعلنت مجموعة e& الإماراتية توقيع اتفاقية ملزمة مع Uber Technologies لبيع 12.5% من شركة Careem Technologies مقابل 100 مليون دولار نقداً. وتأتي الصفقة في وقت تواصل فيه الشركة إعادة ترتيب استثماراتها في الخدمات الرقمية، مع الإبقاء على حضور مؤثر داخل واحدة من أكثر المنصات التقنية انتشاراً في المنطقة.
وبعد إتمام الإجراءات التنظيمية وإغلاق الصفقة، ستنخفض حصة e& في Careem Technologies من 50.03% إلى 37.53%. ورغم هذا التراجع النسبي، فإن المجموعة ستظل شريكاً رئيسياً في الشركة، ما يعكس نهجاً يقوم على تخفيف التعرض الرأسمالي من دون الانسحاب الكامل من الأصول ذات النمو المرتفع.
استراتيجية لا تنهي الشراكة بل تعيد ضبطها
لا تبدو الخطوة انعطافاً بعيداً عن Careem بقدر ما هي إعادة مواءمة للاستثمار مع أولويات e& الأوسع. فالمجموعة، التي تعمل على ترسيخ مكانتها كمجموعة تقنية واستثمارية، تواصل التركيز على إدارة رأس المال بكفاءة أكبر، مع الاحتفاظ بحصة تسمح لها بالاستفادة من نمو المنصة في المستقبل.
وتشير هذه المقاربة إلى أن الشركات الكبرى في المنطقة أصبحت تميل إلى موازنة المحافظ الاستثمارية بدل التمسك الكامل بحصص الأغلبية. فالاحتفاظ بنسبة مؤثرة يتيح المشاركة في المكاسب المحتملة، بينما يوفر بيع جزء من الحصة سيولة يمكن إعادة توجيهها إلى قطاعات أخرى.
جذور العلاقة بين e& وCareem
تعود بداية هذا المسار إلى عام 2023، عندما استحوذت e& على 50.03% من أعمال Careem غير المرتبطة بخدمات نقل الركاب مقابل 400 مليون دولار. وجرى حينها فصل خدمات السوبر آب عن نشاط التنقل التقليدي، لتأسيس كيان مستقل تحت اسم Careem Technologies.
وضم الكيان الجديد مجموعة من الخدمات الرقمية، من بينها التوصيل والمدفوعات والتنقل المصغر وخدمات أخرى مرتبطة بالمنصات الاستهلاكية. وكان الهدف من هذه الخطوة بناء أصل تقني أكثر مرونة، قادر على النمو خارج حدود تطبيق النقل التقليدي.
Uber تعزز موقعها في الهيكل الجديد
تعكس الصفقة أيضاً حرص Uber على تعزيز موقعها داخل المنظومة التي ارتبطت بها منذ استحواذها التاريخي على Careem. فقد أتمت الشركة الأميركية صفقة شراء Careem بقيمة 3.1 مليار دولار، وهي واحدة من أكبر صفقات التكنولوجيا في الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين، احتفظت Uber بالملكية الكاملة لنشاط نقل الركاب، فيما بقيت مشاركة في أعمال السوبر آب. ومع رفع حصتها في Careem Technologies ضمن هذه الصفقة، يبدو أن الشركة تعيد تأكيد التزامها بالسوق الإقليمية وبفرص التوسع المرتبطة بالخدمات الرقمية متعددة الاستخدامات.
السوبر آب يواصل التوسع خارج النقل
خلال السنوات الماضية، انتقلت Careem من كونها تطبيقاً لحجز الرحلات إلى منصة رقمية متعددة الخدمات. وتشمل المنظومة الحالية توصيل الطعام والبقالة، والمدفوعات الرقمية، والخدمات المالية، إضافة إلى التنقل والخدمات المنزلية.
هذا التحول رفع من قيمة الشركة التشغيلية في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، حيث تعمل على خدمة ملايين المستخدمين عبر عدة بلدان. كما ساعدها على التحول من نشاط أحادي إلى بنية أكثر تنوعاً، وهو ما يفسر الاهتمام المستمر من المستثمرين والشركاء الاستراتيجيين.
وبحسب ما أشارت إليه e&، فقد سجلت أعمال Careem Technologies نمواً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، سواء على مستوى حجم المعاملات أو اتساع نطاق الأنشطة التشغيلية. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في سوق تتزايد فيه المنافسة على بناء تطبيقات شاملة قادرة على جمع أكثر من خدمة في واجهة واحدة.
أبعاد مالية واستراتيجية للصفقة
تُظهر الصفقة أن القيمة الحقيقية في قطاع التكنولوجيا بالمنطقة لا ترتبط فقط بحجم الملكية، بل بقدرة الشركات على تحويل الاستثمار إلى شراكة طويلة الأجل. فبيع جزء من الحصة مقابل 100 مليون دولار يمنح e& مرونة مالية أكبر، من دون التخلي عن التعرض لنمو إحدى أكثر المنصات الواعدة.
ومن ناحية أخرى، يرسخ هذا التطور فكرة أن الأصول الرقمية الكبرى أصبحت تُدار بمنطق المحافظ الاستثمارية المتحركة. فالشركات الأم قد تزيد أو تخفض حصصها بحسب المرحلة، بينما يبقى الرهان الأساسي على حجم السوق وسرعة التوسع وكفاءة التشغيل.
نافذة مستقبلية لإعادة التقييم
تتضمن الاتفاقية بنوداً تمنح e& وUber مساحة لإعادة النظر في هيكل الملكية خلال فترة تمتد بين نهاية 2031 وبداية 2032. ويعني ذلك أن العلاقة بين الطرفين ليست ثابتة بصورة نهائية، بل تظل قابلة لإعادة التشكيل وفقاً لتطورات السوق وأداء الشركة.
هذا النوع من الترتيبات يعكس أيضاً نضجاً أكبر في صفقات التكنولوجيا الكبرى، حيث لا تُبنى العلاقات على صفقة واحدة مغلقة، بل على مسارات متدرجة تسمح بتعديل الحصص مع تغير الظروف. وفي بيئة اقتصاد التطبيقات، تبدو هذه المرونة عنصراً أساسياً في إدارة الاستثمارات طويلة الأجل.
دلالات أوسع على سوق الشركات الناشئة
بعيداً عن تفاصيل الملكية، تكشف الصفقة عن تحول أوسع في سوق الشركات الناشئة والتقنية في المنطقة. فالمستثمرون الاستراتيجيون باتوا يفضلون المنصات القادرة على الجمع بين النقل والتوصيل والمدفوعات والخدمات اليومية ضمن تطبيق واحد، لأن هذا النموذج يخلق تكراراً أعلى في الاستخدام وفرصاً أكبر لتحقيق الإيرادات.
كما تعكس الصفقة استمرار اهتمام الشركات الكبرى بالأصول التقنية التي تمتلك قاعدة مستخدمين واسعة وحضوراً إقليمياً متعدد الأسواق. وفي هذا السياق، تظل Careem Technologies من أبرز الأمثلة على الشركات التي انتقلت من مجرد خدمة واحدة إلى بنية رقمية متكاملة، ما يجعلها لاعباً محورياً في مشهد الشركات الناشئة في الشرق الأوسط.
ومع هذه الخطوة الجديدة، تبدو e& وUber في مرحلة إعادة توزيع للأدوار، لا في مرحلة انفصال. والنتيجة المباشرة هي هيكل ملكية أكثر توازناً، بينما تبقى الرهانات الأساسية مرتبطة بنمو السوق الرقمي وقدرة Careem على توسيع قاعدة خدماتها في السنوات المقبلة.