خلال السنوات الأخيرة، انتقل البروتين من كونه عنصرًا غذائيًا تقليديًا إلى فئة استهلاكية واسعة تمتد من الحليب والزبادي إلى البسكويت والآيس كريم والمشروبات الجاهزة. هذا التحول يظهر بوضوح في أسواق الخليج، حيث باتت المنتجات المدعمة بالبروتين أكثر حضورًا على الأرفف وفي المقاهي والمتاجر الكبرى، بعد أن كانت محدودة الانتشار في أوائل العقد الماضي.
لكن هذا الانتشار السريع لم يعد مجرد قصة طلب استهلاكي، بل بدأ يكشف عن ضغط فعلي على سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في مادة الواي بروتين، وهي أحد أكثر المكونات استخدامًا في الصناعة الغذائية الرياضية والوظيفية. ومع صعود الطلب، أصبحت الشركات تواجه صعوبة أكبر في الحصول على الكميات التي تحتاجها، ما يدفع بعض المصنّعين إلى البحث عن بدائل أو تعديل وصفاتهم.
سوق يتوسع أسرع من الإمدادات
تشير تقديرات القطاع إلى أن سوق الواي بروتين العالمي مرشح للنمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 7.5% بين 2025 و2033، وهو معدل يعكس اتساع قاعدة المستهلكين وليس الرياضيين فقط. الطلب لم يعد مرتبطًا بثقافة كمال الأجسام وحدها، بل بانتشار ما يُعرف بالأغذية الوظيفية، أي المنتجات التي تُسوّق باعتبارها مفيدة للصحة اليومية وتعافي العضلات والشبع.
في الولايات المتحدة، تفاقم الضغط على الإمدادات مع ارتفاع الطلب من شركات الأغذية والمشروبات التي تعتمد على الواي بروتين كمكوّن أساسي. كما ساهمت موجة أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1 في تعزيز الاستهلاك، إذ بات كثير من المستخدمين يُنصحون بزيادة البروتين للحفاظ على الكتلة العضلية، ما رفع الحاجة إلى هذا المكوّن بشكل غير متوقع.
هذا الارتفاع في الطلب انعكس أيضًا على أسعار الوحدات المتاحة، وأصبح الدخول إلى السوق أصعب بالنسبة للمشترين الجدد، بعدما باعت بعض الشركات إنتاجها مقدمًا لفترات تمتد إلى 2026. وبذلك لم تعد الأزمة مجرد تقلب سعري عابر، بل إشارة إلى اختلال واضح بين نمو السوق والقدرة الإنتاجية.
الخليج يواكب موجة البروتين
في دول الخليج، يتخذ الاتجاه نفسه شكلًا مختلفًا لكنه لا يقل وضوحًا. فالمستهلك أصبح أكثر اهتمامًا بالمنتجات التي تَعِد بقيمة غذائية أعلى، سواء كانت ألبانًا أو وجبات خفيفة أو بدائل للحلويات التقليدية. وتظهر أبحاث محلية من دبي أن فئات الوجبات الخفيفة عالية البروتين أصبحت من بين الفئات الأكثر جاذبية للموزعين وتجار التجزئة، في ظل تزايد التركيز على الصحة وإدارة الوزن.
هذا التوجه شجع شركات إقليمية على إطلاق خطوط إنتاج خاصة بها. في السوق السعودي، طورت شركة ندى منتجات ألبان متعددة مدعمة بالبروتين، بينما قدمت الروابي في الإمارات مجموعة Protein+ Milk. كما دخلت المقاهي ومتاجر الأغذية المتخصصة على الخط، لتضيف خيارات مثل الزبادي المجمد عالي البروتين إلى قائمة المنتجات اليومية.
لكن توسع الفئة لا يعني بالضرورة أن كل منتج مدعم بالبروتين يحقق فائدة غذائية حقيقية. فبعض الشركات تستخدم الكلمة كأداة تسويق تمنح المنتج صورة صحية جذابة، حتى عندما يظل غنيًا بالسكر أو السعرات الحرارية. هنا يتحول البروتين من قيمة غذائية إلى عنصر في صياغة العلامة التجارية.
ما الذي يفعله الواي بروتين في الجسم؟
الواي بروتين يُعد من البروتينات سريعة الامتصاص، ما يجعله مناسبًا لبعض الأهداف الغذائية، خصوصًا بعد التمارين أو عند الحاجة إلى دعم بناء العضلات. فهو يصل إلى مجرى الدم بسرعة أكبر من البروتينات الموجودة في الأطعمة الكاملة، ما يؤدي إلى دفعة سريعة في تصنيع البروتين العضلي.
لكن هذه السرعة لا تعني أنه أفضل في كل الحالات. الأطعمة الكاملة مثل الدجاج أو البيض أو البقوليات توفر إطلاقًا أبطأ وأكثر تدرجًا للأحماض الأمينية، إلى جانب عناصر غذائية أخرى مهمة مثل الألياف والفيتامينات والدهون الصحية. لهذا يرى مختصون أن الاعتماد المفرط على المساحيق والمكملات قد يخلق اختلالًا في النظام الغذائي بدل أن يحسنه.
وتختلف ملاءمة الواي بروتين من شخص لآخر. فالأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز قد يواجهون انتفاخًا أو انزعاجًا هضميًا، خاصة مع الأنواع المركزة. كما يحتاج المصابون بمشكلات كلوية إلى توخي الحذر، لأن الإفراط في تناول البروتين قد يفرض عبئًا إضافيًا على الكلى المتضررة أصلًا.
بين الاحتياج الحقيقي والمبالغة التسويقية
التوصيات الغذائية الخاصة بالبروتين تغيرت خلال السنوات الأخيرة. فبينما كان الحد التقليدي الشائع يقف عند 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، تميل الإرشادات الأحدث إلى نطاق يتراوح بين 1.2 و1.6 غرام لكل كيلوغرام لدى بعض الفئات، خاصة مع التقدم في العمر أو زيادة النشاط البدني. لكن هذه الزيادة لا تعني أن المزيد أفضل تلقائيًا.
بالنسبة لشخص يزن 70 كيلوغرامًا، كان التقدير القديم يعادل نحو 56 غرامًا يوميًا، بينما ترفع الإرشادات الحديثة هذا الرقم إلى ما بين 84 و112 غرامًا، بحسب العمر ومستوى النشاط والأهداف الصحية. ومع ذلك، لا تظهر فائدة البروتين الإضافي إلا إذا ترافق مع تدريب مقاومة منتظم. أما من دون نشاط بدني مناسب، فغالبًا ما تتحول الزيادة إلى سعرات حرارية إضافية لا أكثر.
في الخليج على وجه الخصوص، يرى بعض المختصين أن التركيز المفرط على البروتين قد يكون نوعًا من «التعويض الزائد» عن مشكلات غذائية أخرى أكثر إلحاحًا، مثل نقص بعض المغذيات الدقيقة، والارتفاع الزائد في السعرات، وانتشار الأمراض المزمنة المرتبطة بالنمط الغذائي. وبمعنى آخر، قد يكون السوق مشغولًا بحل سؤال ليس هو الأهم.
من يشتري هذه المنتجات فعلًا؟
المستهلكون لا يتجهون إلى منتجات الواي بروتين للأسباب نفسها. بعضهم بدأ التجربة بدافع تحسين الأداء الرياضي، وآخرون تبنوها لأنها كانت خيارًا عمليًا في إطار ميزانية محدودة. لكن مع الوقت، تغيّرت الأولويات لدى كثيرين، وبدأت الاعتبارات المالية أو الرغبة في الابتعاد عن المنتجات المصنعة تدفع البعض إلى التوقف عن شرائها.
هذا التراجع الجزئي لا يعني أن السوق يتجه إلى الانكماش، بل ربما إلى إعادة التوازن. فكلما زادت المنافسة بين العلامات التجارية، كلما صار من الأسهل إقناع المستهلك بأن البروتين عنصر أساسي في كل وجبة ووجبة خفيفة. غير أن هذا المنطق لا ينسجم دائمًا مع الحقائق الغذائية، خصوصًا إذا كانت الوجبات الأساسية أصلًا كافية من حيث البروتين.
ويُضاف إلى ذلك قلق متزايد بشأن جودة بعض مساحيق البروتين. فبعض التحقيقات الاستهلاكية في السنوات الأخيرة أثارت أسئلة حول وجود معادن ثقيلة في عدد كبير من المنتجات المتداولة، ما زاد من حساسية المستهلكين تجاه هذه الفئة. ومع غياب معايير تنظيمية موحدة في بعض الأسواق، يصبح قرار الشراء أكثر تعقيدًا بالنسبة للمستهلك العادي.
ما الذي تكشفه الأزمة؟
أزمة الواي بروتين لا تبدو مجرد مشكلة توريد، بل مؤشراً على تحول أوسع في سلوك المستهلكين وفي الطريقة التي تُبنى بها فئات الأغذية الجديدة. فالسوق يتحرك بسرعة نحو كل ما يحمل كلمة «بروتين»، حتى عندما لا يكون ذلك ضروريًا من الناحية الغذائية أو الأفضل من الناحية الصحية.
بالنسبة للشركات الناشئة والعلامات المحلية، يفتح هذا التحول فرصة واضحة: تطوير منتجات أكثر تخصصًا، وتحسين الشفافية في المكونات، وتقديم بدائل تركز على القيمة الغذائية الحقيقية لا على التسمية التجارية فقط. أما بالنسبة للمستهلك، فالسؤال الأهم ليس كم بروتين في المنتج، بل ما الذي يقدمه هذا المنتج فعلًا ضمن نظام غذائي متوازن.