أعاد تصريح تلفزيوني بارز فتح نقاش قديم متجدد في بريطانيا: هل يوجد عدد أكبر من الحانات مما يحتاجه السوق فعلاً، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في الضغوط الاقتصادية التي تدفع هذا النوع من الأعمال إلى الإغلاق؟
في قلب هذا الجدل، برزت آراء مقدم البرامج جيمس ماي، الذي يرى أن بقاء الحانة لم يعد مرتبطاً فقط بالحماية أو العاطفة الشعبية، بل بقدرتها على العمل كمنشأة تجارية قابلة للاستمرار. هذا الطرح أثار ردود فعل متباينة، لأنه يصطدم مع نظرة واسعة تعتبر الحانة جزءاً أصيلاً من الحياة الاجتماعية البريطانية.
لكن بعيداً عن الجدل الإعلامي، تكشف الأرقام أن القطاع يمر بمرحلة صعبة. فالحانات تواجه تكاليف أعلى بكثير من السابق، فيما تتآكل هوامش الربح تدريجياً، الأمر الذي يجعل أي نقاش حول عدد الحانات مرتبطاً مباشرة بقدرة هذه الأعمال على البقاء في بيئة تشغيلية أصعب من أي وقت مضى.
الحانة بين الرمزية الثقافية ومنطق الأعمال
الحانة في بريطانيا ليست مجرد مكان لبيع المشروبات. فهي مساحة اجتماعية يرتبط بها السكان المحليون والموظفون والطلاب والعائلات، وتشكل لدى كثيرين نقطة تجمع بعد العمل أو في عطلة نهاية الأسبوع. غير أن هذا البعد الثقافي لا يلغي حقيقة أن الحانة في النهاية شركة يجب أن تحقق الإيرادات وتغطي النفقات وتبقى قادرة على المنافسة.
هذا التوتر بين القيمة الرمزية والقيمة التجارية هو جوهر النقاش الحالي. فبعض الأصوات تدعو إلى دعم الحانات باعتبارها جزءاً من النسيج المحلي، بينما يذهب آخرون إلى أن إنقاذ كل حانة على حدة ليس حلاً عملياً إذا كانت النماذج التشغيلية نفسها غير قادرة على التكيف مع الواقع الجديد.
الرسالة الأساسية التي ظهرت من الجدل الأخير هي أن العاطفة وحدها لا تكفي. فالمستهلك اليوم أصبح أكثر حساسية للأسعار وأكثر انتقائية في إنفاقه، ما يعني أن الحانات مطالبة بتقديم قيمة واضحة تتجاوز مجرد تقديم الشراب.
تكاليف أعلى وإغلاقات متسارعة
تشير البيانات المتداولة في السوق إلى أن عدد الحانات في بريطانيا تراجع إلى 44,650 حانة في 2026، بعد خسارة 16,150 موقعاً منذ عام 2000. كما تظهر تقارير إعلامية أن الإغلاقات لا تزال مستمرة بوتيرة مقلقة، مع تسجيل نحو حالتي إغلاق يومياً خلال 2026.
هذا التراجع ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة مجموعة من الضغوط المتداخلة. أولها ارتفاع فواتير الطاقة، وهو بند مؤثر بشدة على الأعمال التي تعتمد على التشغيل لساعات طويلة وتحتاج إلى استهلاك مستمر للكهرباء والتدفئة والتبريد. يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التوظيف، بما في ذلك المساهمات التأمينية الوطنية، ما يرفع كلفة الأجور في قطاع يعاني أصلاً من ضيق الهوامش.
كما تمثل معدلات الأعمال عبئاً إضافياً على المشغلين، خاصة بالنسبة للحانات المستقلة أو الصغيرة التي لا تمتلك قدرة تفاوضية أو احتياطيات مالية كبيرة. وفي قطاع يعتمد غالباً على التدفق اليومي النقدي وعلى الطلب الموسمي، يمكن لأي زيادة في النفقات الثابتة أن تؤثر مباشرة في الاستمرارية.
تغير سلوك المستهلك يضغط على الإيرادات
إلى جانب التكاليف، يواجه القطاع تحولاً واضحاً في عادات الإنفاق. فالأزمة المعيشية دفعت كثيراً من المستهلكين إلى تقليص الخروج المتكرر، والبحث عن بدائل أرخص أو الاكتفاء بالخدمات المنزلية واللقاءات الأقل كلفة. ووفق بيانات سوقية، قال 63% من البريطانيين إنهم خفضوا زياراتهم للحانات بسبب ارتفاع الأسعار.
كما ارتفع سعر كأس الجعة بنسبة 36% خلال السنوات الأربع الماضية، وهو تطور يزيد الفجوة بين ما يدفعه المستهلك وما يعتبره سعراً مقبولاً لتجربة ترفيهية متكررة. وعندما تصبح الزيارة الأسبوعية أو حتى الشهرية أقل قدرة على المنافسة أمام خيارات أخرى، تبدأ الحانات بفقدان جزء من الطلب المنتظم الذي تعتمد عليه.
ولا يقتصر التحول على الأسعار فقط، بل يشمل أيضاً التوقعات. فجيل أصغر من المستهلكين لا يبحث بالضرورة عن الحانة التقليدية نفسها التي كانت تجذب الأجيال السابقة. هناك اهتمام أكبر بالأجواء، والتجربة، والخدمة، والخيارات الغذائية، وحتى البدائل منخفضة أو منعدمة الكحول. هذا يعني أن نموذج الحانة الناجحة يتغير من مجرد مكان للشرب إلى مساحة متعددة الوظائف.
القيمة المجتمعية لا تزال حاضرة
رغم الضغوط، ما زالت الحانات تحتفظ بقيمة اقتصادية واجتماعية مهمة. وتشير التقديرات إلى أن الحانة الواحدة يمكن أن تولد نحو 1.3 مليون جنيه إسترليني من القيمة الاقتصادية والاجتماعية، وهو رقم يوضح أن أثرها يتجاوز المبيعات اليومية ليشمل الوظائف وحركة الزوار ودعم النشاط المحلي.
كما أن البعد الاجتماعي للحانة لا يزال قوياً، خاصة لدى الفئات الشابة. فبيانات حديثة أظهرت أن 52% من الشباب بين 18 و24 عاماً يعتبرون أن الاجتماع بالأصدقاء أو الزملاء في الحانة ينعكس إيجاباً على رفاههم. وهذا يشير إلى أن الحانة ما زالت تؤدي دوراً اجتماعياً يصعب تعويضه بالكامل عبر البدائل الرقمية أو المنزلية.
لكن القيمة الاجتماعية، مهما كانت مهمة، لا تعني أن كل موقع يمكن أن ينجو. فالسوق الحالي يكافئ الأعمال التي توفر سبباً مقنعاً للزيارة، سواء عبر الخدمة أو الأجواء أو الفعاليات أو التنوع في العروض. وفي غياب ذلك، تصبح الحانة معرضة أكثر لخسارة العملاء لصالح خيارات أخرى أقل تكلفة أو أكثر ملاءمة.
كيف يمكن للحانات أن تتكيف مع المرحلة الجديدة
أحد أهم التحولات المطروحة في القطاع هو الانتقال من بيع المشروبات فقط إلى بيع التجربة. وهذا يعني أن الحانات التي تنجح اليوم غالباً هي تلك التي تضيف قيمة إضافية، مثل الفعاليات المباشرة، أو الأمسيات الترفيهية، أو قوائم طعام محسنة، أو مساحات مناسبة للتجمعات الخاصة.
كما أن الطلب المتزايد على المشروبات منخفضة الكحول أو الخالية منها يفتح باباً جديداً أمام التوسع في العروض. فقرابة نصف الشباب البالغين باتوا يختارون هذه البدائل، ما يجعلها جزءاً من المنتج لا مجرد إضافة هامشية. تجاهل هذا الاتجاه قد يعني فقدان شريحة متنامية من الزبائن.
ومن النقاط المهمة أيضاً أن الجيل القادم من المستهلكين سيعيد تشكيل مفهوم الحانة نفسها. فالتجربة الاجتماعية قد تمتزج أكثر مع الألعاب، واللقاءات الموضوعية، والمناسبات الصغيرة، والتواصل عبر المنصات الرقمية. وهذا يفرض على المشغلين التفكير بطريقة أقرب إلى إدارة علامة تجارية محلية مرنة، لا مجرد تشغيل نقطة بيع تقليدية.
في المقابل، يبقى التسويق المحلي عاملاً مؤثراً. فالحانة التي تعرف جمهورها وتبني حضوراً واضحاً في محيطها يمكنها أن تحافظ على علاقة أقوى مع الزبائن. وينطبق ذلك بشكل خاص على الحانات المستقلة التي تستفيد من قصصها المحلية ومن ارتباطها بالمجتمع المحيط بها.
مستقبل يتحدد بالقدرة على التكيف
الجدل الذي أثاره جيمس ماي ليس جديداً من حيث الجوهر، لكنه يعكس سؤالاً أوسع يواجه قطاع الضيافة في بريطانيا: هل ستبقى الحانات على صورتها التقليدية، أم ستتحول إلى نموذج أكثر مرونة وتخصصاً؟
الواقع يشير إلى أن استمرار الحانات لن يعتمد على الحنين وحده، بل على قدرتها على مواجهة التكاليف وتحديث عروضها وفهم المستهلك الجديد. فالحانات الضعيفة من حيث القيمة التشغيلية ستجد صعوبة متزايدة في الصمود، بينما قد تتمكن المواقع الأقوى من تحويل الضغط الحالي إلى فرصة لإعادة التموضع.
وبينما يستمر النقاش حول ما إذا كانت بريطانيا تملك عدداً أكبر من اللازم من الحانات، فإن التحدي الحقيقي يبدو أوضح: ليس فقط كم عدد الحانات التي ينبغي أن تبقى، بل أي نوع من الحانات سيظل قادراً على البقاء في سوق يتغير بسرعة.