الشركات الناشئة 11-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تقنيات المراقبة تتوسع مع استعدادات كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية

تتجه بطولة كأس العالم 2026 إلى أن تكون واحدة من أكثر الفعاليات الرياضية استخداماً لتقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي، مع نشر أنظمة للتعرف على الوجه، ومكافحة الطائرات المسيّرة، وغرف قيادة رقمية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. لكن هذا التوسع يثير مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية، وشفافية جمع البيانات، واحتمال بقاء البنية الأمنية بعد انتهاء البطولة.

بطولة عالمية تحت مظلة أمنية غير مسبوقة

مع اقتراب كأس العالم 2026، تتجه الأنظار إلى الملاعب والمنتخبات والمباريات الكبرى، لكن ما يجري خلف الكواليس لا يقل أهمية عن ما يحدث على أرض الملعب. البطولة التي ستُقام في 16 موقعاً موزعاً بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويتوقع أن تستقطب أكثر من خمسة ملايين مشجع، تتحول إلى اختبار واسع لتقنيات المراقبة الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والتعرف على الوجه، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة.

هذا الاتساع في الأدوات الأمنية لا يرتبط فقط بحماية الجماهير والمنشآت، بل يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول الحدود الفاصلة بين الأمن العام والمراقبة الشاملة. فكلما كبرت الفعالية، زاد معها الميل إلى إدخال تقنيات تُبرر باعتبارها استثنائية ومؤقتة، لكنها غالباً ما تترك أثراً دائماً في المدن المضيفة.

مكافحة الطائرات المسيّرة تتحول إلى سوق سريع النمو

أحد أبرز محاور الأمن في البطولة يتمثل في التصدي للطائرات المسيّرة غير المصرح بها. وقد أعلنت شركات متخصصة عن حصولها على عقود كبيرة لتوفير أنظمة رصد واعتراض للطائرات المسيّرة في المواقع الأميركية. من بين هذه الشركات Fortem Technologies التي قالت إنها وقعت صفقة بملايين الدولارات مع وزارة الأمن الداخلي الأميركية لتوفير تقنيتها الكينيتية المضادة للطائرات المسيّرة.

كما أشارت تقارير إلى حصول Sentrycs على عدة عقود مع جهات اتحادية ومحلية، بينما ستُنشر تقنيات Axon المضادة للطائرات المسيّرة في بعض المواقع. ويعكس ذلك كيف باتت المناسبات الرياضية الكبرى مساحة تجريب وتوسّع للشركات العاملة في الأمن التقني، لا سيما تلك التي تطور حلولاً قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية والتعامل معها في الزمن الحقيقي.

وفي يناير، أعلنت وزارة الأمن الداخلي إنشاء مكتب جديد مخصص لتسريع شراء ونشر تقنيات الطائرات المسيّرة ومكافحتها، إلى جانب استثمار قدره 115 مليون دولار في هذه القدرات. كما خصصت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ 250 مليون دولار لواشنطن وللولايات المضيفة ضمن برنامج منح جديد لدعم مكافحة الأنظمة الجوية غير المأهولة.

التعرف على الوجه يدخل الملاعب والبنى المحيطة بها

لا يقتصر التحول الأمني على السماء. فالملاعب نفسها تتجه إلى اعتماد تقنيات بيومترية أوسع، وعلى رأسها التعرف على الوجه. في بوسطن، يجري العمل على نشر دخول مدعوم بالذكاء الاصطناعي يسمح للمشجعين المسجلين بالدخول إلى الملعب وإجراء عمليات شراء باستخدام وجوههم. كما ظهرت مؤشرات على استخدام تقنيات مشابهة في مواقع أخرى مثل ميامي وأتلانتا.

وفي كنساس سيتي، جرى الإعلان عن تجربة للتعرف على الوجه في الحافلات المحلية ضمن الاستعدادات للبطولة. أما في المجال التشغيلي، فستخضع مناطق مختلفة لاستخدام كاميرات متصلة بالذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل لحظي للحشود، وهو ما قد يحول حركة الجماهير إلى تدفق بيانات يمكن تتبعه ورصده وتخزينه.

هذا التوسع يثير أسئلة عملية وقانونية في آن واحد: من يدير هذه الأنظمة؟ هل هي جهات حكومية أم متعاقدون من القطاع الخاص؟ وهل تُحتفظ البيانات البيومترية بعد نهاية الحدث أم تُحذف؟ غياب الإجابات الواضحة يعمق المخاوف من أن تتحول المناسبات الرياضية إلى بنية تحتية للمراقبة يصعب تفكيكها لاحقاً.

الذكاء الاصطناعي وغرف القيادة الرقمية يعيدان تعريف الأمن الرياضي

ضمن أدوات أخرى ستُستخدم خلال البطولة، تبرز منصات القيادة الفورية التي تجمع بيانات متعددة المصادر في لوحة تشغيل واحدة. شركة Lenovo، الشريك التقني الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، تعتزم تشغيل مركز قيادة ذكي يعتمد على التوائم الرقمية للملاعب، أي النماذج الافتراضية التي تعكس ما يحدث على الأرض وتساعد في مراقبة تدفق الجماهير وإدارة العمليات لحظة بلحظة.

من جانبها، قالت Booz Allen Hamilton إنها ستنشر منصة Sit(x) في مواقع مختارة، وهي منصة للوعي الميداني تدمج البيانات المجمعة من الطائرات المسيّرة مع تتبع لحظي للضباط والمركبات والطائرات، بهدف دعم الاستجابة للطوارئ وإدارة الحشود. هذه الأدوات تعكس انتقال الأمن الرياضي من الاعتماد على الحضور البشري التقليدي إلى الاعتماد على أنظمة تحليل واستشعار متعددة الطبقات.

لكن هذا التطور يفرض أيضاً مستوى أعلى من الشفافية. فكلما ازدادت قدرة المنظومات على جمع الإشارات وتحليلها، ازدادت الحاجة إلى توضيح نوع البيانات المستخدمة، ومدة الاحتفاظ بها، والجهات التي يمكنها الوصول إليها، والضمانات المتاحة ضد إساءة الاستخدام.

مخاوف حقوقية من اتساع دائرة الرقابة

منظمات الحقوق الرقمية والمدنية تنظر إلى هذه التطورات بحذر واضح. تحذيراتها لا تقتصر على دقة الأنظمة أو أخطاء المطابقة في التعرف على الوجه، بل تمتد إلى الأثر الأوسع لهذه الأدوات على الحريات العامة. فحين تُستخدم المراقبة في حدث ضخم مثل كأس العالم، يصبح من السهل ترسيخها كأمر طبيعي في الفضاء العام.

في الولايات المتحدة، أثارت التطورات المرتبطة بالأمن والهجرة قلقاً إضافياً، خاصة مع الحديث عن احتمال استخدام بعض الأدوات في إنفاذ قوانين الهجرة. كما دعت Human Rights Watch إلى تهدئة إنفاذ قوانين الهجرة خلال مدة البطولة، في محاولة لتقليل المخاطر التي قد تواجه الزوار الأجانب.

وتشير منظمات مثل Privacy International وACLU وEFF إلى أن المعضلة لا تتعلق فقط بوجود المراقبة، بل بمدى وضوحها وحدودها. فحتى في حال كانت الأنظمة مخصصة للأمن، فإن استخدامها الواسع قد يطبع البيئات الحضرية بطابع رقابي دائم، ويؤثر في حرية التنقل والتجمع والخصوصية.

أثر يتجاوز البطولة نفسها

التجارب الأمنية المرتبطة بالبطولات الكبرى نادراً ما تبقى محصورة داخل حدود الحدث. فالمنصات والكاميرات وأجهزة الاستشعار التي تُثبت مؤقتاً يمكن أن تستمر في العمل بعد صافرة النهاية، لتتحول من بنية أمنية ظرفية إلى جزء من منظومة المراقبة اليومية في المدن المضيفة.

هذا ما يجعل كأس العالم 2026 مناسبة مهمة ليس فقط للرياضة، بل أيضاً لقطاع التكنولوجيا الأمنية. فهي تمنح الشركات فرصة لعرض منتجاتها في بيئة كثيفة الحركة ومعقدة، وتمنح الحكومات مبرراً لتوسيع البنية التحتية للمراقبة، بينما يدفع الجمهور ثمن الغموض المحيط بجمع البيانات واستخدامها.

ومع استمرار الاستعدادات، يبدو أن السؤال الحقيقي لا يدور حول ما إذا كانت الملاعب ستُحمى جيداً، بل حول ما إذا كانت هذه الحماية ستبقى ضمن حدودها المؤقتة، أم ستُرسخ نموذجاً جديداً لمراقبة الجمهور في الحياة العامة بعد انتهاء البطولة.