كشفت دراسة بحثية جديدة أن عبارة "AI slop" لم تعد مجرد وصف ساخر للمحتوى الرديء أو المشكوك فيه، بل أصبحت، داخل بعض المجتمعات الرقمية، وسيلة لتمييز الداخلين عن الخارجين، ولبناء حدود غير معلنة داخل النقاشات المفتوحة. ووفقاً للتحليل الذي شمل ملايين التعليقات في Reddit وHacker News، فإن الاتهام باستخدام الذكاء الاصطناعي ارتفع بقوة بين عامي 2023 و2026، حتى عندما لم تكن هناك مؤشرات واضحة على أن الكاتب استعان بنموذج لغوي.
النتيجة الأساسية التي خرج بها الباحثون لا تتعلق فقط بتزايد الشكوك تجاه النصوص المصقولة، بل بتغيّر وظيفة هذا الشك نفسه. فبدلاً من أن يكون الاتهام محاولة تقنية للتحقق من أصل النص، أصبح في كثير من الحالات أداة اجتماعية لتقويض المشارك أو استبعاده من الحوار. هذا التحول يضع المجتمع الرقمي أمام سؤال أكبر: هل ما يزال المستخدمون يحاكمون جودة الفكرة، أم أنهم باتوا يعاقبون الأسلوب نفسه لأنه يبدو "ذكياً" أكثر من اللازم؟
قفزة كبيرة في اتهامات الذكاء الاصطناعي
اعتمدت الدراسة على تحليل نحو 25 مليون تعليق جُمعت من منصتين تختلفان في ثقافتهما وطريقة ضبطهما للنقاش. فقد شمل العمل بيانات من 12 مليون تعليق في Hacker News و13 مليون تعليق في Reddit، مع تغطية زمنية تمتد من يناير 2023 إلى مايو 2026. وبهذا الحجم من البيانات، حاول الباحثون رصد ما إذا كانت اتهامات "الكتابة بالذكاء الاصطناعي" تتبع نمطاً عابراً، أم أنها تعكس تحوّلاً أعمق في سلوك المجتمعات على الإنترنت.
اللافت أن ارتفاع الاتهامات لم يأتِ على شكل موجة عامة من العدائية الرقمية، لأن ألفاظاً قديمة مثل "shill" و"sockpuppet" و"troll" بقيت مستقرة تقريباً خلال الفترة نفسها. وهذا يشير إلى أن الشك تجاه الذكاء الاصطناعي ظهر كفئة جديدة من السلوك الخطابي، لا كمجرد امتداد للمعارك اللفظية التقليدية التي عرفتها المنتديات منذ سنوات.
كما أظهرت النتائج أن المجتمعات الأكثر اهتماماً بالتقنية والبرمجة تبنّت هذا النوع من الاتهامات في وقت مبكر، قبل أن ينتشر تدريجياً إلى مساحات أوسع داخل Reddit. بمعنى آخر، بدأت الثقافة من البيئات الأكثر حساسية تجاه الذكاء الاصطناعي، ثم انتقلت إلى جمهور أكثر تنوعاً وأقل تخصصاً.
من الوصف الساخر إلى آلية للفرز الاجتماعي
يرى الباحثون أن صعود مصطلح "AI slop" لا يعبّر فقط عن رفض محتوى منخفض الجودة، بل عن نزعة متزايدة لإخضاع المشاركين لاختبار ضمني: هل تبدو لغتك بشرية بما يكفي؟ هذه الفكرة حاضرة بقوة في الدراسة، التي تعتبر أن الاتهام صار يؤدي وظيفة gatekeeping؛ أي أنه يعمل كأداة لحراسة الحدود داخل المجتمع، أكثر من عمله كوسيلة إثبات.
وتشير البيانات إلى أن النصوص السلسة والواثقة، التي كانت تُقرأ سابقاً بوصفها دليلاً على الإتقان أو الجهد، بدأت تُقابل بدرجة أعلى من الشك. فكلما بدا الخطاب منظمًا أو متناسقًا أكثر من اللازم، زادت احتمالات أن يُتهم صاحبه بأنه اعتمد على نموذج لغوي. هذه المفارقة تعكس بيئة جديدة أصبح فيها الإتقان نفسه موضع ريبة.
وفي هذا السياق، لم يعد مصطلح "AI slop" مجرد سخرية من النصوص الضعيفة، بل أصبح علامة على رفض أوسع لما يعتبره بعض المستخدمين خطاباً مصطنعاً أو غير أصيل. وبهذا المعنى، تحوّل الاتهام من توصيف للمحتوى إلى حكم على النية والانتماء.
لغة الاتهام تتوحّد حول مصطلح واحد
من أبرز ما رصدته الدراسة أن لغة اتهام المحتوى بالذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تركيزاً مع الوقت. ففي بداية الفترة محل الدراسة، كانت الأوصاف المتداولة أكثر تنوعاً، وتشمل عبارات هجومية متعددة تصف النص بأنه مبالغ فيه أو فارغ أو رديء. لكن مع مرور الوقت، أخذت هذه التعبيرات تتراجع لصالح عبارة واحدة هي "AI slop".
وبحلول عام 2026، شكّلت هذه العبارة 94% من الاتهامات الازدرائية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل العينة. هذا التوحّد اللغوي مهم لأنه يدل على أن المجتمع الرقمي لم يعد يستخدم عدة أوصاف متفرقة، بل تبنّى إطاراً تفسيرياً واحداً تقريباً، يختصر الشك والانتقاد والإقصاء في عبارة قصيرة ومكثفة.
وبحسب الدراسة، فإن هذا التحول لم يظهر بالزخم نفسه في مفردات أقدم كانت تُستخدم لتوصيف الحسابات غير الأصيلة أو الحملات المنسقة، مثل "astroturf" أو "fake account". غياب الارتفاع المماثل في تلك العبارات يعزز فكرة أن القلق الحالي لا يتعلق فقط بالتلاعب أو التضليل، بل تحديداً بانتشار النصوص التي يُشتبه في أنها صيغت آلياً.
اختبار لغوي وأدوار اجتماعية مختلفة
لم يكتف الباحثون برصد حجم الاتهامات، بل فحصوا أيضاً طبيعتها. وللقيام بذلك، صُنفت مئات الحالات المُتحقق منها إلى أنماط متعددة، مثل السخرية المباشرة، والرفض الصريح، والتقليد الساخِر، وحراسة القواعد، والاحتجاج البنيوي على الذكاء الاصطناعي. وأظهرت النتائج أن أدوار التحذير وحراسة المعايير والاعتراض على انتشار الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر حضوراً بمرور الوقت، في حين تراجعت النبرة الساخرة الخفيفة نسبياً.
كما استخدمت الدراسة اختبارات لغوية لمقارنة السمات التي تميز النص المولّد آلياً عن النص البشري مع السمات التي تجعل تعليقاً بشرياً عرضة للاتهام بأنه آلي. والهدف هنا كان التحقق مما إذا كان المستخدمون يلتقطون مؤشرات حقيقية على التوليد الآلي، أم أنهم يربطون بين أنماط لغوية معينة وبين فكرة الاصطناع بشكل عام.
النتيجة التي ألمحت إليها الورقة البحثية هي أن بعض الخصائص الأسلوبية قد تجعل النص يبدو "ذكياً" أو "مُتقناً" في نظر القراء، لكن هذه الخصائص نفسها لا تثبت بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي هو من كتبه. وبذلك تصبح المشكلة مزدوجة: خلط بين نمط الكتابة ومصدره، وبين التقييم الفني والموقف الاجتماعي من الكاتب.
ما الذي تعنيه هذه الظاهرة للمستقبل الرقمي؟
تفتح هذه الدراسة باباً واسعاً على أسئلة تتجاوز Reddit وHacker News. فإذا كان المستخدمون باتوا يشكّون في النصوص السلسة إلى هذا الحد، فمن المرجح أن تمتد الشكوك إلى مجالات أخرى مثل الصور، والأصوات، والبرمجيات، وحتى الأكواد البرمجية. الباحثون أنفسهم يرجحون أن اتهامات مماثلة ستظهر في ملفات التحقق من الصور والصوت والبرمجة، لا سيما مع تحسن النماذج وقدرتها على إخفاء آثارها.
لكن الأثر الأهم ربما يكون على الثقة نفسها. فكلما أصبح من الأسهل أن يُنسب المحتوى إلى الذكاء الاصطناعي، صار من الأصعب على المستخدم العادي أن يفرّق بين النص البشري والنص المولّد. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال مقتصراً على من كتب التعليق، بل يمتد إلى مدى صلاحية أي وسيط يمكن للآلة أن تنتجه أو تحاكيه.
بمعنى آخر، لا تشرح الدراسة فقط لماذا يكثر الحديث عن "AI slop"، بل تلمّح أيضاً إلى أن المجتمع الرقمي يدخل مرحلة جديدة من الشك المؤسسي، حيث تتحول الاشتباهات إلى قواعد غير مكتوبة، وتصبح الأصالة نفسها شيئاً يحتاج إلى إثبات متكرر.
وهذا ما يجعل الظاهرة مهمة على مستوى التقنية والثقافة معاً: فالذكاء الاصطناعي لم يعد يغيّر فقط طريقة الكتابة، بل أيضاً طريقة قراءة البشر لبعضهم البعض، وطريقة فرزهم لما يعدونه مقبولاً أو مريباً داخل الفضاء العام.