القيادة التقنية أصبحت لعبة متعددة الأبعاد
في بيئة الأعمال المعززة بالذكاء الاصطناعي، لم تعد مهمة كبير مسؤولي المعلومات أو التحول الرقمي مقتصرة على تشغيل الأنظمة وحماية البنية التحتية. القرارات التقنية اليوم تؤثر مباشرة في الأداء المالي، وثقة المستثمرين، وقدرة المؤسسة على المنافسة. لهذا ترى سال كومبانيه، كبيرة مسؤولي التحول الرقمي والمعلومات في كوشمان آند ويكفيلد، أن دور CIO بات أقرب إلى الشطرنج منه إلى الألعاب البسيطة التي تعتمد على رد الفعل السريع فقط.
هذا التشبيه لا يتعلق بالاستعراض البلاغي، بل بطبيعة المرحلة نفسها. فكل خطوة تقنية قد تقود إلى سلسلة من النتائج اللاحقة، بعضها واضح وبعضها يظهر بعد أشهر أو سنوات. ومع تسارع التغيير، أصبح على قادة التقنية أن يوازنوا بين السرعة والانضباط، وبين الطموح والحذر، وبين ما يحتاجه السوق اليوم وما ستحتاجه المؤسسة غداً.
وتشير كومبانيه إلى أن تضييق هامش الخطأ جعل القيادة التقنية أكثر حساسية. فالتأخر في القرار قد يضع المؤسسة خارج المنافسة، لكن التسرع غير المحسوب قد يفتح الباب أمام تكاليف تشغيلية أو ثقافية أو أمنية يصعب إصلاحها لاحقاً.
وضوح الهدف شرط لتسريع التنفيذ
من أبرز الأفكار التي تكررها كومبانيه أن السرعة لا تأتي من الفوضى، بل من الوضوح. فكلما كان الهدف النهائي محدداً بشكل أفضل، أصبحت فرق العمل قادرة على التحرك بسرعة أكبر وبثقة أعلى. لذلك تعتمد على تحديد المسؤوليات بوضوح، ورسم خط رؤية مشترك، ثم ترك مساحة للفرق كي تنفذ وتصحح المسار في الوقت الحقيقي.
وترى أن القدرة على تعديل المسار أثناء التنفيذ أصبحت مهارة أساسية في القيادة التقنية الحديثة. فالمؤسسة لا تستطيع انتظار نهاية الدورة لاتخاذ قرار التصحيح، لأن تأثيرات القرارات تنتشر بسرعة عبر التشغيل والموظفين والعملاء. ومن هنا تأتي أهمية المراجعة المستمرة، والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، لأن ذلك يعزز الإحساس بالتقدم ويخلق زخماً داخلياً دائماً.
وتربط كومبانيه بين هذا النهج وبين شعور الموظفين بالانتماء. فعندما يدرك الفريق كيف يرتبط عمله اليومي بنتائج الشركة، يصبح أكثر قدرة على التحرك بسرعة وأقل عرضة للارتباك. ولهذا تحرص على شرح الصلة بين ما يفعله الموظفون وبين ما يظهر لاحقاً في مؤشرات الشركة وأرباحها واتجاهها الاستراتيجي.
لا توجد استراتيجية للذكاء الاصطناعي منفصلة عن استراتيجية الأعمال
في حديثها عن دورها في يوم المستثمرين الأخير للشركة، تؤكد كومبانيه أن الذكاء الاصطناعي ليس مساراً تقنياً منفصلاً عن بقية أعمال المؤسسة. فبحسب رؤيتها، لا يمكن بناء استراتيجية ذكاء اصطناعي بمعزل عن استراتيجية الشركة نفسها، لأن التقنية هنا ليست طبقة مساندة فقط، بل جزء من نموذج العمل المستقبلي.
في قطاع الخدمات المهنية والعقارات التجارية على وجه الخصوص، ترى أن التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن تعيد تشكيل طريقة نقل المعرفة، وكيفية تطوير الكفاءات الداخلية، والطريقة التي تُصمم بها نماذج العمل. والهدف ليس استبدال الإنسان، بل دعم الإنسان بأدوات أكثر ذكاءً وفاعلية. لذلك تصف الرؤية المطلوبة بأنها رؤية هجينة تجمع بين الطابع الإنساني والتمكين القائم على الذكاء الاصطناعي.
كما تركز على بناء الثقة مع المستثمرين وأصحاب المصلحة عبر توضيح أن التقنية ليست مشروعاً تجريبياً هامشياً، بل عنصر أساسي في تنفيذ الاستراتيجية. وهذا يعني أن قيمة البيانات، وقدرة المؤسسة على توظيفها، أصبحت جزءاً من قصة النمو نفسها، لا مجرد تفصيل تشغيلي.
التجربة الشخصية تصنع أسلوب القيادة
ترى كومبانيه أن أسلوب القيادة لا يتشكل من المناصب وحدها، بل من الخلفية الشخصية والتجارب الأولى في الحياة. وتقول إن والديها كانا المثال الأبرز على الجرأة والمرونة، فقد اضطرا إلى اتخاذ قرارات كبيرة وإعادة البناء أكثر من مرة. ومن هنا تعلمت أن الصلابة ليست في تجنب الصعوبات، بل في الاستمرار رغمها.
هذه الخلفية جعلتها تنظر إلى التحديات المهنية الحالية على أنها قابلة للإدارة، حتى عندما تكون معقدة. كما غرست فيها قيمة الاستمرارية، والاتزان في أصعب اللحظات، وعدم فقدان التعاطف مع الآخرين عندما تشتد الضغوط. بالنسبة لها، التواضع ليس فضيلة جانبية، بل جزء من النظام القيادي نفسه.
وتنقل هذه الفلسفة أيضاً إلى أبنائها، عبر رسالة بسيطة مفادها أن القدرة على الإنجاز لا يحددها الشك الذاتي بقدر ما يحددها الاتساع في التفكير. فالسؤال ليس: هل تستطيع؟ بل: لماذا لا أنت؟ هذه الفكرة، كما تقول، تساعد على بناء عقلية ترى الفرص قبل الحدود.
القرار الجيد يحتاج إلى رؤية شاملة للمخاطر والعوائد
في بيئة تتداخل فيها الأولويات بين السرعة والتكلفة والجودة والموارد البشرية، تعتمد كومبانيه على منهج عملي يبدأ بإزالة الخيارات غير المقبولة سريعاً. فبدلاً من إضاعة الوقت في مسارات لا تناسب الواقع، تفضل استبعاد القرارات التي لا تخدم السياق العام، ثم العودة إلى البدائل الأكثر قابلية للتنفيذ.
بعد ذلك يأتي دور الفريق، لأن القرب من التفاصيل يضيف طبقة مهمة من الفهم لا يراها القائد من موقعه الأعلى وحده. لذلك تعتبر أن أفضل القرارات تأتي عندما يجتمع السياق المؤسسي مع الخبرة الميدانية ومع الرؤية بعيدة المدى. وفي هذا الإطار، ترى أن القيادة التقنية تشبه إدارة محفظة استثمارية، حيث توجد دائماً مفاضلة بين المخاطر والعوائد، وبين المكاسب السريعة والتأثيرات الممتدة.
هذا المنظور يفسر أيضاً لماذا لا تتعامل مع كل القرارات بالطريقة نفسها. فهناك قرارات تستدعي جرأة أعلى ومجازفة محسوبة، بينما تحتاج أخرى إلى تهدئة وتدرج. المهم في النهاية هو امتلاك صورة كاملة عن عناصر القرار، وعدم القيادة بعين واحدة أو من زاوية واحدة فقط.
الفرق لا تنجح بالوصاية بل بالقدوة والمسؤولية المشتركة
عندما يتعلق الأمر بقيادة الفرق، تؤمن كومبانيه بأن القائد لا يستطيع أن يطلب من الآخرين ما لا يطبقه هو نفسه. فإذا كانت هناك توقعات عالية من حيث الجودة أو الشجاعة في إجراء المحادثات الصعبة أو فضول التعلم، فيجب أن ينعكس ذلك أولاً في سلوك القائد اليومي.
وتدعو إلى نموذج عمل يقوم على المسؤولية الجماعية، لا على البطولة الفردية. فحين يفهم الفريق أن النجاح أو الفشل مسؤولية مشتركة، يبدأ الأفراد في محاسبة بعضهم بعضاً بشكل إيجابي وبناء، وتتولد بيئة يمكنها تحقيق نتائج تقنية وسلوكية في الوقت نفسه.
كما تشير إلى أن هذا النمط القيادي يحتاج إلى وقت. فالثقة لا تتشكل بين يوم وليلة، خصوصاً إذا كانت المؤسسة اعتادت على أنماط إدارة مختلفة سابقاً. لكن عندما يترسخ هذا النهج، يتحول إلى ثقافة عمل تمنح الفرق قدراً أكبر من الاستقلالية، وفي الوقت نفسه ترفع مستوى الالتزام والوضوح.
مستقبل CIO في عصر الذكاء الاصطناعي
تكشف تجربة كومبانيه عن تحول أوسع في دور القيادات التقنية داخل الشركات الكبرى. فـ CIO لم يعد مجرد مدير أنظمة أو حارس للبنية التحتية، بل أصبح شريكاً في صياغة النمو، ومؤثراً في الثقافة المؤسسية، ومشاركاً في النقاشات المتعلقة بالاستثمار والتحول والنموذج التشغيلي المستقبلي.
في عصر الذكاء الاصطناعي، تتضاعف أهمية هذا الدور لأن القرارات تُتخذ بسرعة أكبر، وعلى أساس بيانات أكثر، ولكن أيضاً مع قدر أعلى من الغموض. لذلك تصبح القدرة على التفكير المتقدم، وتوقع الأثر غير المباشر، وبناء فرق تتحرك بثقة، عناصر فارقة بين قيادة تقنية تواكب التغيير وأخرى تتأخر عنه.
وبينما تزداد الضغوط على المؤسسات لتقديم نتائج أسرع وأكثر كفاءة، تطرح كومبانيه معادلة واضحة: النجاح لن يكون من نصيب الأسرع فقط، بل من نصيب من يفهم اللوحة كاملة، ويعرف متى يندفع ومتى يتريث، ويستطيع أن يأخذ فريقه معه في كل نقلة على الرقعة.