تشير بيانات جديدة إلى أن المستهلكين باتوا أكثر استعداداً من أي وقت مضى لمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي دوراً مباشراً في قرارات الشراء. فبعد سنوات من الاعتياد على المساعدات الرقمية وروبوتات المحادثة ومحركات البحث الذكية، يبدو أن المرحلة التالية أصبحت أوسع: وكلاء قادرون على تنفيذ مهام تسوق فعلية باسم المستخدم، ضمن حدود يحددها هو مسبقاً.
وبحسب دراسة واسعة شملت 25590 مستهلكاً في 16 دولة، فإن 74% من المشاركين قالوا إنهم يثقون بوكيل ذكاء اصطناعي شخصي في إجراء عملية شراء نيابة عنهم أكثر مما يثقون بصديق مقرب. هذه النتيجة لا تعكس فقط قبولاً متنامياً للتقنية، بل تكشف أيضاً عن تغير في طريقة نظر المستخدمين إلى الأتمتة؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث أو التوصية، بل طرفاً يمكنه التنفيذ والمتابعة والتعامل مع بعض التفاصيل التشغيلية.
التقرير يعرّف وكيل الذكاء الاصطناعي بوصفه برنامجاً يعمل ضمن صلاحيات محددة، ويمكنه إتمام مهام مثل الشراء، التفاوض على العروض، معالجة الشكاوى، إدارة الاشتراكات، وإعادة طلب السلع المتكررة. هذا التطور يضع التجارة الإلكترونية أمام نموذج جديد لا يقتصر على عرض المنتجات للناس، بل يتطلب أيضاً عرضها بصيغة مفهومة للأنظمة الآلية التي تتخذ القرار أو تساعد فيه.
تفويض المهام الروتينية يلقى قبولاً واسعاً
أظهرت النتائج أن المستهلكين أكثر ارتياحاً لتفويض الأعمال التي تتسم بالتكرار أو الاستهلاك الكبير للوقت. فهناك قابلية مرتفعة للسماح لوكيل ذكاء اصطناعي بإدارة مهام مثل تجديد الاشتراكات، طلب المنتجات المتكررة، التفاوض على الخصومات، أو التعامل مع شكاوى ما بعد الشراء. هذا السلوك يشير إلى أن المستخدمين لا يعارضون الذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ، بل يحددون نطاقاً عملياً لما يرون أنه مناسب للآلة وما ينبغي أن يبقى بيد الإنسان.
وفي المقابل، لا تزال هناك درجة واضحة من الحذر عندما يتعلق الأمر بالشراء الكامل أو بالقرارات المرتبطة بالذوق الشخصي والهوية أو التجربة العاطفية. فالاستعداد للتفويض يزداد كلما كانت المهمة أقل حساسية وأكثر قابلية للقياس، مثل سلع السوبرماركت أو الخدمات المتكررة. أما المنتجات المرتبطة بالأسلوب الشخصي، مثل الملابس أو الفنادق أو التجارب الترفيهية، فتظل أقل قابلية للتسليم الكامل لوكيل آلي.
كما أظهر التقرير أن 32% من المستهلكين يقبلون أن يتولى وكيل الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرار شراء ضمن حدود واضحة، مثل سقف الميزانية أو قائمة العلامات التجارية المفضلة أو شروط جودة محددة. في هذا السيناريو، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور المستخدم، بل يختصر مرحلة البحث والفرز والمقارنة، مع بقاء الموافقة النهائية في يد الإنسان قبل الدفع.
الأتمتة الكاملة ما زالت أقلية
رغم هذا الانفتاح النسبي، فإن الأتمتة الكاملة لا تزال محدودة. فقد قال 9% فقط من المشاركين إنهم مستعدون للسماح لوكيل ذكاء اصطناعي ببدء عملية الشراء وإتمامها بالكامل داخل حدود معينة. كما أن 12% فقط أبدوا استعداداً لترك القرار النهائي عند مرحلة الدفع لوكيل يتصرف بصورة مستقلة. وهذه الأرقام توضح أن الثقة في الذكاء الاصطناعي ليست ثقة مطلقة، بل ثقة مشروطة بآليات الحماية والشفافية والتدخل السريع عند الحاجة.
وتظهر الدراسة أن درجة القبول ترتبط بعدة عوامل، من بينها الحماية الصارمة للبيانات، وسهولة ضبط الصلاحيات، وإمكانية إيقاف الوكيل فوراً، ووضوح قنوات الشكوى، وسمعة المنصة التي يعمل عليها النظام، إضافة إلى شعور المستخدم بأن الأداة محايدة ولا تدفعه نحو خيارات تخدم مصالح تجارية ضيقة.
هذا يعني أن تطوير وكلاء التسوق لن يعتمد على قدراتهم اللغوية فقط، بل على البنية الكاملة المحيطة بهم: التوثيق، الأمان، قابلية التراجع، والتفسير الواضح لسبب اختيار منتج دون آخر. فكلما أصبحت قرارات الوكيل أكثر تأثيراً في حياة المستخدم، ازداد الطلب على الضمانات التقنية والإجرائية.
العلامات التجارية مطالبة ببيانات قابلة للقراءة آلياً
بالنسبة للشركات، يحمل هذا التحول رسالة مباشرة: المستقبل في التجارة الرقمية لن يعتمد فقط على جذب العميل البشري، بل أيضاً على إقناع خوارزميات الوكلاء بأنها الخيار الأفضل. ولهذا شدد التقرير على أهمية أن تكون معلومات المنتجات والأسعار والتوافر والسياسات وقيم العلامة التجارية منظمة ومهيأة للقراءة الآلية، بحيث يستطيع الوكيل تقييمها بسهولة ومقارنتها مع البدائل.
الوكيل الذكي لا ينظر إلى المنتج بالمنطق العاطفي نفسه الذي يستخدمه المستهلك، بل يفحص خصائص قابلة للقياس: السعر مقابل القيمة، سرعة الشحن، توافر المخزون، تاريخ الوفاء بالطلبات، وشروط الإرجاع. لذلك فإن العلامات التجارية التي لا تملك بيانات واضحة ومحدثة قد تجد نفسها خارج المنافسة حتى لو كانت تملك منتجاً جيداً.
وأفادت الدراسة بأن 56% من المستهلكين سيحددون للوكيل العلامات التجارية التي يريدون إدراجها في البحث، بينما قال 37% من العملاء الموالين لسلوك شراء معين إنهم سيسمحون للوكيل بتغيير العلامة التجارية إذا وجد خياراً أفضل من حيث الملاءمة أو السعر أو الخدمة. هذا الرقم يكشف أن الولاء للعلامة التجارية لن يختفي، لكنه قد يصبح أقل صلابة في ظل وجود أنظمة تستطيع إعادة ترتيب الأولويات بسرعة وحياد نسبي.
كما أبدى المستهلكون اهتماماً واضحاً بوكلاء يعملون عبر منصات متعددة. فقد قال 61% إنهم يريدون وكيلاً يستطيع الشراء من عدة متاجر بقالة في الوقت نفسه، في حين قال 71% إنهم يفضلون وكيلاً قادراً على التخطيط لرحلة كاملة وحجزها عبر شركات الطيران والفنادق والأنشطة المختلفة. هذه الرغبة تعكس قيمة الوكيل عندما يتعامل مع منظومة مشتتة، لا مع متجر واحد أو موقع واحد فقط.
الذكاء الاصطناعي يغيّر مسار قرار الشراء
من النقاط اللافتة في الدراسة أن 71% من المستهلكين يتوقعون أن تؤثر الأدوات التوليدية للذكاء الاصطناعي في نصف قرارات إنفاقهم على الأقل خلال 12 شهراً المقبلة. وهذا يشير إلى أن التأثير لم يعد محصوراً في مرحلة البحث، بل امتد إلى بناء الثقة وتخفيف التردد ورفع احتمال الشراء نفسه.
كما قال 63% من المشاركين إنهم يريدون من وكلاء الذكاء الاصطناعي مساعدتهم على اتخاذ خيارات تعكس ما يسمونه