الذكاء الاصطناعي والتقنية 25-Jun-2026 5 دقائق قراءة

قاضٍ أميركي يفتح الباب لمسؤولية أوسع على مزوّدي أدوات التوظيف بالذكاء الاصطناعي

محكمة فدرالية تشير إلى أن شركات أدوات التوظيف بالذكاء الاصطناعي قد تواجه مسؤولية قانونية إذا ساهمت أنظمتها في قرارات فرز تنطوي على تمييز، حتى لو لم تكن هي جهة التوظيف النهائية.

قرار قضائي يوسع النقاش حول أدوات التوظيف الذكية

أشار قاضٍ فدرالي في الولايات المتحدة إلى احتمال السماح بمضي دعاوى تمييز ضد شركة Workday، في تطور قد يفتح الباب أمام تحميل مزوّدي أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف مسؤولية قانونية أوسع. القضية تتعلق بأنظمة فرز المرشحين التي تعتمدها الشركات لفلترة طلبات العمل قبل وصولها إلى مسؤولي الموارد البشرية.

هذا التوجه القضائي لا يقتصر أثره على شركة واحدة، بل يسلط الضوء على سؤال أكبر داخل قطاع التقنية: إلى أي مدى يمكن لمزود المنصة أن يُعتبر طرفاً مسؤولاً إذا كان نظامه يؤثر في من يُستبعد من عملية التوظيف، حتى لو لم يصدر القرار النهائي بالرفض من شركة العمل نفسها؟

تفاصيل الدعوى ضد Workday

الدعوى المعروفة باسم Mobley v. Workday, Inc. تتهم الشركة بأن أدواتها المعتمدة على الخوارزميات أدت إلى تمييز ضد متقدمين للوظائف على أساس العمر والعرق والإعاقة. وقد رفعها ديريك موبلي في عام 2024 أمام محكمة فدرالية في كاليفورنيا، وهو رجل أسود من ذوي الإعاقة ويتجاوز الأربعين من عمره، وقال إنه جرى استبعاده مراراً من أكثر من 100 فرصة وظيفية عبر المنصة.

وتستند الشكوى إلى مجموعة من القوانين الأميركية وقوانين ولاية كاليفورنيا، من بينها قانون الحقوق المدنية، وقانون الأميركيين ذوي الإعاقة، وقانون التمييز العمري في التوظيف، إضافة إلى قانون المساواة في العمل والإسكان في كاليفورنيا. وتقول الدعوى إن أدوات الفرز الآلي لم تتضمن بالضرورة الخصائص المحمية بشكل صريح، لكنها قد تكون استنتجتها من بيانات السيرة الذاتية أو نمط التقديم أو مؤشرات أخرى.

كيف يمكن أن يتسرب التحيز إلى أنظمة الفرز الآلي

توضح هذه القضية واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً في استخدام الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية: الخوارزمية قد تبدو محايدة ظاهرياً، لكنها قد تعيد إنتاج أنماط التمييز الموجودة في البيانات التاريخية. فإذا كان النظام يتعلم من قرارات توظيف سابقة متأثرة بتحيزات بشرية، فقد يلتقط هذه الأنماط ويحوّلها إلى نتائج تبدو موضوعية لكنها في الواقع منحازة.

بحسب الطرح القانوني في الدعوى، يمكن أن يتسلل التحيز عبر بيانات التدريب، أو طريقة تصميم النموذج، أو المعايير التي تُستخدم لتقييم «ملاءمة» المرشح. فسنوات الخبرة قد تُفهم أحياناً كمؤشر غير مباشر على العمر، والفجوات الطويلة في السيرة الذاتية قد تُقرأ بطريقة تمس الإعاقة أو أعباء الرعاية، كما قد تحمل أسماء الجامعات أو المؤسسات دلالات اجتماعية أو عرقية غير مقصودة.

لذلك فإن الجدل لا يدور فقط حول وجود خوارزمية من عدمه، بل حول طبيعة القرارات التي تنتجها وما إذا كانت هذه القرارات تُخضع لمراجعة بشرية حقيقية أم لا.

موقف المحكمة من المسؤولية القانونية

رفضت Workday في البداية فكرة أنها تتحمل المسؤولية بموجب قوانين مكافحة التمييز، بحجة أنها ليست صاحب العمل المباشر للمرشحين، وبالتالي لا يجوز معاملتها كجهة توظيف. لكن القاضي أشار إلى أن بعض المطالبات قد تستمر، مع احتمال اعتبار الشركة «وكيلاً» لصاحب العمل إذا كانت أدواتها تؤثر مادياً في عملية الاختيار والاستبعاد.

وفي ما يتعلق بقانون كاليفورنيا للمساواة في العمل والإسكان، أوضحت الإشارة القضائية أن هذا القانون قد يُطبق حتى عندما تكون العلاقة الوظيفية النهائية خارج الولاية، إذا كانت الجهة التقنية نفسها تمارس نشاطاً متعلقاً بالتوظيف نيابة عن صاحب العمل. هذا التفسير، إذا استقر لاحقاً، قد يوسع نطاق المساءلة على شركات البرمجيات التي تقدم أدوات فرز واتخاذ قرار في التوظيف.

ومع أن القاضي لم يصدر حكماً نهائياً بعد، فإن الإشارة بحد ذاتها كافية لدفع الشركات التقنية إلى إعادة تقييم مخاطرها القانونية والامتثال التنظيمي المرتبط بمنتجات الموارد البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

حجة Workday: الذكاء الاصطناعي لا يتخذ القرار النهائي

تقول Workday إن أدواتها لا تقوم بالتوظيف ولا ترفض المرشحين تلقائياً، وإن تصميمها يعتمد على الإشراف البشري. ووفقاً للشركة، فإن النظام يركز على مؤهلات المتقدم مقارنة بمتطلبات الوظيفة كما يحددها صاحب العمل، ولا يستخدم خصائص محمية مثل العرق أو العمر أو الإعاقة في اتخاذ القرار.

كما تؤكد الشركة أن فرقاً متخصصة في الذكاء الاصطناعي المسؤول تراجع منتجاتها بشكل مستمر، وأن لديها برنامج حوكمة مبني على معايير مهنية مثل NIST وISO، مع عمليات اختبار تهدف إلى رصد أي أثر غير عادل على الفئات المحمية. وترى Workday أن أدواتها مصممة لدعم البشر لا لاستبدالهم، وأنها تخفف العبء الإداري وتساعد فرق التوظيف على التركيز على الحكم المهني النهائي.

دلالات أوسع على سوق الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية

أهمية القضية تتجاوز Workday نفسها، لأن سوق التوظيف بالذكاء الاصطناعي يشهد توسعاً سريعاً مع اعتماد الشركات على أنظمة تصفية السير الذاتية، وترتيب المرشحين، وتحليل الملاءمة، وحتى أحياناً إجراء مقابلات أولية آلية. ومع ازدياد هذا الاعتماد، ترتفع الأسئلة حول الشفافية، وإمكانية التفسير، وحدود التدخل البشري في القرار.

هناك بالفعل شركات أخرى تواجه تدقيقاً مشابهاً، من بينها شركات تقدم أدوات مشابهة تعتمد على بيانات مرشحين رقمية أو على تحليل أنماط سلوكية ومهنية لتقدير فرصة النجاح. وهذا الاتجاه يعكس تحوّلاً واضحاً: التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي لم يعد يركز فقط على النماذج التوليدية، بل بات يمتد أيضاً إلى أنظمة اتخاذ القرار المستخدمة في الوظائف، والتأمين، والتعليم، والائتمان.

بالنسبة للمؤسسات، الرسالة واضحة: لا يكفي أن يكون المزود يؤكد أن الخوارزمية محايدة، بل يجب على الجهة المشترية نفسها أن تفهم كيف يعمل النظام، وما البيانات التي يعتمد عليها، وكيف يمكن مراجعة نتائجه قبل أن تتحول إلى استبعاد فعلي لمتقدمين مؤهلين.

ماذا يعني ذلك للشركات التي تستخدم أدوات التوظيف الذكية

تدفع هذه القضية مسؤولي الشركات إلى التفكير في الحوكمة بطريقة أكثر صرامة. فاعتماد أداة ذكاء اصطناعي في التوظيف لا يعني شراء برنامج فحسب، بل يستلزم وضع ضوابط داخلية واضحة تشمل اختبارات التحيز، وتوثيق قرارات التوظيف، ومراجعة دورية لنتائج الفرز، وتحديد المسؤوليات بين المورد وفريق الموارد البشرية.

ومن بين أفضل الممارسات التي تزداد أهميتها اليوم: إجراء تدقيقات متكررة للانحياز، وعدم الاكتفاء بفحص لمرة واحدة، وتحديد نقاط تدخل بشرية حقيقية قبل اتخاذ قرار الاستبعاد، ومراجعة البيانات التاريخية التي قد تحمل تحيزات سابقة. كما ينبغي الانتباه إلى اللغة المستخدمة في السير الذاتية والسياقات الثقافية المختلفة التي قد تفسرها النماذج بشكل غير عادل.

الخلاصة أن حكم المحكمة، حتى قبل صدوره النهائي، يعكس مرحلة جديدة في علاقة القانون بالذكاء الاصطناعي في التوظيف. فالأنظمة التي كانت تُسوَّق على أنها أدوات مساعدة فقط باتت تُنظر إليها بوصفها جزءاً من سلسلة القرار، وبالتالي جزءاً من المسؤولية أيضاً.