الذكاء الاصطناعي والتقنية 26-Jun-2026 6 دقائق قراءة

مايكروسوفت توسع أدواتها لجعل ويندوز منصة تطوير أكثر جاهزية للمبرمجين

قدمت مايكروسوفت حزمة أدوات جديدة تهدف إلى تسهيل إعداد أجهزة ويندوز كمحطات عمل للتطوير، مع دعم أفضل لأدوات يونكس وتهيئة أسرع لبيئات البرمجة المحلية والسحابية.

تعمل مايكروسوفت على إعادة ترسيخ مكانة ويندوز كمنصة مناسبة للمطورين، عبر مجموعة من الأدوات الجديدة التي تستهدف تقليل الوقت المستغرق في إعداد الأجهزة، وتوحيد التجربة بين ويندوز وبيئات لينكس، وتخفيف الاحتكاك اليومي الذي يواجهه المبرمجون عند التنقل بين الطرفية والأنظمة المختلفة.

الرسالة الأساسية في هذه الخطوة واضحة: بدل أن يكون الجهاز مجرد نظام تشغيل للاستخدام العام، تريد مايكروسوفت أن يتحول إلى محطة عمل جاهزة للبرمجة من اللحظة الأولى، مع تثبيت الأدوات الأساسية وضبط الإعدادات المهمة وإتاحة بيئة أكثر اتساقاً بين المشاريع المحلية والافتراضية والسحابية.

Coreutils for Windows يقرّب أوامر يونكس إلى ويندوز

أبرز الإضافات الجديدة يتمثل في إصدار من Coreutils مخصص لويندوز، وهو مبني على نسخة مدعومة من الشركة لحزمة الأدوات الأساسية في عالم يونكس والمكتوبة بلغة Rust. الفكرة هنا ليست استبدال أدوات ويندوز التقليدية، بل توفير تنفيذ متوافق لأوامر شائعة يعتمد عليها المطورون في لينكس وداخل WSL.

تأتي الحزمة في صورة ملف تنفيذي واحد، ما يجعل تثبيتها وتحديثها وإدارتها أبسط من توزيع مجموعة كبيرة من الملفات. ويفيد هذا الأسلوب بشكل خاص المطورين الذين يتنقلون يومياً بين Windows PowerShell وcmd وبيئات لينكس، لأنهم لن يضطروا إلى تذكر سلوك مختلف لكل أمر أو إعادة كتابة الأوامر نفسها بصيغ متعددة.

تمنح هذه الخطوة فائدة عملية للمشروعات التي تعتمد على سكربتات يونكس، إذ يصبح من الممكن نقل كثير من الأوامر والمهام الروتينية إلى ويندوز دون تعديلات كبيرة. ومع ذلك، تبقى الحزمة في مرحلة تجريبية، ولا تغطي كل وظائف Coreutils بالكامل، كما أن بعض الأوامر لا يمكن تنفيذها بالطريقة نفسها بسبب اختلاف النموذج التقني بين النظامين.

هناك أيضاً حدود واضحة يفرضها ويندوز نفسه. بعض الأدوات لا تظهر ضمن الحزمة لأن أسماءها تتعارض مع أوامر موجودة مسبقاً، وبعضها الآخر لا يتوافق مع مفاهيم لا يدعمها النظام مثل إشارات يونكس أو بنية الصلاحيات والمالكين كما في POSIX. لذلك توفر مايكروسوفت توجيهات بديلة عند الحاجة، مثل استخدام NUL بدلاً من /dev/null في بعض السيناريوهات.

Windows Developer Config لتجهيز أجهزة العمل بسرعة

الإضافة الثانية هي Windows Developer Config، وهي مجموعة إعدادات ونصوص برمجية صممت لتجهيز جهاز ويندوز ليصبح جاهزاً للعمل التطويري بسرعة. بدل أن يضطر المطور إلى تثبيت كل أداة يدوياً وضبط كل إعداد من الصفر، يمكن تشغيل الحزمة لتوزيع الأدوات الأساسية وتهيئة النظام وفق قالب جاهز.

تعتمد الفكرة على أدوات مايكروسوفت في إدارة التطبيقات والحزم، وتستفيد من أسلوب مشابه لما تستخدمه الشركة في بيئات Dev Box السحابية. لكن الجديد هنا هو نقل التجربة إلى أي جهاز ويندوز محلي، مع إمكانية تطبيقها أيضاً على لينكس الافتراضي أو عبر WSL، بحيث تكون البيئة متسقة أينما تمت كتابة الشفرة.

تتألف العملية من ثلاثة محاور رئيسية: إعدادات لتثبيت الأدوات الشائعة وضبط ويندوز، ونصوص لدعم سيناريوهات التطوير السحابي، ونصوص أخرى لتهيئة WSL بما يلائم الصدفة الطرفية والدخول إلى توزيعات لينكس وأدوات إدارة الحزم. وتظل الحزمة مفتوحة المصدر، مع إمكانية تعديلها وإضافة مكونات جديدة بحسب احتياجات الفريق أو المشروع.

ما يميز هذا التوجه أنه لا يفرض قالباً مغلقاً على المستخدم. إذا احتاج فريق تطوير إلى إضافة Coreutils أو أي أداة أخرى إلى الإعدادات الافتراضية، يمكنه ذلك بسهولة. هذا يعني أن الأداة يمكن أن تعمل كأساس موحد، ثم تُبنى فوقه تخصيصات خاصة بالعمل أو بالمؤسسة.

إعدادات قابلة للتكرار وتخفيف فرق التهيئة بين الأجهزة

أحد أهم العناصر في Windows Developer Config هو قابلية إعادة التنفيذ. فالنصوص مصممة بحيث يمكن تشغيلها أكثر من مرة دون التسبب في تعارض، ما يساعد على منع انحراف الإعدادات بمرور الوقت. هذه النقطة مهمة في البيئات التي يتغير فيها الجهاز أو يتم تحديثه باستمرار، لأن المطور لا يريد أن يكتشف لاحقاً أن الأدوات أو المسارات أو الإعدادات لم تعد كما كانت.

وتشمل التهيئة تثبيت إصدارات حديثة من PowerShell وGit وأدوات GitHub وGitHub Copilot، إلى جانب Windows App SDK وVisual Studio Code ودعم لغات مثل Node.js وPython و.NET. كما تضيف الإعدادات خطوطاً مناسبة للمطورين، ومحرك سمات للطرفية، وخيارات لتعديل مظهر مستكشف الملفات وشريط المهام، إضافة إلى تقليل التشويش الناتج عن الإشعارات أثناء التركيز على العمل.

هذه التفاصيل قد تبدو ثانوية، لكنها تؤثر مباشرة في الإنتاجية اليومية. فالمطور الذي يبدأ يومه بجهاز مضبوط مسبقاً لا يهدر وقتاً في تكرار نفس الخطوات على كل آلة جديدة، ولا يحتاج إلى ملاحقة اختلافات الإعدادات بين زملاء الفريق أو بين جهاز العمل والجهاز الشخصي.

WSL Comfort وتحسين تجربة لينكس داخل ويندوز

ضمن الحزمة نفسها، تقدم مايكروسوفت سكربتات مخصصة لتحسين تجربة WSL، أي طبقة تشغيل لينكس داخل ويندوز. هذه السكربتات تنقسم إلى جزء خاص بويندوز يضمن تثبيت WSL وUbuntu وإعداد الخطوط والملفات التعريفية للطرفية، وجزء خاص بلينكس يضبط البيئة الداخلية ويضيف خيارات مثل استخدام zsh وأدوات عرض سطر الأوامر مثل starship.

كما تضيف هذه الأدوات عدداً من الواجهات الطرفية المساعدة ودعم Homebrew داخل WSL، من دون الحاجة إلى إنشاء توزيعة جديدة. الفكرة أن يستفيد المستخدم من بيئته الحالية مع طبقة تهيئة جاهزة، بدلاً من بناء كل شيء يدوياً بعد كل تثبيت أو إعادة إعداد.

هذا مهم بشكل خاص للمطورين الذين يعتمدون على مشاريع متعددة أو ينتقلون بين أجهزة مختلفة. ففي حال كان المطلوب إعادة تشغيل إعدادات التطوير بسرعة، يصبح من الأسهل استنساخ البيئة نفسها تقريباً على جهاز جديد أو على آلة افتراضية، مع تقليل احتمالات الخطأ أو اختلاف النسخ.

رهان مايكروسوفت على ويندوز كمحطة عمل تطويرية

المحصلة النهائية لهذه الإعلانات أن مايكروسوفت تحاول سد واحدة من الفجوات القديمة في ويندوز: غياب طريق سريع وواضح لتحويل الجهاز إلى بيئة تطوير متكاملة. ومع أن الشركة استثمرت لسنوات في أدوات مثل WSL وWindows Terminal وwinget، فإن التجربة كانت تحتاج إلى مزيد من التوحيد والسهولة.

الجديد هذه المرة ليس مجرد إضافة أداة أخرى، بل بناء طبقة إعداد قابلة للتكرار والتخصيص، تجمع بين أوامر يونكس وإدارة الحزم وتهيئة الطرفية وضبط النظام. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد تصبح ويندوز أكثر جاذبية للفرق التي تريد بيئة متقاربة على الأجهزة المحلية والسحابية والافتراضية، من دون التضحية بمرونة التخصيص.

كما أن التركيز على التوحيد بين الأنظمة قد يخفف من مشكلة مألوفة لدى كثير من المطورين: أن الجهاز الجديد يعني غالباً أياماً من إعادة التثبيت والضبط واسترجاع نفس الأدوات. في المقابل، تقدم مايكروسوفت الآن مساراً أقرب إلى “التهيئة الجاهزة”، وهو توجه ينسجم مع احتياجات فرق التطوير الحديثة التي تعمل عبر مشاريع وأجهزة متعددة.

وبين Coreutils for Windows وWindows Developer Config وتحسينات WSL، تبدو الرسالة التقنية الأهم أن ويندوز لم يعد يُنظر إليه فقط كنظام للمستخدم النهائي، بل كمنصة تطوير تريد أن تنافس على راحة المبرمج وسرعة انطلاقه منذ أول جلسة عمل.