الذكاء الاصطناعي والتقنية 27-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ألبسيمي تجمع 17 مليون يورو لتسريع قواطع الدوائر الصلبة للمباني ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

جمعت شركة ألبسيمي الفرنسية تمويلاً جديداً بقيمة 17 مليون يورو لدفع تقنيتها في قواطع الدوائر الصلبة نحو التصنيع التجاري، مع تركيز واضح على المباني والبنية التحتية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

تتجه البنية التحتية الكهربائية العالمية نحو مرحلة جديدة تتقاطع فيها أشباه الموصلات مع إدارة الطاقة، ومعها تبرز شركات ناشئة تسعى إلى إعادة تعريف وسائل الحماية التقليدية. في هذا السياق، أعلنت الشركة الفرنسية الناشئة ألبسيمي حصولها على تمويل جديد بقيمة 17 مليون يورو لدفع تقنيتها الخاصة بقواطع الدوائر الصلبة إلى مرحلة التصنيع التجاري الواسع.

الجولة قادتها شركة يوتا كابيتال، بمشاركة من إس في فنتشرز، ونافيتاس لأشباه الموصلات، وسايكل غروب. وتخطط الشركة لاستخدام الأموال في تعزيز الإنتاج الصناعي لمفاتيحها شبه الموصلة، إلى جانب التوسع نحو معمارية طاقة جديدة، من بينها أنظمة التيار المستمر بجهد 800 فولت التي يجري بحثها بصورة متزايدة لخدمة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من الجيل التالي.

لماذا أصبحت الحماية الكهربائية قضية أشباه موصلات

اعتمدت الأنظمة الكهربائية لعقود طويلة على قواطع ميكانيكية تفصل التيار عند حدوث خلل أو حمل زائد. وقد أثبت هذا النموذج موثوقيته في بيئات كثيرة، لكنه صُمم لعالم مختلف عن ذلك الذي نراه اليوم، حيث تتشابك الطاقة المتجددة، والتخزين، والشحن الكهربائي، والتحكم الرقمي في شبكة واحدة أكثر تعقيداً.

القواطع الصلبة تستبدل الأجزاء الميكانيكية بمفاتيح تعتمد على أشباه الموصلات، ما يسمح باتخاذ قرار الفصل إلكترونياً خلال أجزاء صغيرة جداً من الثانية. هذا التحول يفتح الباب أمام استجابة أسرع، ورصد أفضل، وإمكانية التحكم عن بعد، مع تقليل مشكلة الشرر الكهربائي الذي يرتبط بالقواطع التقليدية.

وتكتسب هذه المزايا أهمية خاصة في المباني الحديثة التي تضم أنظمة طاقة شمسية على الأسطح، وبطاريات تخزين، ومحطات شحن للسيارات الكهربائية، وأنظمة إدارة طاقة ذكية. كل هذه العناصر تفرض على منظومات الحماية أن تتعامل مع تدفقات كهربائية ثنائية الاتجاه وتغيرات سريعة في الأحمال.

ألبسيمي تراهن على مواد واسعة الفجوة

تأسست ألبسيمي في غرونوبل، إحدى أبرز مناطق التكنولوجيا العميقة وأشباه الموصلات في أوروبا، وتركز على تطوير مفاتيح طاقة تعتمد على مواد واسعة الفجوة وفائقة الاتساع في الفجوة. هذا النوع من المواد بات محورياً في إلكترونيات القدرة لأنه يتحمل جهوداً أعلى ودرجات حرارة أكبر، ويعمل بترددات تبديل أعلى من السيليكون التقليدي.

وتراهن الشركة على نهج يدمج بين المواد، وتصميم الأجهزة، والتكامل على مستوى النظام، بما يمنحها قدرة على معالجة أكثر من طبقة في سلسلة الطاقة. ووفق هذا التصور، لا تبيع الشركة قطعة منفردة فقط، بل تبني منصة تقنية يمكن توظيفها في تطبيقات متعددة.

تشمل خريطة الطريق التي تعمل عليها ألبسيمي شبكات الطاقة الذكية، ومراكز البيانات، والقطاع الصناعي، والمركبات الكهربائية. وهذه كلها مجالات تواجه ضغوطاً متزايدة لتحسين الكفاءة وتقليل الفاقد ورفع مستوى الموثوقية.

AS800 أول منتج تجاري في الطريق إلى السوق

أول منتج تجاري للشركة يحمل اسم AS800، وهو مخصص لقواطع دوائر مصغرة صلبة تعمل ضمن أنظمة كهربائية معيارية بجهد 110 فولت و230 فولت. ويستهدف المنتج التركيبات السكنية والتجارية التي أصبح فيها استغلال المساحة وكثافة القدرة من العوامل الحاسمة.

تقول الشركة إن تصميم AS800 يراعي إمكانية دمج موارد الطاقة الموزعة ضمن هيكل مألوف يشبه أشكال القواطع التقليدية. كما سبق عرض التقنية أمام جمهور متخصص في فعاليات كبرى بمجال إلكترونيات القدرة، قبل أن تنتقل الآن نحو تصنيع أكبر عبر سلسلة إمداد عالمية.

ويمثل التمويل الأخير خطوة أساسية للانتقال من مرحلة العرض والاختبار إلى مستوى الإنتاج الصناعي الأوسع. وفي سوق يتزايد فيه الطلب على حلول توزيع الطاقة الذكية، قد يكون هذا التحول حاسماً في تحديد سرعة تبني التقنية.

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تضغط على معايير الطاقة

من الجوانب اللافتة في استراتيجية ألبسيمي توجهها نحو أنظمة 800 فولت المستمرة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التوجه في وقت ترتفع فيه قوة الحوسبة المطلوبة لتشغيل النماذج الكبيرة ومسرعات الذكاء الاصطناعي، ما يدفع القطاع إلى البحث عن طرق أكثر كفاءة لتوزيع الكهرباء داخل المراكز.

الحديث عن التيار المستمر عالي الجهد لم يعد مجرد تصور هندسي نظري، بل أصبح أحد المسارات المطروحة لتقليل خسائر التحويل وتحسين كفاءة البنية الكهربائية الكلية. فكل مرحلة تحويل بين أشكال الجهد تضيف قدراً من الفاقد، ومع تضخم أحمال الذكاء الاصطناعي تصبح هذه النسب مؤثرة على مستوى التكلفة والأداء.

لكن الحماية في أنظمة التيار المستمر أصعب من نظيرتها في التيار المتناوب. فالمجال المستمر لا يمر طبيعياً بنقطة الصفر كما يحدث في التيار المتناوب، ما يجعل إيقاف الأعطال أكثر تعقيداً. هنا تأتي أهمية القواطع الصلبة، القادرة على الاستجابة بسرعة أكبر من الحلول الميكانيكية وتجنّب الشرر الكهربائي.

ومن ثم، فإن منتجات مثل تلك التي تطورها ألبسيمي قد تصبح جزءاً من الطبقة الخفية التي تمكّن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من العمل بكفاءة أعلى واستقرار أكبر. فبينما يتركز الاهتمام غالباً على الرقائق والمسرعات وأنظمة التبريد، تبقى شبكات توزيع الطاقة شرطاً أساسياً لا يقل أهمية.

تحول أوسع في طريقة تصميم الشبكات الكهربائية

الاهتمام المتنامي بالقواطع الصلبة يعكس تحولاً أوسع في قطاع الطاقة، حيث تتحول الشبكات من بنية ميكانيكية ثابتة إلى منظومات رقمية أكثر قابلية للبرمجة والمراقبة. ومع انتشار الطاقة الشمسية والبطاريات وشحن المركبات الكهربائية، لم تعد القواطع التقليدية كافية للتعامل مع حجم التعقيد الجديد.

القيمة المضافة للحلول المعتمدة على أشباه الموصلات لا تقتصر على السرعة فقط، بل تمتد إلى القدرة على جمع البيانات، ومتابعة الحالة التشغيلية، والاستجابة للأعطال بشكل فوري. هذا يتيح للمشغلين مستوى أعلى من الرؤية والتحكم في تدفقات الطاقة داخل المباني والمصانع ومراكز البيانات.

وفي بيئات عالية الكثافة مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، قد يكون لهذه الخصائص أثر مباشر على الاعتمادية واستهلاك الطاقة. فكل تحسين في الحماية أو المراقبة أو الكفاءة ينعكس على قدرة المنشآت على استيعاب نمو الأحمال دون رفع المخاطر التشغيلية.

ورغم أن تبني هذه التقنية لا يزال في مراحله الأولى، فإن التمويل الجديد الذي حصلت عليه ألبسيمي يعكس ثقة متزايدة في أن الحماية الكهربائية نفسها دخلت عصر التحول الرقمي. وإذا كانت أشباه الموصلات قد غيّرت عالم الحوسبة والاتصالات، فإن دورها في توزيع الكهرباء قد يصبح أحد التحولات الكبرى المقبلة في البنية التحتية الحديثة.