في خطوة تعكس احتدام المنافسة على موارد الحوسبة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وقّعت أنثروبيك اتفاقاً مع سبيس إكس لاستئجار البصمة الحاسوبية الكاملة لمركز البيانات Colossus 1 في ممفيس بولاية تينيسي. ويمنح الاتفاق الشركة الناشئة أكثر من 300 ميغاواط من القدرة الكهربائية، إلى جانب ما يزيد على 220 ألف وحدة معالجة رسومية من إنفيديا، من المتوقع أن تدخل الخدمة خلال شهر تقريباً.
الصفقة لا تقتصر على زيادة السعة المتاحة لأنثروبيك، بل تكشف أيضاً عن تحولات أوسع في اقتصاد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فبدلاً من بناء مراكز البيانات من الصفر في كل مرة، باتت شركات النماذج الكبيرة تلجأ إلى عقود ضخمة طويلة الأمد لتأمين الحوسبة قبل إطلاق الإصدارات الجديدة أو مواجهة ارتفاع الطلب على الخطط المدفوعة.
تخفيف القيود على Claude Code وواجهات البرمجة
أول أثر مباشر للاتفاق ظهر على سياسات الاستخدام الخاصة بخدمات Claude. فقد أعلنت أنثروبيك رفع حدود الاستخدام الزمنية لـ Claude Code على خطط Pro وMax وTeam وEnterprise المعتمدة على المقاعد، بحيث تتضاعف الحصة المتاحة خلال نافذة الخمس ساعات. كما ألغت الشركة القيود التي كانت تفرضها خلال ساعات الذروة في الولايات المتحدة على حسابات Pro وMax.
أما على مستوى واجهات البرمجة، فالتغيير كان أكبر بكثير، خصوصاً مع نماذج Claude Opus. في الفئة الأولى، ارتفع الحد من 30 ألف رمز إدخال إلى 500 ألف رمز في الدقيقة، وقفزت مخرجات النظام من 8 آلاف إلى 80 ألفاً. وفي الفئة الرابعة، زادت حدود الإدخال من مليوني رمز إلى 10 ملايين في الدقيقة، بينما تضاعفت حدود الإخراج من 400 ألف إلى 800 ألف. هذه القفزة تشير بوضوح إلى أن عنق الزجاجة كان في القدرة الحاسوبية أكثر من كونه في التسعير.
سبيس إكس تتحول إلى مزود بنية تحتية للذكاء الاصطناعي
من زاوية سبيس إكس، تحمل الصفقة بعداً مختلفاً. فمركز Colossus 1 كان قد بُني أصلاً لتدريب Grok، لكنه أصبح الآن يُدار كسعة فائضة يمكن تأجيرها لجهة أخرى. ويأتي ذلك بعد أن نقلت xAI، الشريك المدمج مع سبيس إكس، عمليات التدريب إلى Colossus 2 الأكبر حجماً، ما جعل الموقع الأول قابلاً لإعادة التوظيف التجاري.
هذا التحول يضع سبيس إكس في موقع غير مألوف بالنسبة لشركة اشتهرت بصواريخها ومشروعاتها الفضائية. فهي لا تكتفي الآن بالاستفادة من أصولها التقنية الداخلية، بل تتجه إلى لعب دور المالك أو المؤجر للبنية التحتية الحاسوبية، في وقت يبحث فيه القطاع عن مصادر طاقة ومعالجة أكثر استقراراً.
كما أن الاتفاق يعكس مفارقة لافتة: البنية التحتية التي كانت مخصصة لمشروع ذكاء اصطناعي منافس أصبحت الآن تدعم Claude، أحد أبرز منافسيه في السوق. وهذه الديناميكية تؤكد أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد يدور فقط حول جودة النماذج، بل حول من يمتلك الكهرباء والرقائق والعقود طويلة الأجل.
شبكة متنامية من شركاء الحوسبة
صفقة سبيس إكس ليست الوحيدة في استراتيجية أنثروبيك لتأمين البنية الحاسوبية. فقد أعلنت الشركة خلال الأشهر الماضية عن سلسلة من الاتفاقات واسعة النطاق، من بينها عقد مع أمازون تصل سعته إلى 5 غيغاواط، واتفاق آخر مع غوغل وبرودكوم بالحجم نفسه، إضافة إلى شراكة استراتيجية مع مايكروسوفت وإنفيديا تتضمن 30 مليار دولار من سعة Azure، واتفاق منفصل مع Fluidstack لبناء مراكز بيانات في الولايات المتحدة بقيمة 50 مليار دولار.
وبحسب ما كشفته الشركة، فإنها تشغّل وتدرّب Claude عبر مزيج من شرائح إنفيديا ووحدات TPU من غوغل وTrainium من AWS. دخول سبيس إكس إلى هذه المنظومة لا يغيّر فقط قائمة مزودي الخدمة، بل يضيف بُعداً سياسياً وتجاريًا أكثر حساسية، لأن الطرف المالك للأصل الحاسوبي مرتبط مباشرة بإيلون ماسك، في حين أن منتج Grok يتنافس مع Claude بشكل مباشر.
هذا التداخل بين المنافسة والتعاون يبرز واقعاً جديداً في صناعة الذكاء الاصطناعي: الشركات قد تتنافس بقوة على النماذج والمنتجات، لكنها تتقاطع في النهاية عند نقطة واحدة لا غنى عنها، وهي الوصول إلى الطاقة والحوسبة.
ما الذي يعنيه ذلك لسباق النماذج الكبيرة؟
الاتفاق يأتي في لحظة تشهد فيها شركات الذكاء الاصطناعي ضغطاً متزايداً لتوسيع قدراتها قبل أن تتجاوز متطلبات المستخدمين والبنية التحتية المتاحة. وكلما زاد الإقبال على النماذج المتقدمة وأدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري رفع الحدود وتخفيف القيود حتى لا تتباطأ تجربة المستخدم أو يتراجع أداء الخدمة.
لكن هذا التوسع له كلفة واضحة. فالشركات مطالبة اليوم بتأمين عقود طاقة هائلة، وإدارة نفقات تشغيلية مرتفعة، والتعامل مع سوق شرائح لا يزال شديد التنافس. وفي هذا السياق، يصبح استئجار منشأة جاهزة مثل Colossus 1 أسرع من بناء مركز بيانات جديد، وأقل مخاطرة من انتظار اكتمال مشروع طويل الأمد.
كما أن الاتفاق يطرح أسئلة حول مستقبل نموذج الأعمال في الذكاء الاصطناعي التوليدي. فمع تضخم أحجام النماذج وازدياد الطلب على خدماتها، لم يعد النجاح يقاس فقط بقدرة النموذج على توليد إجابات أفضل، بل أيضاً بمدى قدرة الشركة على تشغيل هذه النماذج على نطاق واسع وبكفاءة ثابتة.
في النهاية، تبدو صفقة أنثروبيك وسبيس إكس أكثر من مجرد عقد تأجير لمركز بيانات. إنها إشارة إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيس ليس من يملك النموذج الأقوى فقط، بل من يملك أيضاً البنية التي تسمح له بالعمل دون انقطاع.