حملة هجومية جديدة في قلب منظومة بايثون
كشفت أبحاث أمنية عن حملة خبيثة متقدمة تستهدف سلسلة توريد البرمجيات عبر حزم Python تبدو عادية، لكنها تحمل بداخلها شيفرة ضارة تبدأ العمل فور استيراد الحزمة. وما يميز هذه العملية أنها لا تكتفي بالانتشار التقليدي، بل تجمع بين عدة أساليب هجومية في آن واحد: التوسع الذاتي داخل البيئات المصابة، وسرقة البيانات الحساسة، والتنقل الجانبي داخل الشبكات، ومحاولة تضليل أدوات الفحص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
الحملة المعروفة باسم هاديس تمثل نمطاً جديداً من التهديدات التي تستغل الثقة في حزم المطورين مفتوحة المصدر. فبدلاً من مهاجمة الخوادم مباشرة، يتسلل المهاجمون عبر مكونات شائعة يعتمد عليها المطورون، ثم يفعّلون حمولة خبيثة عند أقل خطوة تنفيذية داخل بيئة التطوير أو التشغيل.
كيف تعمل البرمجية الخبيثة
وفقاً للباحثين، تبدأ السلسلة عبر ملف تهيئة بسيط داخل الحزمة، وهو ملف أساسي في بنية بايثون يسمح للنظام بالتعرف إلى الحزم واستيرادها. داخل هذا الملف تُخفى شيفرة مبهمة، وبعد التثبيت أو الاستيراد يتم جلب مكوّن تنفيذي إضافي يعتمد على أداة Bun لتنفيذ حمولة JavaScript متعددة الطبقات.
هذا الأسلوب يمنح المهاجمين مرونة أكبر، لأن Bun يتيح تشغيل مهام معقدة حتى في البيئات التي لا تحتوي على Node.js. كما يساعدهم على الالتفاف على بعض القيود المرتبطة بمديري الحزم أو بسجلات الخوادم الوسيطة، ما يزيد صعوبة التتبع والتحليل.
الحملات المصابة شملت حزمًا مثل ensmallen، إضافة إلى حزم أخرى مرتبطة بالبيولوجيا الحاسوبية وتحليل الجينوم والسمات الوراثية، ما يشير إلى أن الهدف لم يكن عشوائياً بالكامل، بل استغلال بيئات بحثية وتطويرية تعتمد على هذه الأدوات بصورة يومية.
سرقة الذاكرة والبيانات عبر أنظمة متعددة
من أخطر قدرات هذه البرمجية أنها لا تنتظر وصول البيانات إلى القرص الصلب كي تسرقها. بل تعمل على فحص خرائط ذاكرة لينكس، وتضم كذلك أدوات مخصصة لاستهداف macOS وWindows بهدف استخراج بيانات حساسة ومشفرة من الذاكرة مباشرة. هذا النمط يقلل من احتمالات رصد النشاط عبر بعض أدوات المراقبة التقليدية التي تعتمد على تتبع الملفات أو النقل الشبكي الواضح.
كما تستخدم الحملة أساليب لحصاد بيانات الاعتماد ونقلها عبر قنوات تبدو طبيعية نسبياً، مع اعتماد واسع على بنية GitHub العامة لإخفاء الحركة الضارة وسط نشاط مطورين عاديين. وبحسب الباحثين، فإن هذا يرفع مستوى التعقيد التشغيلي للحملة ويجعل الإسناد والتحقيق أكثر صعوبة.
تضليل أدوات التحليل المعتمدة على النماذج اللغوية
الجزء الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الحملة هو محاولتها إرباك أنظمة الفحص التي تستخدم النماذج اللغوية الكبيرة لتحليل الشيفرة. فبدلاً من استهداف البشر فقط، تحاول البرمجية التأثير في منطق التقييم لدى النظام نفسه عبر نصوص مضللة توضع في مقدمة الملف، وتدفع النموذج إلى تجاهل الشيفرة المخفية والحكم على الحزمة بأنها نظيفة وآمنة.
هذه التقنية تمثل انتقالاً من مجرد إخفاء الحمولة الضارة إلى مهاجمة طبقة اتخاذ القرار في أدوات الأمن. فحين تعتمد المنصات على LLMs لفحص المحتوى الخام دون عزل صارم للسياق، يمكن للرسائل النصية المضمنة أن تؤدي إلى استنتاجات مضللة وإصدار تقييمات سلبية زائفة، وهو ما يفتح ثغرة خطيرة في خطوط الدفاع الحديثة.
ويرى مختصون أن هذا التطور يعكس فهماً متقدماً لكيفية عمل أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات الأمن، وأن المهاجمين بدأوا يختبرون حدود هذه الأنظمة كما كانوا يفعلون سابقاً مع البشر عبر التصيّد والهندسة الاجتماعية.
الانتشار الذاتي واستغلال آليات الثقة
الحملة لا تعتمد فقط على الاختباء داخل حزمة واحدة، بل تتبع منطق الدودة البرمجية التي تنتقل وتعيد نسخ نفسها. وقد أشار الباحثون إلى أنها تستفيد من قنوات متعددة، منها بروتوكولات ومكونات يفترض أنها مخصصة للحماية أو النشر الآمن، مثل SSH وSCP وOIDC وSLSA. وبذلك تحوّل آليات الثقة نفسها إلى أدوات للتمدد داخل البيئات المصابة.
وعند التنفيذ داخل بيئة GitHub Actions، تتحقق البرمجية من متغيرات OIDC، ثم تسعى لتجاوز سياسات التوقيع والتوثيق، وتوليد حزم Provenance موقعة بشكل يبدو شرعياً عبر Sigstore. بعد ذلك يمكنها جلب مكتبات مستهدفة، وحقن الشيفرة الخبيثة فيها، ثم إعادة نشر نسخ مصابة إلى مستودعات حزم مثل PyPI وnpm باستخدام بيانات الاعتماد التي تم الحصول عليها.
وبهذا تصبح الحزمة المصابة قادرة على الظهور كأنها مبنية داخل بيئة رسمية موثوقة وموقعة رقمياً، وهو ما يمنح الهجوم درجة أعلى من المصداقية الظاهرية.
الاستهداف المباشر لمساعدي الذكاء الاصطناعي
إلى جانب استهداف المطورين والبنى السحابية، رصد الباحثون أن الحملة تهاجم ملفات القواعد وأدلة الإعداد الخاصة بعدد من وكلاء الذكاء الاصطناعي والمساعدات البرمجية. الفكرة هنا هي زرع تعليمات مخصصة أو Hooks خفية تؤدي إلى تنفيذ أوامر محددة عندما يفتح المستخدم مساحة العمل أو يستدعي مساعده الذكي.
في بعض السيناريوهات، قد يدفع ذلك إلى تشغيل أوامر تمهيدية غير مرغوب فيها، أو إلى تفعيل حمولة إضافية بمجرد أن يتعامل الوكيل الذكي مع المشروع. هذا يجعل التهديد موجهاً ليس فقط إلى الشيفرة، بل إلى تجربة التطوير بأكملها، بما فيها الأدوات التي يفترض أنها تساعد على رفع الإنتاجية.
الأخطر من ذلك أن البرمجية تراقب وجود الرموز المسروقة، وإذا جرى إبطالها قد تنتقل إلى سلوك تدميري يمس ملفات المستخدم مباشرة. هذا يضيف بعداً انتقامياً أو تخريبياً يزيد من خطورة الحملة على الفرق التقنية والمؤسسات التي تعتمد على خطوط تطوير مؤتمتة.
ما الذي تكشفه هذه الحملة عن مستقبل الهجمات السيبرانية
تشير هذه الواقعة إلى أن تهديدات سلسلة التوريد لم تعد تقتصر على إدخال مكتبة معطوبة أو سرقة مفاتيح اعتماد فحسب، بل تتجه نحو استهداف طبقات جديدة من الأتمتة، وعلى رأسها أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التحليل الأمني. وهذا يعني أن الدفاعات المستقبلية لن تكون مطالبة فقط بفحص الكود، بل أيضاً بحماية السياق الذي تُقدَّم فيه الشيفرة إلى النماذج.
كما أن دمج الانتشار الذاتي مع تقنيات التحايل على LLMs ومع إساءة استخدام آليات التوقيع والثقة يعطي مثالاً واضحاً على المرحلة التالية من البرمجيات الخبيثة: هجمات متعددة الطبقات، تتحدث لغة المطورين، وتخدع أدوات الأتمتة، وتتحرك بسرعة عبر المنصات الحديثة.
وبالنسبة للمنظمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مراجعة الحزم أو تقييم الشيفرة، فإن الرسالة الأساسية واضحة: يجب التعامل مع النماذج اللغوية كطبقة مساعدة لا كحكم نهائي، مع فرض عزل صارم للسياق، وفحص مستقل للملفات، ومراجعة بشرية للنتائج الحساسة، لأن الهجمات المقبلة قد تكون مصممة خصيصاً لخداع الآلة قبل الإنسان.