04-Jul-2026 6 دقائق قراءة

ماكلارين للفورمولا 1 تعتمد إدارة خدمات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتجهيز البنية التقنية لكل سباق

تعتمد فريق ماكلارين للفورمولا 1 على منصة إدارة خدمات تقنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسريع تجهيز المرائب والبنية التحتية قبل كل سباق، ورفع كفاءة عمليات الدعم الفني خلال عطلات السباق.

تتجه فرق الفورمولا 1 إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات تتجاوز تحليل أداء السيارة أو استراتيجية السباق، لتشمل أيضاً إدارة البنية التقنية التي تقف خلف كل عطلة سباق. وفي حالة ماكلارين، أصبح إعداد المرآب والأنظمة المرتبطة به قبل كل جائزة كبرى عملية تعتمد على أتمتة دقيقة، وتنسيق مسبق، وإدارة خدمات تقنية معلومات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

الفكرة هنا ليست مجرد دعم فني تقليدي، بل تشغيل منظومة متنقلة تبدأ قبل وصول الفريق إلى الحلبة بأيام. فمع كل سباق، يجب تجهيز موقع عمل كامل من الصفر تقريباً، بما يشمل الشبكات، وأجهزة الاتصال، وأماكن عمل المهندسين، ونقاط الربط بين المرآب وغرفة التحكم والعمليات الميدانية.

بنية تحتية تُبنى أسبوعياً من جديد

قبل انطلاق كل سباق، يصل فريق التجهيز المبكر إلى الحلبة بحوالي أسبوع. وخلال هذه الفترة، يتحول المرآب من مساحة فارغة إلى مركز عمليات متكامل قادر على استقبال تدفق ضخم من البيانات في الوقت الحقيقي. هذا العمل يشمل مد آلاف الأمتار من الكابلات النحاسية، وتركيب المحطات الهندسية، وتجهيز مناطق العمل الخاصة بالميكانيكيين والمهندسين، والتأكد من جاهزية كل نقطة اتصال.

وتنقل سيارات الفورمولا 1 على الحلبة كماً هائلاً من البيانات عبر مئات الحساسات، تصل إلى نحو 300 مستشعر في السيارة والسائق. هذه البيانات تشمل درجة حرارة الإطارات، وأداء المحرك، والديناميكا الهوائية، وحتى مؤشرات مرتبطة بالسائق نفسه. وفي الوقت ذاته، يتابع أكثر من 30 شخصاً هذه الإشارات من غرفة العمليات خلال السباق، ما يجعل استقرار الشبكة والأنظمة جزءاً أساسياً من الأداء التنافسي.

في هذا السياق، لا تقتصر مهمة القسم التقني على “تشغيل الأجهزة”، بل تمتد إلى ضمان أن يكون كل شيء موثوقاً وقابلاً للتكرار من سباق إلى آخر. وهذا هو التحدي الذي دفَع الفريق إلى اعتماد أدوات إدارة خدمات تقنية المعلومات الحديثة لتوحيد الإجراءات وتقليل المخاطر التشغيلية.

الذكاء الاصطناعي ينظم التذاكر ويختصر الوقت

تستخدم ماكلارين منصة Freshservice من Freshworks، وهي منصة لإدارة خدمات تقنية المعلومات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدعم سير العمل، وفرز الطلبات، وتحديد أولوياتها. وتسمح المنصة بإنشاء تذاكر متكررة قبل كل سباق لضمان التحقق من جاهزية جميع الأنظمة، بدءاً من الشاشات والميكروفونات داخل غرفة التحكم، وصولاً إلى وصلات البيانات وأجهزة الاتصال.

هذه الفحوصات الاستباقية مهمة لأن بيئة السباق لا تحتمل الأعطال أو التأخير. أي خلل بسيط في الاتصال أو العرض أو نقل البيانات قد ينعكس على قدرة الفريق على اتخاذ قرارات فورية خلال السباق. لذلك، تعتمد ماكلارين على سير عمل واضح وقابل للتتبع، يضمن أن كل مهمة تقنية تُنجز في الوقت المحدد وبنفس المعايير في كل محطة من محطات البطولة.

وتدعم المنصة أيضاً عمليات الانضمام والمغادرة الوظيفية للموظفين، عبر تكاملها مع Workday، وهو ما يسهّل إدارة دورة حياة الموظف مع نمو الفريق واتساع عملياته. وبهذا، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الرد على الطلبات، بل يمتد إلى دعم البنية التنظيمية للعمليات التقنية نفسها.

مساعد ذكي يخفف الضغط عن فرق العمليات

من العناصر اللافتة في هذه التجربة استخدام Freddy AI، وهو مساعد ذكي مدمج في Freshservice يتولى التعامل مع طلبات الموظفين ويساعد في فرزها وترتيبها بحسب الأولوية. ووفقاً للفريق، فإن هذه القدرة خففت العبء عن موظفي العمليات التقنية والمهندسين، ومنحتهم وقتاً أكبر للتركيز على المهام الأكثر قيمة في الحلبة والمصنع.

في بيئة تعمل تحت ضغط زمني شديد مثل الفورمولا 1، يصبح الوقت مورداً نادراً. لذلك، فإن أي أداة تقلل من التذاكر اليدوية أو تعجل بتوجيه الطلبات إلى الجهة المناسبة يمكن أن تحدث فرقاً ملموساً في كفاءة التشغيل. كما أن وجود نظام يحدد الأولويات تلقائياً يساعد على تجنب تكدس الطلبات، ويمنح الفريق رؤية أوضح حول ما يجب حله أولاً.

هذا النوع من الأتمتة ينسجم مع طبيعة العمل في ماكلارين، حيث يتوزع الفريق بين موقع السباق في الحلبة ومقر الشركة في المملكة المتحدة. ومن ثم، فإن تحسين التواصل بين هذه البيئات المختلفة يعد عاملاً حاسماً في استمرار العمليات بسلاسة.

التشغيل الاستباقي بدل رد الفعل

تعتمد فلسفة الفريق على التحضير المسبق بدل التعامل مع المشكلات بعد وقوعها. ولهذا تُستخدم الأدوات التقنية لإجراء فحوصات على غرفة العمليات، واختبار سلاسل الأدوات قبل عطلة السباق، ومحاكاة تدفقات البيانات القادمة من السيارات. والهدف هو اكتشاف أي خلل قبل أن يظهر في يوم السباق.

هذه المقاربة الاستباقية تعكس تطوراً مهماً في طريقة استخدام إدارة خدمات تقنية المعلومات داخل المؤسسات عالية الأداء. فبدلاً من أن تكون الوظيفة التقنية مجرد استجابة للحوادث، تتحول إلى جزء من التخطيط التشغيلي، ومن آلية حماية الأداء العام للفريق.

ويشير هذا النموذج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التحليلات المتقدمة أو التنبؤات المعقدة، بل يمكن أن يقدم قيمة واضحة في الأعمال اليومية التي تبدو تقليدية، مثل التذاكر، والفحوصات، والمهام المتكررة. وفي القطاعات التي تعتمد على الدقة والسرعة، قد يكون هذا الجانب هو الأكثر تأثيراً.

دروس تتجاوز عالم السباقات

رغم أن ماكلارين تعمل في بيئة استثنائية، فإن الدروس المستفادة من تجربتها قابلة للتطبيق في مؤسسات أخرى عديدة. فالشركات التي تدير فرقاً موزعة أو عمليات متغيرة باستمرار يمكن أن تستفيد من نفس المبادئ: توحيد الإجراءات، أتمتة الطلبات، تحسين الأولويات، والاعتماد على فحوصات استباقية قبل فترات الذروة.

الفرق هنا أن ماكلارين لا تنتظر نهاية الموسم لتطوير أدواتها. بل تواصل تحديث مزيجها التقني بالتزامن مع تطور السيارة نفسها من سباق إلى آخر. هذا الأسلوب يجعل البنية الرقمية جزءاً من منظومة الابتكار، وليس مجرد دعم خلفي لها.

كما أن ثقافة الفريق تظهر ميلاً واضحاً إلى قبول التغيير والعمل بهدوء تحت الضغط، وهي سمة مهمة في أي مؤسسة تسعى إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل عملي. فالقيمة الحقيقية للتقنية لا تظهر في الشعار أو الفكرة العامة، بل في قدرتها على تقليل التعقيد وتحسين التنفيذ عندما يكون الهامش الزمني ضيقاً جداً.

في النهاية، تقدم تجربة ماكلارين مثالاً واضحاً على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي وإدارة خدمات تقنية المعلومات أن يتحولا إلى عنصر تنافسي مباشر. فخلف كل لفة سريعة، هناك بنية رقمية معقدة، وأتمتة دقيقة، وفريق تقني يعمل بصمت لضمان أن تكون المنصة جاهزة قبل أن تصل السيارات إلى خط الانطلاق.