أظهرت دراسة بحثية جديدة أن نماذج اللغة المتقدمة لا تكتفي بمنافسة البشر في توليد النصوص أو الإجابة عن الأسئلة، بل قد تتفوق عليهم أيضاً في مجال شديد الحساسية: الإقناع. ووفق النتائج، استطاعت أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تدفع المشاركين إلى التبرع بمعدلات أعلى بكثير من المتحدثين البشريين المحترفين، كما حققت نتائج أقوى في تغيير المواقف بشأن قضايا عامة وسياسية.
الدراسة، التي شارك فيها باحثون من جامعات ومؤسسات بحثية في بريطانيا والولايات المتحدة، اختبرت أداء نماذج رائدة مثل Claude وChatGPT وGrok وGemini في محادثات فعلية مع أشخاص حقيقيين. وكانت النتيجة اللافتة أن الذكاء الاصطناعي لم يتفوق فقط على المتطوعين العاديين، بل تجاوز أيضاً أشخاصاً يعملون في الإقناع بشكل احترافي، مثل المناظرين الخبراء وجامعي التبرعات المحترفين.
نتائج لافتة في اختبار التبرعات
أحد أهم أجزاء الدراسة كان اختباراً عملياً للتبرع الخيري. بعد محادثة قصيرة مع إما نموذج ذكاء اصطناعي أو متحدث بشري، حصل المشاركون على مكافأة مالية صغيرة، ثم طُلب منهم التبرع بجزء منها لصالح جمعية خيرية. هنا أظهر الذكاء الاصطناعي أفضلية واضحة، إذ وصل معدل التبرع إلى 17.2% من الأموال المتاحة، مقابل 6.4% فقط في حالة المتحدثين البشر المحترفين.
هذه الفجوة لا تعني مجرد زيادة طفيفة في الإقناع، بل تشير إلى فرق كبير في القدرة على دفع السلوك الفعلي، لا مجرد تغيير الرأي على الورق. كما أن النموذج لم ينجح فقط في إقناع عدد أكبر من الأشخاص بالتبرع، بل رفع أيضاً متوسط المبلغ الذي اختار المتبرعون تقديمه.
وتوضح الدراسة أن الرسائل التي ركزت على أثر التبرع وفعاليته العملية كانت من أكثر الأساليب نجاحاً. بمعنى آخر، عندما قدّم الذكاء الاصطناعي معلومات واضحة عن كيف يمكن للمبلغ الصغير أن يترجم إلى أثر ملموس، ارتفعت احتمالات التبرع بصورة ملحوظة.
تفوق على المناظرين والخبراء
لم تقتصر التجارب على جمع التبرعات. فقد شملت اختبارات أخرى محادثات حول قضايا عامة وسياسية، حيث كان المشاركون يبدؤون بتحديد موقفهم ثم يدخلون في نقاش قصير مع طرف بشري أو مع نموذج ذكاء اصطناعي، وبعدها يعيدون تقييم رأيهم. وفي هذه التجارب أيضاً، حققت النماذج اللغوية المتقدمة تأثيراً أكبر على مواقف المشاركين.
اللافت أن أعلى أداء بشري جاء من مناظرين من النخبة، بعضهم يملك سنوات طويلة من الخبرة وحقق إنجازات دولية في مسابقات المناظرة. ومع ذلك، بقيت النماذج الذكية متقدمة عليهم في المتوسط. هذا يشير إلى أن قوة الإقناع لم تعد مرتبطة بالخبرة البشرية وحدها، بل أصبحت أيضاً مرتبطة بكيفية تصميم النظام وقدرته على تنظيم الحجة بسرعة وكثافة.
بحسب الباحثين، كان من أبرز أسباب تفوق الذكاء الاصطناعي أنه يقدم كمية أكبر من المعلومات في وقت أقصر، وبإيقاع أسرع من البشر. وعندما جرى تقييد سرعة الردود لتقترب من الإيقاع البشري، تراجعت أفضلية النماذج بشكل كبير، ما يوحي بأن عامل السرعة والحجم المعلوماتي لعب دوراً أساسياً في النتيجة.
هل يمكن للبشر تقليص الفجوة؟
اختبرت الدراسة أيضاً ما إذا كان بإمكان البشر تحسين أدائهم بما يكفي لمعادلة النماذج المتقدمة. لذلك عاد بعض المناظرين البارزين إلى التجربة بعد تلقي تدريب خاص مستند إلى أساليب استخدمها الذكاء الاصطناعي نفسه في الجولات السابقة. جرى تحليل المحادثات السابقة، وفحص البنية التي اعتمدتها المطالبات الموجهة للنماذج، ثم خاض المشاركون جلسات تدريبية مكثفة.
النتيجة كانت أن التدريب ساعد البشر فعلاً على التحسن. أصبحت مداخلاتهم أطول، وأكثر تركيزاً على الحقائق القابلة للتحقق، وحققت أكبر انتقالات في المواقف بين المجموعات البشرية. لكن ذلك لم يكن كافياً لإغلاق الفجوة تماماً مع الذكاء الاصطناعي غير المقيّد.
أما عندما فُرضت على النموذج حدود تشبه حدود الإنسان في سرعة الكتابة وطول الرسائل، فقد اختفت الأفضلية تقريباً. هذا التوازن الجديد بين البشر والنماذج يضيف طبقة مهمة إلى النقاش: ربما لا تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في “الحجة الأفضل” فقط، بل في القدرة على إنتاج الحجة بسرعة وبكثافة وباتساق.
أكبر مناظرة على أرض الواقع: جمع التبرعات
في التجربة الثالثة، واجه الذكاء الاصطناعي محترفين يعملون يومياً في الإقناع الميداني وجمع التبرعات. هؤلاء المشاركون يمتلكون خبرة عملية واسعة، وبعضهم أجرى آلاف المحادثات طوال مسيرته المهنية. ورغم ذلك، ظل النموذج المتقدم أكثر قدرة على دفع الأشخاص إلى تغيير آرائهم مقارنة بالمحترفين البشر.
وفي دراسة التبرعات تحديداً، لم يكن الهدف تعديل الموقف تجاه قضية عامة فحسب، بل تحويل هذا التغيير إلى فعل مالي مباشر. وهنا برزت قوة الذكاء الاصطناعي في نقل المشارك من مستوى الاقتناع النظري إلى مستوى القرار العملي.
هذه النقطة مهمة لأن الإقناع في العالم الحقيقي لا يقاس فقط بمدى قبول الرسالة، بل بما إذا كان هذا القبول يؤدي إلى سلوك ملموس. ومن هذه الزاوية، تبدو نتائج الدراسة أكثر إثارة للانتباه من اختبارات المناظرات التقليدية.
ماذا تعني هذه النتائج لقطاع التقنية؟
تفتح الدراسة باباً واسعاً أمام أسئلة أخلاقية وتنظيمية. فإذا كانت النماذج الذكية قادرة على الإقناع بدرجة تفوق البشر الخبراء، فمن الذي سيملك هذه الأدوات؟ ومن سيستخدمها؟ وفي أي سياقات؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالتأثير على الرأي العام، أو حملات جمع التبرعات، أو النقاشات المرتبطة بسياسات عامة.
كما يحذر الباحثون من أن امتلاك أدوات إقناع فائقة قد يؤدي إلى تركّز النفوذ بيد الجهات الأكثر قدرة على الوصول إلى أحدث النماذج. وفي المقابل، قد تستفيد أطراف صغيرة أيضاً إذا حصلت على نفس القدرات. لذلك لا تبدو المسألة محسومة باتجاه واحد، بل تعتمد على توزيع الوصول والضوابط والقيود التنظيمية.
وتشير الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الإقناع قد يصبح جزءاً من البنية الجديدة للاتصال الرقمي، لا سيما مع انتشار المساعدات الذكية وتكاملها في الرسائل التجارية والاجتماعية والسياسية. ومع هذا التطور، سيصبح السؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن للنموذج أن يقنع؟ بل أيضاً: من يراقب طريقة استخدامه، ولأي غرض؟
خلاصة
تكشف النتائج أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة تتجاوز المساعدة في الكتابة والتحليل إلى التأثير المباشر في القرارات والسلوك. وفي الاختبارات التي جمعت بين المناظرات الواقعية وجمع التبرعات، تفوقت النماذج المتقدمة على البشر، بما في ذلك خبراء الإقناع والجمع الخيري. ومع أن البشر يمكنهم تحسين أدائهم بالتدريب، فإن الفجوة لا تزال واضحة ما لم تُفرض قيود على سرعة النموذج وحجم الرسائل.
هذه الدراسة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالضرورة أفضل في كل السياقات، لكنها تؤكد أن قدرته على الإقناع باتت حقيقة عملية تستحق الانتباه، سواء من الشركات المطوّرة أو من الجهات التنظيمية أو من المستخدمين أنفسهم.