11-Jul-2026 6 دقائق قراءة

إنسيلكو ميديسن تدفع دواءً مكتشفاً بالذكاء الاصطناعي إلى المرحلة الثالثة لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب

انتقل دواء rentosertib، الذي طورته Insilico Medicine عبر منصتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، بعد بيانات مبكرة أظهرت إشارات فعالية وسلامة مقبولة.

تواصل شركة Insilico Medicine ترسيخ موقعها بين أبرز الأسماء في مجال اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي، بعدما أعلنت تقدم دوائها rentosertib إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض تنكسي مزمن يسبب تندباً متزايداً في أنسجة الرئة ويؤدي إلى تراجع حاد في القدرة على التنفس.

يمثل هذا الانتقال محطة مهمة في قطاع التكنولوجيا الحيوية المعتمد على الذكاء الاصطناعي، لأن الدواء لم يخرج من مسار اكتشاف تقليدي قائم على الفحص العشوائي للمركبات، بل من منظومة حسابية متكاملة صممتها الشركة لتحديد الهدف البيولوجي المناسب ثم توليد الجزيء الدوائي المرشح بطريقة آلية ومدروسة. ومع دخول البرنامج إلى مرحلة سريرية متقدمة، يصبح السؤال الرئيسي أقل ارتباطاً بسرعة الاكتشاف وأكثر اتصالاً بقدرة النموذج على إثبات الفعالية لدى البشر.

التليف الرئوي مجهول السبب من الأمراض الصعبة سريرياً، إذ يؤدي إلى تراجع تدريجي في وظائف الرئة ويُقدَّر أن متوسط البقاء على قيد الحياة بعد التشخيص يتراوح عادة بين سنتين وأربع سنوات. لذلك فإن أي مقاربة جديدة تحمل أثراً علاجياً واضحاً تكتسب اهتماماً كبيراً لدى الأوساط الطبية والاستثمارية والتنظيمية على حد سواء.

منصة رقمية تقود عملية الاكتشاف

يعتمد برنامج التطوير في Insilico Medicine على منصة Pharma.AI، وهي سلسلة من الأدوات الحاسوبية المصممة لتغطية أكثر من مرحلة في دورة تطوير الدواء. في البداية، تولت أداة PandaOmics تحليل كميات ضخمة من البيانات البيولوجية، بما في ذلك بيانات الجينوم، والأدبيات العلمية، ومعلومات التجارب السابقة، وبراءات الاختراع، من أجل تحديد الهدف الجزيئي الأكثر وعداً للتدخل العلاجي.

من خلال هذا التحليل، حددت المنصة إنزيماً يُعرف باسم TNIK بوصفه هدفاً مركزياً مرتبطاً بالآليات التي تحرك التليف والالتهاب. وبدلاً من السير في المسارات التقليدية التي استهدفتها بعض العلاجات السابقة، اتجهت الشركة إلى نقطة بيولوجية مختلفة ترتبط بعدة شبكات إشارات داخل الخلايا، من بينها Wnt وTGF-β وHippo/YAP-TAZ وJNK وNF-κB. هذا الاختيار يعكس توجهاً متزايداً في اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي: الاستفادة من الارتباطات البيولوجية المعقدة بدل الاعتماد فقط على الفرضيات الدوائية القديمة.

وبحسب الشركة، ساعدت مقاربة “البيولوجيا أولاً” في ربط التقدم في العمر بالالتهاب المزمن وإعادة تشكيل النسيج الضام، وهي عوامل يُعتقد أنها تلعب دوراً في أمراض مثل التليف الرئوي. هذا الإطار البحثي مكّن الفريق من الانتقال من مجرد تحديد الهدف إلى بناء فرضية علاجية متماسكة تستند إلى بيانات متعددة الطبقات.

توليد الجزيء عبر التصميم الجزيئي التوليدي

بعد اختيار الهدف البيولوجي، تولت أداة Chemistry42 مهمة تصميم المركب الدوائي. وعلى خلاف أساليب الفحص عالية الإنتاجية التي تبحث داخل مكتبات موجودة مسبقاً عن مركبات محتملة، استخدمت المنصة أسلوباً توليدياً قائماً على التعلم التعزيزي لإنتاج جزيئات جديدة تتناسب مع الجيب البروتيني للهدف المحدد.

هذا النوع من التصميم لا يكتفي بمضاهاة الشكل الكيميائي، بل يحاول موازنة عدد من المعايير في الوقت نفسه، مثل قابلية الارتباط، والخصائص الدوائية، والاستقرار، والملاءمة للتطوير السريري. ووفقاً للبيانات المتاحة، جرى توليد 79 جزيئاً فعلياً في هذه المرحلة، قبل أن يتم اختيار مرشح واحد منها للتقدم في المسار ما قبل السريري. كما تشير الشركة إلى أن البرنامج انتقل من بدايته حتى ترشيح المركب ما قبل السريري خلال نحو 18 شهراً فقط، وهي مدة قصيرة مقارنة بالدورات الدوائية التقليدية.

ويستند هذا النهج إلى الأسس التي وضعتها الشركة في منهجية سابقة عُرفت باسم GENTRL، والتي ساهمت في ترسيخ فكرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لتوليد أفكار علاجية جديدة، وليس فقط لتسريع عمليات التحليل القائمة.

ماذا أظهرت البيانات السريرية المبكرة؟

الانتقال إلى المرحلة الثالثة لم يكن قراراً معزولاً، بل بُني على سلسلة من النتائج السابقة، شملت دراسات ما قبل سريرية، ثم بيانات السلامة والحرائك الدوائية في المرحلة الأولى، وبعدها إشارات سريرية في المرحلة الثانية. وفي التجربة العشوائية الأخيرة، شملت الدراسة 71 مريضاً موزعين على 22 مركزاً طبياً في الصين، مع مقارنات بين مجموعات تلقت العلاج وأخرى تلقت دواءً وهمياً.

جرى اختبار جرعتين يوميتين، 30 ملغ و60 ملغ، خلال فترة متابعة استمرت 12 أسبوعاً. وأظهرت المجموعة التي تلقت جرعة 60 ملغ مرة يومياً تحسناً متوسطاً في السعة الحيوية القسرية بنحو 98.4 ملليلتراً، بينما سجّلت مجموعة الدواء الوهمي انخفاضاً متوسطاً قدره 20.3 ملليلتراً. ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل نهاية المطاف، فإنها تشير إلى اتجاه سريري مشجع في مرض شديد التعقيد.

أما من ناحية الأمان، فقد وصفت الشركة الملف التحملّي بأنه قابل للإدارة، مع آثار جانبية قريبة مما هو متوقع في هذه الفئة من المرضى. كما كانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد منحت العقار صفة الدواء اليتيم في فبراير 2023، وهي خطوة تعكس الطبيعة النادرة للمرض وتمنح المطورين بعض الحوافز التنظيمية خلال مسار التطوير.

اختبار حقيقي لقدرة الذكاء الاصطناعي في الطب

يُنظر إلى rentosertib داخل الصناعة بوصفه أكثر من مجرد مرشح دوائي جديد؛ فهو بمثابة اختبار عملي لمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تجاوز مرحلة الوعود والدخول إلى عالم النتائج السريرية الملموسة. ففي السنوات الأخيرة، تزايدت التطبيقات الحسابية في علوم الحياة، لكن كثيراً منها توقف عند مستوى تحسين الاستكشاف أو دعم التحليل، من دون أن يصل إلى أدوية تُثبت نجاحها في الإنسان.

ما يميز هذا البرنامج أنه يوثّق سلسلة التطوير كاملة تقريباً: من تحديد الهدف البيولوجي، إلى التصميم الجزيئي، إلى التحقق قبل السريري، ثم الدراسات على البشر، وصولاً إلى المرحلة الثالثة. هذا التسلسل يجعل التجربة ذات قيمة خاصة، لأنه يسمح بتقييم موثوق لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي في بيئة دوائية واقعية، وليس فقط داخل النماذج المختبرية.

كما أن استخدام الشركة لمؤشرات بروتينية وأدوات تحليل عمر بيولوجي في بعض التقييمات الاستكشافية يوضح أن الذكاء الاصطناعي هنا لا يُستخدم كواجهة تصميم فقط، بل كإطار بحثي أوسع يربط بين البيولوجيا الشيخوخية، والالتهاب، وإعادة تشكيل الأنسجة. وهذه مقاربة قد تفتح الباب أمام برامج علاجية أخرى تستهدف أمراضاً مزمنة ترتبط بالعمر.

ما الذي تعنيه المرحلة الثالثة لقطاع اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي؟

عادةً ما تُعد المرحلة الثالثة نقطة الحسم في تطوير الأدوية، لأنها تختبر الفعالية على نطاق أوسع وبمعايير أكثر صرامة. وإذا أكدت النتائج القادمة ما أشارت إليه المراحل السابقة، فسيكون ذلك واحداً من أقوى الأمثلة حتى الآن على قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج جزيئات لا تقتصر على الفرضية النظرية، بل تنجح في الوصول إلى المستوى السريري المتقدم.

لكن أهمية المرحلة الثالثة لا تعني أن الطريق أصبح سهلاً. فالكثير من الأدوية الواعدة تتراجع عند التوسع في عدد المرضى أو طول فترة المتابعة. لذلك ستراقب صناعة الأدوية النتائج النهائية بعناية، ليس فقط لمعرفة مصير rentosertib، بل أيضاً لقياس ما إذا كانت المنصات التوليدية قادرة فعلاً على تقليص المخاطر وتحسين احتمالات النجاح في اكتشاف أدوية جديدة.

وفي حال أثبت الدواء قدرته على الحفاظ على إشارات التحسن الوظيفي مع ملف أمان مناسب، فقد يرسخ ذلك نموذجاً جديداً لتطوير العلاجات عبر الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح الخوارزمي شريكاً مباشراً في إنتاج الأدوية، لا مجرد أداة مساعدة على الهامش.

في الوقت الحالي، يظل rentosertib واحداً من أكثر البرامج متابعة في تقاطع الذكاء الاصطناعي والطب الدقيق، لأنه يجسد انتقال الفكرة من المختبر الرقمي إلى السرير، ومن النمذجة إلى الاختبار البشري.