أعلنت أنثروبيك توسيع نطاق وكيلها الذكي Claude Cowork ليصبح متاحاً عبر الويب والهاتف المحمول، في خطوة تعكس انتقال أدوات الذكاء الاصطناعي الموجهة للأعمال من بيئة سطح المكتب إلى استخدام أكثر مرونة داخل المؤسسات. وتهدف هذه الإضافة إلى تمكين الموظفين من متابعة المهام طويلة الأمد وإدارتها حتى أثناء الابتعاد عن أجهزتهم المكتبية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه أهمية الوكلاء المعتمدين على الذكاء الاصطناعي في الأعمال التشغيلية والمعرفية، خصوصاً مع سعي الشركات إلى تقليل الوقت المستهلك في الأعمال الروتينية ورفع مستوى الاستجابة للعمليات اليومية التي تتطلب إشرافاً متقطعاً لا حضوراً دائماً.
البيانات تقود قرار التوسع
قالت الشركة إن قرار توسيع Claude Cowork استند إلى تحليل 1.2 مليون جلسة مجهولة الهوية ومجمعة خلال الفترة بين 11 و31 مايو. وأظهرت النتائج أن عمليات الأعمال والمهام التشغيلية شكلت أكبر حصة من الاستخدام بنسبة 33.4%، ما يشير إلى أن الأداة أصبحت تُستخدم بصورة واسعة خارج نطاق التطوير البرمجي التقليدي.
وجاءت كتابة المحتوى وصياغة النصوص في المرتبة الثانية بنسبة 16.4%، بينما سجل تطوير البرمجيات 8.7% فقط من الجلسات. كما شملت الاستخدامات الأخرى مجالات مثل عمليات DevOps والبنية التحتية بنسبة 7%، والبحث والتحليلات بنسبة 6.4%، وتحليل البيانات ومعلومات الأعمال بنسبة 5.8%.
هذه الأرقام توضح أن قيمة الوكلاء الذكيين لا تتركز فقط في المهام التقنية، بل تمتد إلى الوظائف اليومية التي تعتمد عليها فرق الأعمال والعمليات داخل الشركات. كما تعكس اتجاهاً أوسع في السوق نحو استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة متابعة وتنفيذ، وليس مجرد مساعد لكتابة النصوص أو المساعدة في البرمجة.
إدارة المهام من أي مكان
النسخة الجديدة من Claude Cowork ما زالت في مرحلة تجريبية، لكنها تتيح للمستخدمين بدء الجلسات وإدارتها مباشرة من واجهة Claude على الويب أو عبر الهاتف. وتستمر الأداة في تنفيذ المهام داخل السحابة، ما يسمح لها بإكمال الأعمال الطويلة دون الحاجة إلى إبقاء الجهاز المكتبي مفتوحاً طوال الوقت.
هذا النموذج يمنح المستخدمين القدرة على التحقق من تقدم العمل، والرد على طلبات الموافقة، ومتابعة الحوار مع الوكيل عبر أجهزة مختلفة. وبذلك ينتقل الاستخدام من نمط مرتبط بمكان واحد إلى تجربة أكثر استمرارية، تشبه إلى حد كبير إدارة مشروع رقمي يمكن استئنافه في أي لحظة.
بالنسبة لفرق المؤسسات، قد يكون لهذا التغيير أثر مباشر على الإنتاجية، لأن الموظفين لم يعودوا بحاجة إلى الانتظار أمام الشاشة لمراقبة مخرجات الوكيل. كما يمكن أن يساعد هذا الأسلوب في تقليل التأخيرات التشغيلية الناتجة عن انقطاع المتابعة أو تأخر المراجعة البشرية في المهام الحساسة.
أثر مباشر على فرق الأعمال وتقنية المعلومات
يرى محللون أن توسع Claude Cowork قد يفيد المؤسسات التي تعتمد على فرق صغيرة لإدارة حجم كبير من الأعمال الإدارية والتحليلية. فبدلاً من أن يشغل الموظفون وقتهم في تنفيذ المهام المتكررة، يمكن أن يتحول دورهم إلى الإشراف على النتائج، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، وتطبيق الحكم البشري حيث يلزم.
هذا التحول قد ينعكس أيضاً على طريقة توزيع الموارد داخل إدارات تقنية المعلومات. فحين تتولى الوكلاء الذكية إعداد التقارير، ومعالجة المستندات، أو تسوية البيانات، تصبح الحاجة أكبر إلى مراجعة الجودة والرقابة على النتائج بدلاً من التنفيذ اليدوي المباشر. وبهذا يمكن إعادة توجيه الكفاءات نحو أعمال أعلى قيمة وأكثر ارتباطاً بالتحليل واتخاذ القرار.
أما في التطوير البرمجي، فالتوسع الجديد قد يسهم في جعل دورات التطوير أكثر استمرارية، لأن المهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي لن تبقى مقيدة ببيئة التطوير المحلية على سطح المكتب. وهذا يمنح الفرق التقنية مرونة أكبر في متابعة المهام، خاصة تلك التي تمتد عبر ساعات أو تتطلب توقفاً مؤقتاً بانتظار بيانات أو موافقات.
تحذيرات من تحديات الحوكمة والأمن
رغم الفوائد التشغيلية المحتملة، حذر محللون من أن انتشار الوكلاء الخلفيين الدائمين يفرض تحديات جديدة في الحوكمة والأمن. فهذه الأدوات تحتاج إلى الوصول المستمر إلى أنظمة المؤسسة وبياناتها، ما يوسع سطح الهجوم ويزيد أهمية ضبط الصلاحيات ومراقبة السلوك.
ومن بين الإجراءات التي يوصي بها المختصون: اعتماد هوية صارمة للوكلاء، وتطبيق مبدأ أقل الصلاحيات، وتوثيق كل الإجراءات في سجلات تدقيق، ووضع آليات موافقة واضحة للخطوات الحساسة، إضافة إلى المراقبة المستمرة لضمان الامتثال والمساءلة.
ويشير هذا الجانب إلى أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي المؤسسي لا يكتمل بمجرد إطلاق المنتج، بل يحتاج أيضاً إلى إطار تشغيلي منضبط داخل الشركات نفسها. فكلما اتسع دور الوكيل في الوصول إلى البريد والملفات والتقويمات والأنظمة الداخلية، ازدادت الحاجة إلى تحديد ما يمكنه رؤيته وما يمكنه تنفيذه بدقة.
وتكتسب مسألة الإشراف البشري أهمية خاصة عند التعامل مع القرارات المؤثرة أو الإجراءات التي قد تترتب عليها تبعات مالية أو تشغيلية. لذلك تظل فلسفة “الإنسان في الحلقة” عنصراً محورياً في تصميم مثل هذه الأدوات، حتى عندما تصبح أكثر استقلالية في تنفيذ العمل.
مرحلة جديدة في اعتماد الوكلاء الذكيين
إتاحة Claude Cowork على الويب والهاتف تعكس اتجاهاً متزايداً في سوق الذكاء الاصطناعي نحو أدوات تعمل بشكل مستمر وترافق المستخدم عبر الأجهزة المختلفة. فالمنافسة لم تعد تقتصر على جودة النموذج اللغوي، بل تشمل أيضاً سهولة الوصول، وقدرة الأداة على الاستمرار في الخلفية، ومقدار الثقة الذي يمكن للمؤسسات أن تمنحه لها.
ويبدو أن أنثروبيك تراهن على أن المرونة في الاستخدام ستدفع المزيد من الشركات إلى تبني الوكلاء الذكيين في الأعمال اليومية، لا سيما في الوظائف التي تتطلب مراقبة متقطعة واتخاذ قرارات محدودة ضمن حدود واضحة. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الفئة من الأدوات مرتبطاً بمدى قدرتها على الجمع بين الإنتاجية العالية والضوابط الأمنية الصارمة.
ومع اتساع الاعتماد المؤسسي على الذكاء الاصطناعي، قد تصبح مثل هذه التحديثات جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لطريقة العمل داخل الشركات، حيث يتحول الوكيل الذكي من أداة مساعدة إلى طبقة تشغيلية حقيقية تتعامل مع أجزاء من سير العمل اليومي.