14-Jul-2026 5 دقائق قراءة

ديفيد لاريو: بيانات الرعاية الصحية ما زالت مجزأة وتعرقل الذكاء الاصطناعي السريري

يرى ديفيد لاريو، الرئيس التنفيذي لشركة Medicomp Systems، أن المشكلة الأساسية في الرعاية الصحية ليست نقص البيانات بل تشتتها بين أنظمة وترميزات منفصلة، وهو ما يحد من قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم سياق سريري موثوق.

يؤكد ديفيد لاريو، الرئيس التنفيذي لشركة Medicomp Systems، أن التحدي الأكبر أمام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يتمثل في نقص الأدوات الحسابية، بل في البنية الأساسية للبيانات الطبية نفسها. فبعد عقود من الاستثمار في الأنظمة الرقمية، ما زالت المعلومات السريرية موزعة بين جزر منفصلة، لكل منها منطقها الخاص في التخزين والترميز والعرض.

ومن هذا المنطلق، تصبح أي محاولات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الطب محدودة إذا كانت تغذى ببيانات مبعثرة أو غير مرتبطة بسياق المريض الكامل. فالنماذج قد تكون قوية تقنياً، لكنها لا تستطيع تجاوز قيود سجل صحي يفتقر إلى التنظيم السريري المتكامل.

المشكلة الأساسية: بيانات طبية مصممة للفوترة لا للرعاية

يرى لاريو أن معايير الترميز الطبية الشائعة جرى تطويرها لأغراض مختلفة، مثل التشخيص أو الإجراءات أو التحاليل أو الأدوية، لا لتنظيم القصة السريرية الكاملة للمريض. فهناك منظومات مخصصة للتشخيص، وأخرى للتحاليل، وثالثة للأدوية، وكل منها يؤدي وظيفة محددة، لكنها لا تتكامل تلقائياً في صورة واحدة تساعد الطبيب على فهم الحالة.

ويشير هذا التصور إلى خلل بنيوي أوسع: الأنظمة الصحية الرقمية عادة ما تُستخدم لإنجاز معاملات تشغيلية أو مالية، أكثر من استخدامها لتكوين رؤية طبية موحدة. والنتيجة أن بيانات مريض واحد قد تكون موزعة على عدة شاشات وحقول، دون مسار سريع يربط بينها باعتبارها أجزاء من حالة مرضية واحدة.

ويعتقد لاريو أن هذا التشتت ليس مجرد إزعاج للمستخدم، بل عقبة حقيقية أمام أي نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على الدقة والسياق. فكلما ابتعدت البيانات عن بنيتها السريرية، تراجعت قدرة الخوارزميات على تقديم استنتاجات موثوقة.

من بحيرة بيانات إلى مستنقع بيانات

خلال السنوات الماضية، سارعت كثير من المؤسسات الصحية إلى إنشاء مستودعات مركزية للبيانات أملاً في توحيد المعلومات وتحسين التحليلات. لكن لاريو يلفت إلى أن تجميع البيانات في مكان واحد لا يحل المشكلة إذا بقيت مرتبة بالطريقة القديمة نفسها، أي وفق الأقسام والمعاملات والأنظمة المصدرية.

فالخلل لا يكمن في حجم البيانات، بل في كيفية تنظيمها. وعندما تُخزن الملاحظات السريرية والطلبات المخبرية والوصفات والنتائج على أنها عناصر مستقلة، يصبح من الصعب استخراج رؤية مترابطة عن المريض. عندها تتحول “بحيرة البيانات” إلى ما يشبه “مستنقعاً”، لأن التخزين المركزي وحده لا ينتج فهماً طبياً.

ومن وجهة نظره، يجب أن يبدأ التصميم من المريض لا من النظام الإداري. فكل حالة مرضية تحتاج إلى بنية تسمح بتجميع المعلومات ذات الصلة في سياق واحد يمكن للطبيب أو الذكاء الاصطناعي استيعابه بسرعة.

اللغة السريرية غير المنظمة تتغير مع الذكاء الاصطناعي التوليدي

تاريخياً، واجه القطاع الصحي صعوبة في تحويل الملاحظات النصية إلى بيانات منظمة على نطاق واسع. فقد كانت الأساليب التقليدية، مثل القوائم الطويلة والنماذج المعقدة، مرهقة للأطباء ولا تعكس طريقة تفكيرهم أثناء العمل.

لكن لاريو يرى أن المشهد بدأ يتغير مع صعود النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات الإملاء المحيطية. فهذه التقنيات قادرة على تحويل الحوار السريري إلى نص أكثر نظافة، ثم تلخيصه بطريقة تسهّل على أدوات المعالجة اللغوية استخراج المفاهيم الطبية وبنائها في صورة بيانات قابلة للاستخدام.

إلا أن نجاح هذه السلسلة التقنية يعتمد، كما يقول، على وجود “هدف بيانات” مناسب في الخلفية. بمعنى آخر، لا تكفي الأدوات الذكية وحدها إذا كانت البنية التي تستقبل النتائج غير مصممة لاحتضان المفاهيم السريرية بشكل منظم.

الفرق بين جودة البيانات وتجزئتها

يفرق لاريو بين مشكلتين كثيراً ما تُخلطان معاً في النقاشات التقنية: جودة البيانات وتجزئتها. فالأولى تتعلق بصحة المعلومة نفسها، بينما الثانية تتعلق بمكان المعلومة وكيفية ارتباطها بباقي العناصر.

قد تكون البيانات صحيحة من حيث المبدأ، لكن إذا كانت موزعة عبر رموز وأقسام وأنظمة لا تتحدث اللغة نفسها، فإن قيمتها التشغيلية تتراجع. وهذا يفسر، في رأيه، لماذا قد يفشل الذكاء الاصطناعي في تقديم دعم إكلينيكي مفيد رغم أن كل عنصر منفرد في السجل يبدو سليماً.

المريض، من منظور سريري، لا يعاني من “أجزاء” منفصلة، بل من حالة مترابطة تحتاج إلى فهم متكامل. لذلك فإن أي نظام يكتفي بعرض البنود على شكل قوائم دون ربطها بخريطة سريرية متناسقة، سيظل قاصراً عن تلبية احتياجات الطبيب.

المخاطر العملية للذكاء الاصطناعي على بيانات غير مترابطة

يحذر لاريو من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، خاصة تلك المستخدمة في التوثيق أو المساعدات السريرية، قد تضخم الأخطاء إذا بنيت على بيانات مجزأة أو غير مفهومة في سياقها الصحيح. وعندما يحدث هذا، تنتقل المشكلة من مرحلة التفسير إلى مرحلة التدوين الدائم في الملف الطبي.

ويشرح أن الخطر لا يقتصر على الأخطاء اللغوية أو “الهلوسة” المعروفة في النماذج التوليدية، بل يمتد إلى سوء التصنيف وخلط الأحداث الطبية. فمعلومة أُخذت من سياقها قد تتحول إلى تشخيص أو تاريخ مرضي أو عامل خطر غير صحيح، ثم تنتقل بين الأنظمة عبر بروتوكولات التشغيل البيني وكأنها حقيقة مؤكدة.

وهنا تكمن الإشكالية التقنية: نقل البيانات ليس مرادفاً لتحسينها. فالمعايير مثل FHIR تسهّل التبادل، لكنها لا تعالج وحدها خطأ المحتوى أو غياب السياق أو ازدواجية المعلومات.

لماذا لا تكفي معايير التشغيل البيني وحدها

يشرح لاريو أن كثيراً من المؤسسات تعتقد أن الالتزام بالمعايير كافٍ لتحقيق التوافق بين الأنظمة، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فحين تُبنى واجهات الاستخدام بطريقة تدفع المستخدم إلى اختيار أول بند مناسب للفوترة، تصبح الدقة السريرية أقل أولوية من سرعة إنجاز المعاملة.

هذا النمط يؤدي، على المدى الطويل، إلى ترميز أقل تحديداً وأكثر عمومية. وقد يبدو ذلك مقبولاً في المعاملات المالية، لكنه يضعف الفائدة السريرية للمعلومة ويجعلها أقل قيمة في التحليل اللاحق أو في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بالمعايير، بل أيضاً بتصميم الواجهة وسير العمل والاختيارات التي يواجهها الطبيب أو الطاقم الطبي أثناء التوثيق.

المعرفة السريرية المترابطة كطبقة أساسية للذكاء الاصطناعي

يعد لاريو أن بناء “رسم معرفي سريري” أو طبقة معرفة مترابطة هو ما يسمح للذكاء الاصطناعي بأن يكون ذا معنى داخل بيئة الرعاية. فبدلاً من عرض قائمة طويلة من الرموز المتفرقة، يمكن للنظام أن يقدّم ما يتعلق بحالة محددة في لحظة الحاجة.

هذه الفكرة تكتسب أهمية مضاعفة في المستشفيات التي يعتمد فيها الأطباء على مراجعة معلومات متكررة عبر نماذج متعددة، ما يستهلك وقتاً كبيراً دون أن يضيف قيمة حقيقية. أما عندما تُنظم البيانات حول المفهوم السريري الصحيح، فإن البحث يصبح أسرع والقرارات أكثر اتساقاً.

ويشدد لاريو على أن الذكاء الاصطناعي لا يصبح موثوقاً إلا عندما يعمل فوق بيانات نظيفة ومترابطة وقابلة للفهم ضمن سياقها الطبي.

الخطوات المقبلة: من جمع البيانات إلى تنشيطها سريرياً

في رؤيته للسنوات المقبلة، يتوقع لاريو أن تتجه الأنظمة الصحية إلى نماذج أكثر “تنشيطاً” للبيانات، حيث تعمل وكلاء ذكيون على جمع المعلومات من الشبكات الصحية والمطالبات والتبادلات المؤسسية، ثم تنظيفها وإزالة التكرار ومراجعتها مع المريض قبل اعتمادها.

بعد ذلك، يمكن لوكلاء آخرين أن يدعموا الزيارة السريرية نفسها عبر إبراز السياق المتعلق بالحالة الحالية، وتلخيص المحادثة، وتنسيق المهام اللاحقة مثل الوصفات والموافقات والتوثيق والمطالبات. لكن نجاح هذا السيناريو يبقى مشروطاً بوجود أساس بيانات موثوق منذ البداية.

وبهذا المعنى، لا يرى لاريو الذكاء الاصطناعي بديلاً للطبيب، بل طبقة تشغيلية تساعده على الوصول إلى المعلومة الصحيحة في الوقت الصحيح. غير أن هذه الرؤية، كما يوضح، لن تتحقق ما لم يُعالج القطاع الصحي جذرياً مشكلة التشتت البنيوي في البيانات السريرية.

الخلاصة التي يطرحها هذا الطرح التقني واضحة: مستقبل الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لن يصنعه النموذج الأقوى فقط، بل البنية التي تمنحه بيانات مفهومة، مترابطة، وقابلة للاستخدام السريري الفوري.