تتسابق شركات الحوسبة السحابية الكبرى إلى تقديم نموذج جديد لدعم تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات: إرسال مهندسين متخصصين للعمل جنباً إلى جنب مع فرق العملاء داخل بيئاتهم التشغيلية. الفكرة تبدو جذابة من الوهلة الأولى، خاصة للشركات التي تواجه صعوبة في تحويل مشاريع الذكاء الاصطناعي من التجارب المحدودة إلى أنظمة إنتاجية. لكن هذا النموذج، المعروف بالمهندس الميداني أو المهندس المدمج، يثير أسئلة مهمة حول الحياد التقني، والاعتماد على المورد، وكلفة الخروج في المستقبل.
اللافت في هذا التوجه أنه لم يعد مجرد خدمة استشارية تقليدية، بل أصبح استثماراً ضخماً من مزودات السحابة نفسها. فالمشغّلون الكبار ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ساحة المنافسة الأساسية المقبلة، ولذلك يقدّمون موارد بشرية وخبرات هندسية مباشرة لمساعدة العملاء على التبني السريع. المشكلة أن هذا الإسراع قد يُنتج قرارات معماريّة تتوافق مع منصة واحدة أكثر مما تتوافق مع احتياجات المؤسسة نفسها.
نموذج يبدو تعاونياً لكنه يحمل مصالح متداخلة
المؤسسات التي تعاني من تعقيدات البنية التحتية ترى في هذا النوع من الدعم حلاً عملياً: مهندسون ذوو خبرة، معرفة عميقة بالمنصة، وتسريع واضح في التنفيذ. غير أن هؤلاء المهندسين ليسوا مستقلين، بل يعملون لصالح مزود السحابة نفسه، ما يعني أن توصياتهم غالباً ما تدفع نحو أدوات وخدمات ضمن البيئة ذاتها.
هنا تكمن الإشكالية الأساسية. فالمسألة لا تتعلق بكفاءة الأفراد أو بمدى صدق نواياهم، بل بالبنية الحافزة التي تحكم عملهم. نجاحهم المهني مرتبط بمدى توسع استخدام العميل لخدمات مزودهم، وبقدر ما تصبح المنصة أكثر حضوراً في قرارات المؤسسة، تزداد قيمة العلاقة التجارية بين الطرفين.
لهذا السبب، قد يحصل العميل على مساعدة عالية الجودة في المدى القصير، لكنه يكتشف لاحقاً أن مسار التنفيذ صُمم بطريقة تجعل أي بديل آخر أقل جاذبية أو أكثر تعقيداً.
من تسريع التنفيذ إلى ترسيخ القفل التقني
المعروف في بيئات الشركات أن أسرع طريق إلى الإنتاج ليس دائماً أفضل طريق على المدى الطويل. عندما تُبنى أنظمة الذكاء الاصطناعي فوق خدمات أصلية خاصة بمنصة واحدة، فإن المؤسسة قد تستفيد من التكامل السلس والأداء المستقر، لكنها في المقابل تدخل تدريجياً في دائرة من الاعتماد يصعب كسرها.
هذا الاعتماد لا يظهر فوراً. في البداية، يبدو كل شيء منطقياً: قواعد بيانات مُدارة، أدوات استدلال جاهزة، بنية مراقبة مدمجة، وخدمات حوسبة مصممة لتخفيف عبء الفرق الداخلية. ومع مرور الوقت، تصبح التطبيقات والعمليات والبيانات مرتبطة ببنية تقنية يصعب نقلها إلى مكان آخر دون تكلفة عالية أو إعادة هندسة واسعة.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل هذه المنصة هي الأفضل؟ بل يصبح: هل نملك فعلاً القدرة على المغادرة؟ وهذا التحول في السؤال هو ما يجعل القفل التقني من أخطر نتائج هذه البرامج.
فاتورة السحابة قد ترتفع بعد فترة من الهدوء
المرحلة الأولى من هذه المبادرات غالباً ما تكون منخفضة الكلفة أو حتى مدعومة بالكامل، ما يعطي انطباعاً بأن المؤسسة حصلت على قيمة كبيرة دون مقابل مباشر. لكن الفاتورة الحقيقية لا تظهر في البداية، بل بعد أن تصبح الأنظمة الإنتاجية متشابكة مع خدمات خاصة لا يمكن استبدالها بسهولة.
عندها تبدأ المؤسسة بدفع أسعار أعلى مقابل التخزين والمعالجة والخدمات المُدارة والتشغيل المرتبط بالذكاء الاصطناعي. وكلما زادت التبعية، ضعفت القدرة على التفاوض. وإذا قررت الشركة لاحقاً مقارنة البدائل أو إعادة توزيع الأحمال على أكثر من مزود، تجد أن التكلفة التقنية والمالية للانتقال قد تكون أعلى من الاستمرار في الوضع القائم.
هذا النمط معروف في قطاع التقنية منذ سنوات، لكنه يتسارع الآن لأن مشاريع الذكاء الاصطناعي بطبيعتها تعتمد على طبقات متعددة من الخدمات المتخصصة، ما يزيد صعوبة تصميمها بطريقة محايدة أو قابلة للنقل منذ البداية.
لماذا لا يُطرح خيار تعدد السحابة بما يكفي
في كثير من الحالات، لا يُعرض على المؤسسة تقييم جاد لخيارات متعددة السحابات أو النماذج المعيارية القائمة على أدوات مفتوحة المصدر عندما تكون مناسبة. المهندس المدمج يعمل عادة ضمن حدود المنصة التي يمثلها، لذلك تميل التوصيات إلى أفضل ما يمكن إنجازه داخل تلك البيئة، لا إلى أفضل خيار للمؤسسة عبر السوق بأكمله.
هذا لا يعني أن الحلول المتعددة السحابات مناسبة دائماً، ولا أن البرمجيات مفتوحة المصدر أفضل في كل سيناريو. لكنه يعني أن غياب المقارنة المبكرة قد يجعل القرارات النهائية منحازة من حيث لا تشعر المؤسسة. والمشكلة هنا ليست فقط في اختيار مزود السحابة، بل في الطريقة التي يُبنى بها القرار من الأساس.
كلما تأخر اختبار البدائل، زادت كلفة إعادة التقييم لاحقاً. لذلك فإن ما يبدو قراراً تقنياً سريعاً اليوم قد يتحول إلى عبء مالي وتشغيلي غداً.
ثلاثة ضوابط تقلل المخاطر
رغم هذه التحفظات، لا يعني ذلك أن المؤسسات يجب أن ترفض هذا النموذج بالكامل. فوجود خبرات هندسية متقدمة قرب فرق العمل يمكن أن يكون ذا قيمة كبيرة، خاصة عند البدء بمشاريع معقدة أو عند الانتقال من التجريب إلى التشغيل الفعلي. لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب ضوابط واضحة.
أولاً، ينبغي أن تمتلك المؤسسة مراجعة معمارية مستقلة منذ اليوم الأول. أي قرار يتعلق بالبنية أو اختيار الخدمات يجب أن يخضع لتقييم فريق داخلي أو مستشارين يعملون لصالح الشركة، لا لصالح مزود السحابة.
ثانياً، يجب طلب خطة خروج واضحة قبل البدء. من المهم معرفة الخدمات الخاصة التي ستُستخدم، وما البدائل المتاحة لها، وما الجهد المطلوب للانتقال إذا تغيرت أولويات الشركة مستقبلاً.
ثالثاً، ينبغي قياس الكلفة بصورة مستمرة، لا عند تجديد العقد فقط. المقارنة المبكرة مع معايير السوق ومع سيناريوهات بديلة تساعد على كشف التضخم في الإنفاق قبل أن يصبح الخروج منه مكلفاً للغاية.
الخلاصة: الفائدة الحقيقية تحتاج شفافية أكبر
برامج المهندس الميداني ليست خدعة تقنية بحد ذاتها، ولا هي بالضرورة خطأ في التصميم التجاري. لكنها أيضاً ليست خدمة محايدة بالكامل. هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز حضور مزود السحابة داخل المؤسسة من خلال حل مشكلات فعلية في الذكاء الاصطناعي والتكامل والبنية التحتية.
لهذا تحتاج الشركات إلى التعامل معها بعقلية مزدوجة: الاستفادة من الدعم السريع، مع الحفاظ على استقلالية القرار المعماري والمالي. فكل اختصار في وقت التنفيذ قد يكون مقبولاً، لكن فقط إذا لم يتحول إلى التزام طويل الأمد يصعب فكه لاحقاً.
في مشاريع الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، لا تكمن القيمة في الوصول السريع إلى الإنتاج فقط، بل في بناء بنية يمكن تطويرها أو نقلها أو إعادة توزيعها عندما تتغير احتياجات العمل. وهذه هي النقطة التي يجب أن تظل حاضرة قبل قبول أي دعم يبدو مجانياً أكثر من اللازم.