تتقدم XPANCEO وJBD في واحد من أكثر مسارات الواقع المعزز طموحاً وتعقيداً: شاشة دقيقة يمكن دمجها داخل عدسة لاصقة ذكية. وأعلنت الشركتان انتقال تعاونهما إلى مرحلة جديدة تتركز على تطوير micro-display مخصص بالكامل ليتناسب مع منصة العدسات التي تعمل عليها XPANCEO.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في تصغير الشاشة، بل في إعادة تصميمها لتعمل داخل بيئة غير مألوفة تماماً للأجهزة القابلة للارتداء. فالشاشة هنا لا تُثبت في إطار نظارة أو هيكل سماعة، بل في عدسة رقيقة ومرنة تلامس العين مباشرة، ما يفرض قيوداً صارمة على السماكة والطاقة والحرارة والجودة البصرية.
تحديات هندسية تفصل العدسة الذكية عن نظارات الواقع المعزز
العدسات اللاصقة الذكية تختلف جذرياً عن نظارات الواقع المعزز التقليدية. فالأخيرة تملك مساحة تسمح بإخفاء البطاريات والمعالجات ووحدات العرض داخل الإطار، بينما لا تملك العدسة أي هامش مشابه. لذلك يجب أن تكون المكونات شديدة الصغر، وأن تعمل ضمن حدود طاقة ضيقة للغاية، مع الحفاظ على راحة المستخدم وسلامة العين.
كما أن التحدي البصري معقد بدوره. فالعين البشرية لا تتعامل بسهولة مع صورة تُعرض على بعد شبه صفري من القرنية، ولذلك طورت XPANCEO بالتعاون مع JBD منظومة بصرية قادرة على تشكيل صورة يمكن للعين التركيز عليها بصورة مريحة. هذه النقطة أساسية لأن نجاح العدسة لا يعتمد على وجود شاشة صغيرة فقط، بل على أن تكون الصورة قابلة للإدراك بطريقة طبيعية.
وتشير المواصفات المستهدفة إلى أن عناصر العرض يجب أن تظل بسماكة تقارب سماكة الشعرة البشرية، مع قطر نهائي لا يتجاوز جزءاً صغيراً من المليمتر. هذا الحجم يغير قواعد التصميم بالكامل، ويجعل كل عنصر في النظام، من البكسلات إلى مسار الطاقة، جزءاً من معادلة معقدة.
JBD تنقل خبرتها في MicroLED إلى فئة أكثر صرامة
تأتي JBD إلى هذا المشروع بخبرة تراكمت في مجال MicroLED، وهي تقنية معروفة بكفاءتها العالية وسطوعها الجيد وحجمها الصغير، ما يجعلها مناسبة للأجهزة القريبة من العين. وتعمل الشركة في مجالات تصنيع المواد، وإنتاج الميكروشاشات، والتغليف والاختبار، إلى جانب تطوير أنظمة القيادة البرمجية والعتادية.
ورغم أن منتجات JBD الحالية تستهدف بالدرجة الأولى النظارات الذكية وأنظمة AR الخفيفة، فإن العدسة اللاصقة الذكية تفرض شروطاً أشد صرامة بكثير. لذلك لا يتحدث التعاون الحالي عن تكييف منتج جاهز، بل عن تطوير بنية شاشة جديدة مصممة منذ البداية لتناسب سطحاً منحنياً وناعماً وفائق الرقة يوضع مباشرة على العين.
هذا النوع من الشراكات يعكس تحولاً مهماً في سوق الأجهزة القابلة للارتداء: الانتقال من تحسين المنتجات الحالية إلى هندسة فئة جديدة بالكامل، حيث تصبح قابلية التصنيع بنفس أهمية الأداء التقني.
خفض السطوع قد يكون نقطة القوة الأهم
أحد أكبر تحديات نظارات الواقع المعزز يتمثل في السطوع. فجزء كبير من الضوء يضيع أثناء مروره عبر العدسات والمرشحات البصرية قبل أن يصل إلى عين المستخدم، خصوصاً في الاستخدام الخارجي. أما العدسة الذكية فتتعامل مع المسألة بطريقة مختلفة، إذ يمكنها توجيه الصورة مباشرة نحو الشبكية، ما قد يسمح بالحصول على رؤية واضحة عند سطوع أقل بكثير.
وهذا الانخفاض في السطوع لا يعني فقط راحة أكبر، بل ينعكس مباشرة على استهلاك الطاقة. في جهاز صغير إلى هذا الحد، كل ميزة في الكفاءة تمنح فرصة إضافية لبقاء النظام عملياً. ولذلك تعمل XPANCEO وJBD أيضاً على تطوير backplane متخصص يدعم التشغيل بتيارات منخفضة جداً، بدلاً من التصاميم المعتادة التي تستهدف شاشات أقوى وأكثر استهلاكاً للطاقة.
في الأجهزة التقليدية، قد يكون من المقبول دفع المزيد من الطاقة مقابل سطوع أعلى. أما في العدسة الذكية، فهذه المقايضة تصبح غير ممكنة تقريباً. أي هدر في الطاقة يعني ضغطاً أكبر على البطارية والتبريد والسلامة الحيوية، وهي ملفات لا تقبل كثيراً من التنازل.
الطاقة تبقى العقبة التجارية الكبرى
رغم أهمية الشاشة، فإن الطاقة ما تزال التحدي الأصعب أمام وصول العدسات اللاصقة الذكية إلى السوق. ولهذا تعمل XPANCEO أيضاً على جانب تخزين الطاقة عبر شراكة منفصلة مع ITEN، حيث أعلنت الشركتان في أبريل 2026 عن إثبات مفهوم لدمج بطارية دقيقة صلبة داخل عدسة ذكية، بهدف الوصول إلى مصدر طاقة رفيع ومستقر وآمن بما يكفي للاستخدام على العين.
وتتعامل XPANCEO مع وظائف العدسة على أنها مستويات مختلفة من الاستهلاك. فبعض القدرات، مثل الاستشعار الحيوي أو الاتصال اللاسلكي، قد تعتمد على وسائل حصاد الطاقة من الرمش أو الحرارة أو كيمياء الدموع أو الخلايا الشمسية المصغرة. أما عرض الصور والواقع المعزز فيحتاج إلى دفعات طاقة أعلى، ما يجعل التخزين عالي الكثافة عنصراً حاسماً.
من هنا تكتسب الشراكة مع JBD أهمية إضافية. فكلما انخفض استهلاك الشاشة، تراجع الضغط على البطارية وعلى النظام اللاسلكي وعلى التصميم الحراري الكامل للعدسة. في هذا النوع من المنتجات، الكفاءة ليست تحسيناً جانبياً، بل شرطاً أولياً للوجود.
من نموذج أولي إلى مكوّن قابل للتصنيع
شهدت السنوات الماضية العديد من النماذج الأولية للعدسات الذكية، لكن المسافة بين تجربة مختبرية لافتة ومنتج تجاري واسع ما تزال كبيرة. المشكلة لا تتعلق بالإمكانات التقنية فقط، بل أيضاً بمتطلبات السلامة والموثوقية وثبات الأداء أثناء الاستخدام اليومي.
المرحلة الحالية من تعاون XPANCEO وJBD تركز على ما هو أبعد من إثبات الفكرة. الهدف هو صياغة مسار واضح نحو أول دفعة إنتاج واسعة لشاشات دقيقة مخصصة للعدسات اللاصقة. وهذه نقطة تحول مهمة، لأن الانتقال إلى التصنيع يعني الدخول في عالم الموردين، والاختبار الصناعي، ومعايير الجودة، والعائد الإنتاجي.
وتقول XPANCEO إنها تقدمت بأكثر من 50 طلب براءة اختراع، وبنت فريقاً بحثياً في دبي يضم أكثر من 100 عالم ومهندس وخبير منتجات. كما تشير إلى أن نسبة كبيرة من فريقها من الكفاءات العلمية المتقدمة، وأن أكثر من نصفهم يحملون درجات دكتوراه.
رؤية أوسع للحوسبة غير المرئية
لا تطرح XPANCEO العدسة الذكية باعتبارها أداة للواقع المعزز فقط، بل كمنصة حوسبة غير مرئية لعصر الذكاء الاصطناعي. وتربط الشركة بين هذه العدسة وعدد من الاستخدامات مثل مراقبة المؤشرات الصحية، والتحقق من الهوية، والتفاعل السياقي، والتطبيقات الصناعية والرياضية، إلى جانب طبقات معلومات تظهر للمستخدم دون الحاجة إلى شاشة منفصلة.
لكن الطريق ما يزال طويلاً قبل الحديث عن تبني واسع. فهناك أسئلة تتعلق بالاعتماد التنظيمي، وراحة الارتداء، والسلامة على المدى الطويل، وفعالية الاتصالات اللاسلكية، ونسب التصنيع الناجحة، والأهم من ذلك كله، قبول المستخدم لفكرة وجود حاسوب داخل عدسة على العين.
مع ذلك، فإن تطوير شاشة دقيقة مخصصة يمثل تقدماً حقيقياً في حل إحدى أعقد العقد التقنية. وإذا نجحت الشركتان في تحويل هذه البنية إلى مكوّن قابل للتصنيع والاستقرار، فقد تصبح العدسات اللاصقة الذكية أقرب من أي وقت مضى إلى الخروج من المختبر إلى السوق.