19-Jul-2026 7 دقائق قراءة

مايكروسوفت تراهن على أتمتة الأعمال المكتبية خلال 18 شهراً وسط جدل واسع

يرى مصطفى سليمان أن الذكاء الاصطناعي قد ينجز معظم مهام العمل المكتبي خلال 12 إلى 18 شهراً، لكن الفجوة بين أتمتة المهام واستبدال الوظائف بالكامل لا تزال كبيرة.

أثار تصريح جديد لمسؤول الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، مصطفى سليمان، موجة واسعة من النقاش في قطاع التقنية والعمل، بعدما قال إن معظم مهام الوظائف المكتبية قد تصبح مؤتمتة بالكامل خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً. ويعني ذلك، وفقاً لتقديره، أن المحامين والمحاسبين ومديري المشاريع والمسوقين قد يواجهون تحولاً جذرياً في طريقة إنجاز أعمالهم قبل منتصف عام 2027.

التصريح بدا لافتاً بسبب سقفه الزمني القصير، لكن أهميته لا ترتبط فقط بالمدة التي ذكرها سليمان، بل أيضاً بموقعه داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. فهو لا يتحدث كمراقب خارجي، بل كمسؤول يقود استراتيجية مايكروسوفت في الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي والمؤسسي، وفي الوقت نفسه يدفع نحو توسع أدوات الشركة مثل Copilot في بيئات العمل.

هذا التداخل بين التنبؤ بالمستقبل وتوجيه السوق يفسر سبب التعامل مع التصريح بحذر. فحين تصدر هذه الرسائل من شخصية لها دور تنفيذي مباشر، تصبح جزءاً من النقاش التقني والتجاري في آن واحد، لا مجرد رأي شخصي حول تطور الأتمتة.

ما الذي قصده سليمان فعلياً

بحسب مضمون التصريحات، فإن المقصود ليس أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دوراً مساعداً فقط، بل أنه سيتجاوز ذلك إلى تنفيذ معظم الأعمال التي تُجرى على الكمبيوتر في الوظائف المكتبية. وذهب سليمان أبعد من ذلك حين أشار إلى أن التطور في هندسة البرمجيات يبرهن أن التحول بدأ بالفعل، مع اعتماد واسع على أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في إنتاج الشيفرات.

كما كشف الحوار عن جانب استراتيجي آخر في نهج مايكروسوفت، يتمثل في السعي إلى بناء نماذجها الأساسية الخاصة وتعزيز استقلالها التقني، وتقليل الاعتماد على OpenAI. وهذا يعكس رغبة الشركة في المنافسة عبر مستويات متعددة من سلسلة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من البنية التحتية ووصولاً إلى التطبيقات النهائية.

لكن قراءة هذه التصريحات لا تكتمل من دون التمييز بين أتمتة المهام واستبدال الوظائف. فالأولى تعني أن الذكاء الاصطناعي يتولى أجزاء محددة من العمل، بينما الثانية تعني اختفاء الدور المهني أو تحوله إلى حد كبير. والخلط بين المفهومين يخلق انطباعاً مضخماً عن سرعة التغيير.

أين تبدو التوقعات منطقية

في قطاع البرمجيات، تظهر مؤشرات قوية على أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أصيلاً من سير العمل اليومي. كثير من المطورين يعتمدون الآن على أدوات توليد الكود والمراجعة التلقائية وتسريع التصحيح، ما يقلل الوقت اللازم للمهام الروتينية ويزيد الإنتاجية. وهذا التحول لا يزال يتوسع بسرعة لافتة، خصوصاً مع ارتفاع جودة النماذج وقدرتها على فهم السياق التقني.

كما أن البيانات الحديثة عن سوق العمل تشير إلى أن نسبة كبيرة من الوظائف باتت قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي في جزء معتبر من مهامها. هذا لا يعني انتهاء الحاجة إلى البشر، لكنه يدل على أن الأدوات الذكية تتقدم تدريجياً من خانة الدعم إلى خانة المشاركة الفعلية في إنجاز الأعمال.

وتتضح هذه الصورة أيضاً من سلوك المستثمرين، الذين باتوا يعيدون تقييم قطاعات البرمجيات والخدمات الرقمية على ضوء احتمال أن تتولى الوكلاء الذكيون تنفيذ أجزاء من الخدمات التي كانت تعتبر تقليدياً من اختصاص الموظفين. لذلك لم تعد المسألة نظرية بحتة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتوقعات النمو والتكلفة والربحية.

أين تكمن المبالغة

مع ذلك، فإن القفز من قدرة الذكاء الاصطناعي على المساعدة إلى القول إن معظم المهام ستصبح مؤتمتة بالكامل خلال 18 شهراً يبدو استنتاجاً متسرعاً. فالتجربة في المؤسسات الكبرى تُظهر أن تبني التقنية أبطأ بكثير من تطورها النظري. حتى عندما تكون الأدوات جاهزة، تظل هناك عوائق تتعلق بالتدقيق، والامتثال، والأمن، وسياسات الشراء، وثقافة العمل الداخلية.

وتشير بعض التقارير إلى أن عدداً محدوداً فقط من الشركات وصل إلى مرحلة استبدال الأدوار بشكل كامل، بينما اكتفت شريحة أكبر بتقليص التوظيف للمستويات المبتدئة أو بإعادة توزيع المهام. وهذا فرق جوهري، لأن تقليل عدد الموظفين لا يساوي انتهاء الدور الوظيفي، بل غالباً يعني تغيّر البنية التنظيمية ونمو الاعتماد على الأدوات الرقمية.

وتبقى الوظائف المكتبية بطبيعتها أكثر تعقيداً من أن تختزل في عمليات متكررة فقط. فالمحامي لا يكتب مستندات فحسب، بل يفاوض ويحلل ويحافظ على العلاقة مع العميل. والمسوّق لا ينتج نصوصاً إعلانية فقط، بل يقرأ سلوك الجمهور ويتعامل مع الصورة الذهنية والعوامل الثقافية. وحتى في الأعمال الإدارية، هناك قدر كبير من الحكم البشري والمرونة لا يمكن تحويله بسهولة إلى خط سير آلي كامل.

مشكلة التنبؤ في قطاع التقنية

لطالما بالغ بعض قادة التكنولوجيا في تقدير سرعة التحولات المستقبلية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأتمتة. كثير من الوعود السابقة حول السيارات الذاتية القيادة أو المصانع المؤتمتة بالكامل واجهت عقبات تتعلق بالتبني الفعلي والتنظيم والمسؤولية القانونية. والدرس المتكرر هنا أن التقدم التقني لا يترجم تلقائياً إلى انتشار تجاري شامل.

ما يميز الذكاء الاصطناعي اليوم هو أنه حقق بالفعل نقلة محسوسة في الاستخدام اليومي، سواء في الكتابة أو البرمجة أو التحليل أو خدمة العملاء. لكن هذه النقلة لا تعني أن كل القطاعات ستتحرك بنفس السرعة، أو أن كل شركة ستعيد تصميم عملياتها في الإطار الزمني نفسه. الفجوة بين الإمكانات والواقع المؤسسي ما تزال واسعة.

ومن هنا تأتي أهمية الحذر في تفسير تصريحات مثل تصريح سليمان. فهي تعكس اتجاه السوق الحقيقي نحو الأتمتة، لكنها قد لا تعكس الجدول الزمني الفعلي لحدوث هذا التغيير على نطاق واسع. وفي بيئة الأعمال، غالباً ما يكون التغيير تدريجياً ومتفاوتاً بين القطاعات والدول والمؤسسات.

ما الذي قد يحدث فعلاً خلال العام ونصف المقبلين

السيناريو الأكثر واقعية ليس اختفاء معظم الوظائف المكتبية، بل زيادة كبيرة في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي داخلها. سيؤدي ذلك إلى تقليص الوقت المخصص للمهام المتكررة، ورفع سقف الإنتاجية، وإعادة توزيع الأدوار بين البشر والأنظمة الذكية. كما أن الوظائف المبتدئة التي تعتمد على أعمال نمطية قد تتأثر أولاً وبشكل أوضح من غيرها.

وفي المقابل، من المرجح أن تتباطأ المؤسسات في تحويل هذه الإمكانات إلى اعتماد كامل بسبب الحاجة إلى التدريب وإعادة الهيكلة ووضع الضوابط. لذلك قد نشهد خلال الفترة المقبلة توسعاً سريعاً في الاستخدام، لكن ليس بالضرورة انتقالاً شاملاً إلى أتمتة كاملة كما يوحي التوقع الأكثر جرأة.

الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل المكتبي بالفعل، لكن سرعة هذا التحول لا تزال موضع جدل. تصريحات سليمان تعكس ثقة متزايدة في قدرات النماذج الحديثة، غير أن الواقع المؤسسي يوحي بأن التغيير سيكون أبطأ وأكثر تعقيداً مما تشير إليه العناوين المثيرة.

وبين التفاؤل التقني والمبالغة الزمنية، يبقى السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل، بل مدى استعداد الشركات والموظفين للتعامل مع هذا التغيير بطريقة عملية ومستدامة.