20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

غارتنر: تكاليف رموز الذكاء الاصطناعي في البرمجة قد تنافس رواتب المطورين خلال عامين

تقرير لغارتنر يحذر من أن استخدام وكلاء البرمجة المعتمدين على الذكاء الاصطناعي ونماذج التسعير القائمة على الاستهلاك قد يدفع إنفاق الشركات على كل مطور إلى مستويات تقترب من الرواتب السنوية أو تتجاوزها في بعض الحالات.

حذرت شركة غارتنر من أن الشركات قد تصل خلال فترة قصيرة إلى نقطة تصبح فيها تكلفة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأكواد قريبة من تكلفة أجور المطورين أنفسهم، مع اتساع الاعتماد على وكلاء البرمجة ونماذج التسعير التي تعتمد على الاستهلاك الفعلي بدل الرسوم الثابتة.

وبحسب تقديرات المؤسسة البحثية، فإن الإنفاق على الرموز المستخدمة في المهام البرمجية قد يبلغ خلال العامين المقبلين مستويات غير مسبوقة لكل مطور، إلى درجة يمكن أن تلامس الراتب الشهري المعتاد لمهندس برمجيات، وربما تتجاوزه في بعض البيئات. ويأتي هذا التحول في وقت تنتقل فيه المؤسسات من التجريب المحدود إلى الاستخدام الواسع لأدوات المساعدة البرمجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

نموذج تسعير جديد يغيّر معادلة التكلفة

تقول غارتنر إن جزءاً كبيراً من المشكلة لا يتعلق فقط بزيادة الاستخدام، بل أيضاً بتبدل نموذج التسعير في السوق. فبعد سنوات من الاعتماد على الاشتراكات الثابتة لكل مقعد أو لكل مستخدم، بدأت شركات التقنية تربط جزءاً من الفاتورة بحجم الاستهلاك الفعلي للرموز، وهو ما يجعل التكلفة أكثر حساسية لنمط العمل اليومي داخل فرق التطوير.

هذا التحول يمنح الموردين مساحة أكبر لتغطية استثماراتهم في البنية التحتية وتحقيق الربحية، لكنه في المقابل يضع المؤسسات أمام حسابات أكثر تعقيداً. فكلما زاد اعتماد المطورين على المساعدات التوليدية والوكلاء الآليين، ارتفع الاستهلاك، ومعه ارتفعت الفاتورة الشهرية التي قد يصعب التنبؤ بها بدقة.

وتشير غارتنر إلى أن الأرقام التي تراها بعض الشركات أصبحت كفيلة بإثارة القلق؛ إذ تتحدث تقارير السوق عن حالات وصل فيها استهلاك أحد المطورين إلى عشرات الآلاف من الدولارات في شهر واحد، بينما سجلت بعض الاستخدامات غير التقنية إنفاقاً مفاجئاً أيضاً. هذه المستويات لا تعني أن كل المؤسسات ستدفع المبالغ نفسها، لكنها تكشف أن السيناريو لم يعد نظرياً.

ضعف الرؤية الداخلية يزيد صعوبة التحكم

أحد الأسباب التي تجعل التكلفة مرشحة للارتفاع هو محدودية الشفافية في طريقة احتساب الرموز وتوزيعها على الفرق والمشاريع. ففي كثير من البيئات، لا تمتلك المؤسسات رؤية دقيقة حول أين يُستهلك الذكاء الاصطناعي، ومن يستخدمه بكثافة، وما إذا كانت تلك الاستخدامات تضيف قيمة حقيقية أم مجرد سرعة ظاهرية.

وترى غارتنر أن هذا الغموض يتفاقم لأن أعباء العمل البرمجية متغيرة بطبيعتها. فمشروع صغير قد يستهلك وقتاً محدوداً، بينما تؤدي مهمة تتطلب سياقاً أوسع أو مراجعات متكررة إلى تضخيم حجم المدخلات والمخرجات بشكل كبير. ومع توسع استخدام الوكلاء القادرين على تنفيذ أجزاء من العمل بشكل شبه مستقل، يصبح ضبط النفقات أكثر صعوبة.

وتضيف المؤسسة أن العديد من مزودي أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي ما زالوا يفتقرون إلى قدرات ناضجة لتقليل الاستهلاك أو تحسينه تلقائياً، ما يعني أن عبء السيطرة يبقى على عاتق المؤسسة نفسها. كما أن استمرار الاستثمار في النماذج الأكبر والأكثر تقدماً قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة.

الإنتاجية لا تُقاس بعدد الرموز

لفتت غارتنر إلى أن العلاقة بين كمية الرموز المستهلكة وبين الإنتاجية ليست خطية كما يعتقد البعض. فالمزيد من الرموز لا يعني بالضرورة جودة أعلى أو نتائج أفضل، بل قد يعكس أحياناً اعتماداً غير منضبط على الذكاء الاصطناعي أو إدخالاً زائداً للمعلومات داخل سياق النموذج.

وبدلاً من قياس الأداء بعدد الأسطر المكتوبة أو حجم المخرجات، ترى غارتنر أن القيمة الحقيقية يجب أن تُقاس عبر مؤشرات أكثر ارتباطاً بالنتائج، مثل سرعة إطلاق الميزات، وتقليص الوقت بين التطوير والتغذية الراجعة من الفرق المعنية، وتحسن تجربة المستخدم النهائي. هذه المقاربة، وفق التقرير، تساعد المؤسسات على فهم ما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي تعزز الأداء فعلاً أم أنها فقط ترفع الفاتورة.

كما تؤكد المؤسسة أن تقليل الاستهلاك لا يعني تقليل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي نفسه. فالمطلوب ليس العودة إلى العمل اليدوي الكامل، بل الوصول إلى توازن بين القيمة والتكلفة، بحيث تُستخدم الأدوات المتقدمة في المواضع التي تضيف أثراً واضحاً، لا في كل مهمة على نحو تلقائي.

حوكمة صارمة وحدود واضحة للاستخدام

من أبرز توصيات غارتنر للمؤسسات أن تضع ضوابط تشغيلية واضحة لاستخدام أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تحديد عتبات استهلاك، ومراقبة الاستخدام بصورة آلية، ووضع آليات تصعيد عندما تتجاوز الفرق حدوداً معينة من الإنفاق. وتهدف هذه الخطوات إلى منع تضخم التكاليف قبل أن يصبح خارج السيطرة.

وتدعو الشركة أيضاً إلى بناء إطار قرار يعتمد على طبيعة المهمة نفسها. فليس كل عمل برمجي يحتاج إلى المستوى ذاته من الاستقلالية. بعض المهام يجب أن يبقى فيها المطور هو القائد الأساسي، بينما يمكن في مهام أخرى العمل بأسلوب مشترك بين المطور والمساعد الآلي، وفي حالات محددة فقط قد يكون الوكيل هو المنفذ الرئيسي.

كما ترى غارتنر أن تفكيك المهام الكبيرة إلى أجزاء أصغر قد يخفف الضغط على النماذج الأكبر والأعلى تكلفة. فالمهام المتكررة أو البسيطة يمكن أن تُسند إلى نماذج أصغر، بينما تُحجز النماذج المتقدمة للمهام المعقدة أو عالية القيمة. هذا التوزيع يساعد على تقليص الهدر دون التضحية بالجودة.

تنظيف السياق وتدريب الفرق على الاستخدام الرشيد

جانب آخر من الترشيد يتعلق بما تسميه غارتنر هندسة السياق. فالمطورون كثيراً ما يمررون إلى النموذج معلومات أكثر من اللازم، سواء كانت شروحات طويلة أو بيانات غير ضرورية أو مراجع لا تضيف فائدة مباشرة. وكلما زاد حجم السياق، ارتفعت التكلفة، وأحياناً تراجع تركيز النموذج على المهم.

لذلك توصي المؤسسة بتدريب فرق التطوير على تقديم أقل قدر ممكن من المعلومات غير الضرورية، مع تلخيص السياق قدر الإمكان وحذف التفاصيل الزائدة. كما تدعو إلى إدراج مراجعات دورية لاستهلاك الرموز ضمن دورة التطوير نفسها، بحيث تصبح مراقبة التكلفة جزءاً من عملية البناء البرمجي، لا خطوة لاحقة بعد ارتفاع الفاتورة.

وتشير غارتنر إلى أن الاعتماد على سلوك المطور الفردي وحده لا يكفي، لأن معظم المطورين يميلون بطبيعتهم إلى السرعة والراحة، لا إلى الحسابات المالية الدقيقة. ولهذا لا بد من أن تتدخل المؤسسة عبر السياسات والأدوات والحوكمة لتوجيه الاستخدام نحو مسار أكثر كفاءة.

رسالة إلى قادة التقنية والمطورين

الخلاصة التي يطرحها التقرير واضحة: الذكاء الاصطناعي في البرمجة لا يجب أن يُعامل كعبء يجب الهرب منه، بل كأداة تحتاج إلى إدارة دقيقة. فالمؤسسات التي تتعامل مع هذه الأدوات بعقلية مفتوحة من دون قيود واضحة قد تجد أن مكاسب الإنتاجية تتآكل بسرعة أمام تضخم التكاليف.

وبالنسبة لقادة التقنية، ترى غارتنر أن البداية الصحيحة تكون بتقييم نضج فرق الهندسة الحالية، ثم تحديد مستوى الاستقلالية المناسب لكل نوع من المهام، مع التركيز أولاً على ضبط السياق قبل التوسع في الاستخدام. أما بالنسبة للمطورين، فتؤكد أن إتقان هندسة السياق سيصبح مهارة أساسية، ليس فقط لتحسين أداء الفرق، بل أيضاً لتعزيز القيمة المهنية للفرد نفسه في سوق العمل التقني.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التحدي المقبل أمام المؤسسات لن يكون في تبني الذكاء الاصطناعي، بل في جعله اقتصادياً، قابلاً للقياس، ومفيداً بالفعل دون أن يتحول إلى بند إنفاق يفوق العائد المنتظر منه.