21-Jul-2026 6 دقائق قراءة

نيراج بهات: الذكاء الاصطناعي يسرّع التحول الرقمي لكنه يفرض تحديات الإنتاج والتكلفة

يشرح نيراج بهات كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل التقني داخل الشركات الناشئة والمؤسسات الكبيرة، من تسريع إطلاق المنتجات إلى تعقيدات التوسّع والإنتاج والحوكمة وتكاليف النماذج.

الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة التجربة إلى ضغط التنفيذ

يشير نيراج بهات، المستشار التقني والرئيس التنفيذي المؤقت السابق في عدد من البيئات التقنية، إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مساحة للتجارب النظرية داخل الشركات. فالمؤسسات الناشئة، وكذلك الشركات الكبرى، باتت تتعامل معه كأداة مباشرة لتسريع العمل وتحسين إنتاجية الفرق وإعادة تشكيل دورة تطوير المنتجات.

في هذا السياق، يرى بهات أن الفارق الأكبر اليوم لا يكمن في السؤال عما إذا كانت الشركات ستتبنى الذكاء الاصطناعي، بل في مدى قدرتها على تحويل نماذج أولية ناجحة إلى أنظمة قابلة للتشغيل على نطاق واسع. هذا التحول، بحسب وصفه، هو النقطة التي تبدأ عندها التعقيدات الفعلية: التكاليف، والامتثال، والخصوصية، والاعتمادية، والقدرة على التوسع.

ويعكس هذا الطرح واقعاً متكرراً في سوق التقنية، حيث تتسارع وتيرة تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن جزءاً كبيراً من المشاريع لا يتجاوز مرحلة المفهوم التجريبي بسبب صعوبة دمجه في البنية المؤسسية القائمة.

الشركات الناشئة تستفيد من السرعة لكنها تواجه ضغط المنافسة

بحسب بهات، استفادت الشركات الناشئة بشكل واضح من موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي لأنها حصلت على ما كانت تبحث عنه منذ سنوات: سرعة أعلى في التطوير، وإمكانات أكبر للإطلاق المبكر، وتقليص زمن الانتقال من الفكرة إلى السوق. ما كان يحتاج إلى أعوام قد يمكن إنجازه خلال أشهر قليلة عندما تُستخدم الأدوات المناسبة وتُبنى طبقات العمل بشكل جيد.

لكن هذا التسارع نفسه يخلق جانباً آخر من المشكلة. فالمنافسة أصبحت أكثر حدة، كما أن الشركات الناشئة التي تعتمد على حالات استخدام متشابهة تواجه خطر التقليد السريع أو التشبع المبكر. ويؤكد بهات أن بعض المجالات، مثل التسويق والخدمات المالية، شهدت بالفعل اضطراباً نتيجة دخول منصات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى المساحات نفسها التي كانت تستهدفها شركات أصغر.

وبذلك، لم يعد النجاح مرهوناً بمجرد تبني الذكاء الاصطناعي، بل بقدرة الشركة على اختيار زاوية استخدام واضحة، وبناء منتج يملك قيمة عملية وتميّزاً تقنياً يصعب استنساخه بسهولة.

الانتقال إلى الإنتاج يكشف تكلفة الذكاء الاصطناعي الحقيقية

أحد أكثر المحاور التي يركز عليها بهات هو الفجوة بين إثبات الفكرة وتشغيل الحل فعلياً داخل المؤسسة. فمرحلة إثبات المفهوم تمنح فرق التقنية انطباعاً إيجابياً سريعاً، لكنها لا تعكس الصورة الكاملة. وعندما تنتقل الشركة إلى الإنتاج، تظهر عوامل لم تكن ظاهرة في البداية، مثل زمن الاستجابة، وسعة الخدمة، والامتثال القانوني، وحماية بيانات العملاء، وإدارة المخاطر التشغيلية.

ويقول بهات إن التكلفة غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما يتوقعه القادة في البداية، خاصةً عندما يبدأ احتساب الاستهلاك الفعلي للنماذج عبر وحدات القياس الخاصة بها، وما يرتبط بها من استخدامات الإدخال والإخراج، وإدارة الأحمال، والمراقبة، والاعتماد على البنية التحتية المناسبة.

ومن هنا، يلفت إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة لا يمكن التعامل معه كخيار سريع أو مشروع جانبي. بل يجب أن يُخطط له ضمن دورة تطوير برمجيات متكاملة، تشمل الاختبار والمراقبة والحَوْكمة وتحديد المسؤوليات التقنية بوضوح.

من النماذج اللغوية إلى الأنظمة الوكيلة: فهم التطور بدل مطاردة الضجيج

يرى بهات أن كثيراً من الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي سببه الخلط بين المراحل المختلفة لتطوره. فالنماذج اللغوية الكبيرة، واسترجاع المعرفة المعزز، والأنظمة الوكيلة ليست مفاهيم منفصلة تماماً، بل حلقات متصلة في سلسلة واحدة، هدفها الأساسي تمكين النظام من التنبؤ بما يجب أن يفعله أو يقوله بناءً على السياق المتاح.

ويشرح أن النماذج اللغوية تبدأ من التنبؤ بالرمز التالي اعتماداً على البيانات التي تدربت عليها، ثم انتقلت الشركات لاحقاً إلى محاولة ربط تلك النماذج ببياناتها الخاصة عبر تقنيات تسمح بإدخال سياق أكثر دقة. وبعد ذلك ظهرت الأنظمة الوكيلة التي تضيف بعداً تنفيذياً، بحيث لا يكتفي النموذج بالإجابة، بل يختار أداة أو إجراءً معيناً ضمن بيئة تشغيل مناسبة.

لكن بهات يحذر من النظر إلى هذا التطور بمنطق الموضة التقنية. فليست كل مشكلة تحتاج إلى وكيل ذكي، وليست كل عملية مناسبة لطبقة معقدة من الأتمتة. الفهم الصحيح للهندسة المعمارية لكل حالة استخدام هو ما يحدد القيمة الحقيقية، لا مجرد تبني المصطلح الأكثر تداولاً في السوق.

الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف إدارة المواهب داخل المؤسسة

في جانب الموارد البشرية والتطوير المؤسسي، يعتقد بهات أن الذكاء الاصطناعي يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز فرق التقنية التقليدية. فالتحول الحالي، من وجهة نظره، يمس المؤسسة كلها: من المتدربين والموظفين في الخطوط الأمامية، إلى المدراء التنفيذيين وأصحاب القرار.

ويؤكد أن بناء استراتيجية المواهب في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني تدريب فرق الهندسة فقط، بل تمكين جميع الأقسام من استخدام الأدوات الجديدة بشكل مسؤول ومنتج. فالعائد الحقيقي لا يأتي حين تبقى المعرفة حبيسة قسم التقنية، وإنما عندما يصبح العمل المؤتمت جزءاً من ثقافة المؤسسة اليومية.

ولهذا السبب، يربط بهات بين الذكاء الاصطناعي وبين التعاون بين فرق التقنية والموارد البشرية وقيادة الأعمال. فإدارة التغيير، من وجهة نظره، لا تقل أهمية عن اختيار النموذج أو المنصة أو البنية السحابية.

حالات استخدام عملية: الاختبار الآلي وتقليص الديون التقنية

عندما ينتقل الحديث إلى أكثر حالات الاستخدام نضجاً، يبرز اختبار البرمجيات الآلي كأحد أبرز المجالات الواعدة. فالشركات، ولا سيما الناشئة منها، تعمل تحت ضغط الموارد المحدودة والهامش التشغيلي الضيق، ما يجعل أي أداة قادرة على تسريع الاختبار وخفض الأخطاء ذات قيمة مباشرة.

ويشير بهات أيضاً إلى ملف الديون التقنية، وهو من أكثر التحديات إزعاجاً داخل المؤسسات. فهناك أنظمة قديمة تحتاج إلى تحديث في لغات البرمجة أو المكتبات أو البنية المساعدة، وهذه المهام تستهلك وقتاً كبيراً من فرق التطوير. وإذا تمكنت أدوات الذكاء الاصطناعي من اختصار جزء مهم من هذا العبء، فإن الأثر سيكون كبيراً على إنتاجية الفرق وقدرتها على التركيز على الابتكار بدل الصيانة المستمرة.

ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتخفيف الأعمال الروتينية المتكررة، لا بديلاً كاملاً عن المهندسين، بل عامل تمكين يعيد توزيع الجهد داخل فرق التطوير والتشغيل.

ما الذي يحتاجه CIO اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي

يرى بهات أن منصب مدير تقنية المعلومات يمر بمرحلة ضغط غير مسبوقة، لأن التوقعات من هذا الدور ارتفعت كثيراً مع تسارع موجة الذكاء الاصطناعي. فالقائد التقني اليوم لا يُطلب منه فقط تبني الأدوات الجديدة، بل أيضاً تفسيرها للإدارة العليا، وتقدير أثرها، وتحديد ما إذا كانت مناسبة فعلاً للمؤسسة أم لا.

ويعتبر أن التعاون بين الإدارات شرط أساسي للنجاح، لكن هذا وحده لا يكفي. فإدارة التوقعات لا تقل أهمية، لأن كثيراً من المؤسسات تقع في فخ الحماس المفرط وتتصور أن الذكاء الاصطناعي يمكنه حل كل شيء بسرعة. بينما الواقع يفرض ترتيبات أدق: مواءمة مع مجلس الإدارة، ومشاركة الرئيس التنفيذي، ودعم من الإدارة المالية، وتحديد واضح للأولويات.

وفي جوهر حديثه، يدعو بهات القادة التقنيين إلى التوقف عن مطاردة الفومو، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء استراتيجية متماسكة، قابلة للتنفيذ، وتستند إلى فهم حقيقي لما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي وما لا يمكنه تقديمه بعد.