يشهد قطاع السلع الاستهلاكية تحولا لافتا في طريقة تطوير المنتجات، مع انتقال عدد من الشركات العالمية إلى توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة أساسية لتسريع الابتكار وتقليل الاعتماد على التجارب المادية المكلفة. ومن بين أبرز الأسماء التي تتبنى هذا النهج لوريال وموندليز ونستله، إضافة إلى شركات أخرى في مجالات الأغذية والصحة الاستهلاكية والتغليف.
الفكرة لم تعد مرتبطة فقط بتحسين الكفاءة داخل المختبرات، بل باتت جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الوقت بين الفكرة والإطلاق التجاري. فبدلا من اختبار عشرات التركيبات يدويا، يمكن للأنظمة الذكية تضييق الخيارات مسبقا، واقتراح مسارات أكثر قابلية للنجاح قبل دخول المراحل المخبرية التقليدية.
لوريال تستخدم النماذج التنبؤية في صياغات التجميل
في قطاع التجميل، تعتمد لوريال على الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير المستحضرات والبحث عن استخدامات جديدة للمكونات الموجودة بالفعل في محفظتها. وقد استخدمت الشركة هذه التقنيات داخل مختبراتها منذ عدة سنوات، مستفيدة من النماذج التنبؤية التي تحاكي تأثير الجزيئات على البشرة والشعر قبل تجربة التركيبات فعليا.
هذا النهج يسمح لفرق البحث بتقدير الأداء المحتمل للمكونات رقميا، ثم الانتقال فقط إلى مجموعة محدودة من المرشحات الأكثر وعدا. والنتيجة هي تقليل عدد التركيبات التي تحتاج إلى اختبار مخبري، وبالتالي تسريع دورة التطوير من دون التضحية بالمنهج العلمي.
ومن الأمثلة التي برزت في هذا المسار إعادة توظيف جزيئات كانت تستخدم سابقا في منتجات العناية بالبشرة، لكن هذه المرة ضمن شامبو قائم على الكولاجين يستهدف زيادة كثافة الشعر ومنحه مظهرا أكثر امتلاء. وتقول الشركة إن توظيف الذكاء الاصطناعي جعل عملية تركيب المنتجات أسرع بأربع مرات.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه لوريال إلى دفع الابتكار بعد تسجيل أبطأ نمو في المبيعات منذ سنوات. لذلك أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من خطة أوسع لتقليص زمن الإطلاق ومجاراة تغير أذواق المستهلكين في فئات التجميل المختلفة.
موندليز تختبر وصفات أكثر تنوعا بأقل عدد من العينات
في قطاع الأغذية، تستخدم موندليز الذكاء الاصطناعي لدعم تطوير الوصفات الخاصة بعلامات معروفة مثل كادبوري وتوبليرون وأوريو وتشيبس أهوَي. وتعمل الأداة الداخلية للشركة على توليد أفكار لوصفات جديدة، بما في ذلك تركيبات غير متوقعة، ثم تعرضها على الخبراء البشريين للمراجعة والاختيار.
هذه العملية تقلل الحاجة إلى إنتاج عدد كبير من العينات الفيزيائية في المراحل الأولى، وهو ما يوفر الوقت والمواد ويخفض التكلفة. كما يساعد النظام على اختبار بدائل متعددة قبل إرسال عدد محدود من الصيغ إلى الاختبارات اللاحقة.
وتشير الشركة إلى أن الأداة ساعدت بالفعل في تطوير منتجات مثل بسكويت أوريو الخالي من الغلوتين، إضافة إلى تحديث وصفة تشيبس أهوَي. كما أفادت بأن 60% من الوصفات الخاصة بالبسكويت التي جرى إنتاجها باستخدام الأداة حققت أداء أفضل من حيث التغذية والاستدامة والتكلفة.
وإلى جانب تطوير المنتجات، تستخدم موندليز الذكاء الاصطناعي لتقليل الاعتماد على مورد واحد عبر اقتراح بدائل للوصفات عندما تتغير أسعار المكونات أو تتبدل مستويات توفرها. هذا يجعل التقنية وسيلة لتحسين مرونة سلسلة الإمداد، وليس فقط أداة للإبداع الغذائي.
نستله تربط الذكاء الاصطناعي بإعادة الصياغة والامتثال التنظيمي
تواجه نستله ضغطا متزايدا لإعادة صياغة بعض منتجاتها بما يتماشى مع توجهات تنظيمية وصحية جديدة. وتخطط الشركة لإزالة الأصباغ الصناعية من جميع منتجاتها حول العالم بحلول نهاية 2026، بعدما كانت قد أزالتها بالفعل من محفظتها في الولايات المتحدة.
هذا النوع من التغيير لا يقتصر على استبدال مكون بآخر، بل يتطلب فحص البدائل الطبيعية، وتجربتها خلال الإنتاج، ثم التأكد من ثبات الجودة ومدة الصلاحية. هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في تسريع مرحلة الفرز والاختبار الأولي، عبر تقليص عدد البدائل التي تحتاج إلى تجارب فعلية.
وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع داخل الصناعة الغذائية، خاصة مع إعلان إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أنها تعمل مع المصنّعين وتجار التجزئة والجهات التجارية لإزالة ستة ألوان معتمدة ما تزال شائعة الاستخدام في سلاسل الإمداد الغذائية بحلول نهاية 2027. كما تتابع الجهات التنظيمية التزامات الشركات بالتخلي عن الأصباغ المشتقة من البترول.
تطبيقات تمتد إلى التغليف والشراكات التقنية
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الصياغات والوصفات. فقد دخل أيضا في تصميم مواد التغليف، حيث أعلنت نستله وIBM Research في 2025 عن تطوير أداة توليدية يمكنها تحديد مواد تغليف ذات قدرة عالية على الحماية من الرطوبة والأكسجين وتغيرات الحرارة، مع أخذ التكلفة وقابلية إعادة التدوير والوظيفة العامة في الاعتبار.
ويعتمد هذا المشروع على نمذجة لغوية كيميائية ومحول انحدار يربط البنية الجزيئية بالخصائص الفيزيائية والكيميائية. والهدف هو دعم اكتشاف مواد جديدة للتغليف بطريقة أكثر كفاءة من البحث التقليدي الذي قد يستغرق وقتا أطول ويحتاج إلى موارد أكبر.
كما دخلت شركات أخرى على الخط. فقد تعاونت Barry Callebaut مع NotCo في استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير وصفات الشوكولاتة والبحث عن بدائل للمكونات التقليدية، بينما أعلنت Haleon عن شراكة تمتد خمس سنوات مع مايكروسوفت تشمل رؤى المستهلكين، والابتكار في المنتجات، وعمليات سلسلة الإمداد، والبحوث العلمية، وتطوير المحتوى السريري، والتوقعات، والتنفيذ التجاري.
الذكاء الاصطناعي يسرّع الدورات ولا يستبدل الخبرة البشرية
رغم اتساع استخدام هذه الأدوات، فإن الرسالة الأساسية الصادرة عن الشركات واحدة: الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور فرق البحث والتطوير، بل يعيد تنظيمه. فالأنظمة الذكية تتولى تسريع التقييم والاقتراح والمحاكاة، لكن البشر ما زالوا مسؤولين عن التحقق النهائي واتخاذ القرار.
هذا التوازن مهم، لأن المنتجات الاستهلاكية لا تقاس فقط بسرعة إنتاجها، بل أيضا بسلامتها وجودتها وقبولها لدى المستهلكين. لذلك تبدو القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي هنا في ضغط الزمن الذي كان يمتد سابقا لأشهر أو سنوات، وتحويله إلى دورة تطوير أكثر مرونة وتكرارا.
ومع استمرار تغير تفضيلات المستهلكين وارتفاع متطلبات الامتثال والشفافية والاستدامة، يبدو أن الشركات التي تستطيع دمج الذكاء الاصطناعي في مختبراتها وسلاسل الإمداد والتغليف ستكون الأقرب إلى تسريع الابتكار من دون التضحية بالضبط والجودة.