تصميم مختلف يعيد ترتيب أولويات الهواتف القابلة للطي
أعادت سامسونغ هذا العام التفكير في الشكل قبل أي شيء آخر. فبعد أن ركزت في الجيل السابق على تقليل السماكة، جاءت النسخة الجديدة من سلسلة Fold لتغيّر النسب نفسها، عبر هاتف أعرض من أي طراز سابق وأقصر في الطول، ليقترب في تكوينه من مساحة وسطى بين هواتف Flip وFold التقليدية. هذا التحول يمنح الجهاز حضوراً بصرياً غير مألوف، لكنه يهدف عملياً إلى تحسين الاستخدام في اليد وتقديم تجربة أقرب إلى الجهاز اللوحي الصغير عند فتحه.
ورغم أن هذا الشكل قد يبدو غريباً في الصور الأولى، فإن الانطباع المباشر عند الإمساك به مختلف إلى حد كبير. الهاتف لا يشعر بأنه نسخة متعثرة من هاتف مطوّي، بل كمنتج صُمم حول طريقة استخدام محددة: حمل مريح عند الإغلاق، ومساحة عرض أكثر فائدة عند الفتح.
كما أن أبعاد الهاتف الجديدة تجعله أقل طولاً من الأجيال السابقة وبسماكة ما زالت نحيفة نسبياً، وهو ما يضعه في فئة من الأجهزة التي تحاول موازنة الأناقة مع قابلية الاستخدام اليومي، بدلاً من الاكتفاء بإظهار التفوق الهندسي فقط.
نسختان تحملان فلسفتين مختلفتين
الأكثر لفتاً للانتباه في الجيل الجديد أن سامسونغ لم تكتفِ بنسخة واحدة من Fold، بل قدمت توجهاً أكثر تعقيداً في الفئة نفسها. فهناك طراز يحمل اسم Ultra ويبدو الوريث الأقرب للمفهوم التقليدي لسلسلة Fold، مع شاشة داخلية أكثر قرباً من الشكل المربع المعتاد ونظام كاميرات ثلاثي في الخلف، إلى جانب تسعير أعلى يصل إلى 2099.99 دولار.
في المقابل، يأتي Fold 8 العادي بتصميم أعرض وشكل أقصر وكاميرات أقل، ما يجعله أقل شبهاً بهاتف إنتاجية وأكثر ميلاً إلى كونه جهازاً مخصصاً لاستهلاك المحتوى. وسعره البالغ 1899.99 دولار يجعله أقل كلفة من النسخة الأعلى، لكن الفارق لا يعني بالضرورة أنه خيار اقتصادي، بل أقرب إلى اختيار مختلف في الفئة نفسها.
هذا التقسيم يعكس محاولة واضحة من سامسونغ لإعادة تعريف السوق: نسخة لمن يريد قوة تعدد المهام والشاشة الأقرب إلى مكتب متنقل، ونسخة أخرى لمن يريد تجربة مريحة للقراءة ومشاهدة الفيديو والألعاب دون التضحية كثيراً بخفة الحمل.
شاشة بنسبة 4:3 وتجربة أقرب إلى التابلت
الشاشة الداخلية في Fold 8 تعتمد نسبة أبعاد 4:3، وهي ليست شاشة عريضة بالمعنى التقليدي، لذلك سيظل هناك شريط أسود أعلى وأسفل عند تشغيل معظم مقاطع الفيديو. لكن الفرق هنا أن المساحة المعروضة أصبحت أكثر فائدة من هواتف سامسونغ القابلة للطي السابقة، إذ لم يعد فتح الجهاز يشبه فقط تدوير الهاتف على جانبه، بل يوفر فعلياً مساحة عرض إضافية يمكن استغلالها في مشاهدة المحتوى أو اللعب.
هذا التغيير يجعل الهاتف يبدو أقل شبهاً بهاتف ذكي عادي قابل للطي وأكثر قرباً من جهاز لوحي بحجم مدمج. وفي التطبيقات اليومية، يترجم ذلك إلى واجهة أوسع للقراءة، ومساحة أفضل للصور والفيديو، وتجربة ألعاب أكثر ملاءمة للشاشة الأفقية. كما أن وزن الجهاز الذي يبلغ 201 غرام يجعله خفيفاً بما يكفي للإمساك به بيد واحدة لفترات أطول مقارنة بأجهزة أكبر حجماً.
أما الشاشة الخارجية، فاختصار الطول أعطاها ميزة غير متوقعة: أصبحت أسهل في الاستخدام بيد واحدة من بعض الهواتف الضخمة التقليدية. وهذا مهم لأن كثيراً من مستخدمي الأجهزة القابلة للطي يقضون معظم وقتهم في الوضع المغلق، لا المفتوح.
المعالج والذكاء الاصطناعي يواصلان دفع التجربة للأمام
من الناحية التقنية، يعتمد الهاتف على معالج Snapdragon 8 Elite Gen 5 الذي طُوّر بالتعاون مع سامسونغ، ما يضعه في مستوى الهواتف الرائدة الحالية من حيث الأداء. ويأتي ذلك مع شاشة OLED بتحديث 120 هرتز وسطوع يصل إلى 3000 شمعة، إضافة إلى طبقة جديدة مضادة للانعكاس تقلل الوهج وتساعد على الرؤية في الإضاءة القوية.
كما يدعم الجهاز مجموعة من وظائف الذكاء الاصطناعي الجديدة التي أصبحت جزءاً أساسياً من هوية هواتف الشركة الحديثة. ومن أبرزها ميزة Gemini Intelligence لتنفيذ المهام عبر التطبيقات، إلى جانب خاصية Now Nudge التي تقدم اقتراحات استباقية، مثل تذكير المستخدم بإضافة حدث إلى التقويم أو إرسال بريد إلكتروني في الوقت المناسب. هذه الأدوات تعكس انتقال سامسونغ من مجرد إضافة ميزات ذكية إلى بناء طبقة برمجية تحاول فهم سياق الاستخدام.
وتبدو هذه الخطوة مهمة في سوق الهواتف القابلة للطي، لأن القيمة لم تعد تعتمد على الشكل وحده، بل على مدى قدرة الجهاز على تحويل المساحة الإضافية إلى إنتاجية فعلية.
بطارية سيليكون-كربون بحذر واضح
للمرة الأولى، تدخل سامسونغ عالم بطاريات السيليكون-كربون، وهي تقنية تسمح برفع الكثافة الطاقية ضمن مساحة أصغر مقارنة بالخلايا التقليدية المبنية على الجرافيت. الفكرة جذابة، لأنها قد تتيح سعات أعلى دون زيادة كبيرة في الحجم، لكن هذه التقنية تحمل أيضاً تحديات مرتبطة باستقرار السيليكون وتغير سعته مع الوقت.
سعة البطارية في Fold 8 تبلغ 4800 مللي أمبير، وهي زيادة محدودة مقارنة بالجيل السابق الذي جاء بسعة 4400 مللي أمبير. وهذه الزيادة تبدو متحفظة إذا ما قورنت ببعض المنافسين الذين دفعوا بهذه التقنية إلى مستويات أعلى بكثير. لكن الحذر هنا ليس غريباً على سامسونغ، التي ما زالت تتعامل بحساسية شديدة مع كل ما يتعلق بسلامة البطاريات بعد أزمة Galaxy Note 7.
وتقول الشركة إن الهدف ليس رفع السعة فقط، بل تحقيق توازن طويل المدى بين الأمان والأداء والاستقرار. ولهذا فإن البطارية الجديدة تمثل خطوة محسوبة أكثر من كونها قفزة ثورية، لكنها قد تكون بداية انتقال تدريجي في فلسفة الطاقة لدى الشركة.
الكاميرات تبتعد خطوة عن الطموح
رغم التحسينات في الشكل والشاشة والبطارية، فإن الكاميرا تبقى النقطة الأكثر إثارة للجدل. الهاتف الجديد يكتفي بكاميرتين خلفيتين فقط، من دون عدسة تقريب تيليفوتو، وهو ما يعني عملياً تقليصاً واضحاً في قدرات التصوير مقارنة ببعض الأجيال السابقة. وتستخدم كلتا العدستين الخلفيتين مستشعرات بدقة 50 ميغابكسل، وهو رقم جيد على الورق، لكنه لا يضمن بالضرورة أداءً أفضل من المستشعر الرئيسي الأعلى دقة في الجيل الماضي.
هذا التراجع يضع الهاتف في موقف أصعب، خاصة أن كاميرات الهواتف القابلة للطي غالباً ما كانت بالفعل أقل إقناعاً من كاميرات الهواتف المسطحة الرائدة. وفي هذا الجيل، يبدو أن سامسونغ فضلت الشكل الجديد وخفة الجهاز على حساب التكامل الفوتوغرافي.
وبينما قد لا يرى بعض المستخدمين في ذلك مشكلة كبيرة إذا كان استخدامهم يركز على الفيديو والقراءة والتعدد بين التطبيقات، فإن من يعتمد على الهاتف كأداة تصوير أساسية سيشعر بأن التنازل هنا واضح.
مستوى الحماية والمفصلة ما زالا في منطقة وسطى
رغم التحسينات في البنية الداخلية، لا يزال مستوى الحماية عند IP48، وهو معيار يفتقر إلى الحماية الشاملة من الغبار التي بدأت تظهر في بعض الهواتف المنافسة. كما أن طبقة الشاشة الجديدة المصنوعة جزئياً من التيتانيوم وتعديل المفصلة حسّنا تجربة الفتح والإغلاق، لكنهما لم يلغيا بشكل كامل أثر الثنية في منتصف الشاشة كما في بعض الأجهزة الصينية المنافسة.
في المقابل، أضافت سامسونغ مغناطيسات جديدة تجعل الفتح بيد واحدة أسهل، وتمنح الإغلاق إحساساً أكثر إحكاماً. ومع ذلك، ما تزال الشركة مترددة في إدماج المغناطيسات الداخلية اللازمة لدعم شحن Qi2 الكامل، وهي نقطة قد تبدو صغيرة لكنها مهمة للمستخدمين الذين ينتظرون منظومة شحن وملحقات أكثر اتساقاً.
هل يمكن أن يصبح هذا الشكل هو مستقبل الفولدابل؟
السؤال الأهم ليس ما إذا كان Fold 8 مختلفاً، بل ما إذا كان هذا الاختلاف مفيداً على المدى الطويل. الانطباع الأولي يوحي بأن سامسونغ قد تكون وجدت صيغة أكثر نضجاً لبعض الاستخدامات، خصوصاً القراءة ومشاهدة الفيديو والتنقل الخفيف بين التطبيقات. كما أن الهاتف قد ينجح في إقناع من يريد استبدال التابلت بجهاز واحد يمكن وضعه في الجيب.
لكن الحكم النهائي يظل معلقاً على أمور كثيرة: توافق التطبيقات مع الشاشة الأقصر، راحة الاستخدام داخل الغطاء أو الحافظة، وأداء الكاميرات الفعلي في الظروف المختلفة. وفوق كل ذلك، يبقى السعر المرتفع عائقاً واضحاً أمام انتشار هذا النوع من التصاميم على نطاق واسع.
ما يمكن قوله الآن أن سامسونغ لم تقدم مجرد تحديث سنوي تقليدي، بل اختبرت فكرة جديدة داخل واحدة من أهم سلاسلها. وإذا نجح هذا الرهان، فقد نشهد مرحلة تعود فيها الهواتف القابلة للطي إلى التنوع الحقيقي في الشكل والاستخدام، لا إلى تكرار نفس الصيغة مع تحسينات طفيفة فقط.