أطلقت المؤسسة الوطنية للعلوم الأميركية برنامجاً جديداً بقيمة 100 مليون دولار يهدف إلى إنشاء مراكز إقليمية وبنيوية للذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، في خطوة تعكس سعي واشنطن إلى توسيع الوصول إلى قدرات الحوسبة والبيانات والخبرة التقنية خارج المراكز البحثية الكبرى.
ويستند البرنامج، الذي يحمل اسم مراكز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات والمناطق، إلى نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع توقع مشاركة جامعات وجهات حكومية محلية وإقليمية ومؤسسات خيرية وشركات تكنولوجيا في تأسيس هذه المراكز وتشغيلها.
وتشير الخطة إلى تمويل ما يصل إلى 10 اتحادات إقليمية أو على مستوى الولايات، بحيث يحصل كل إقليم أو ولاية على منحة واحدة فقط في الجولة الأولى. أما التمويل الفيدرالي فسيُستخدم أساساً لدعم التنسيق بين الشركاء، وتطوير القوى العاملة، وتدريب أعضاء الهيئات التدريسية، بينما تتولى الجهات الشريكة توفير البنية المادية اللازمة من حوسبة وعمليات تشغيل.
تركيز على توسيع الوصول إلى موارد الذكاء الاصطناعي
تقول المؤسسة إن الهدف من المبادرة هو تمكين الباحثين والطلاب والمعلمين الذين لا يملكون حالياً وصولاً كافياً إلى موارد الحوسبة المتقدمة اللازمة لأبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم المدعومة به. وبحسب التصور المعلن، ستعمل هذه المراكز كطبقة وسيطة تربط بين الطلب البحثي المتزايد وبين موارد الحوسبة المتمركزة في عدد محدود من المؤسسات.
ويعكس هذا التوجه مشكلة معروفة في المشهد البحثي الأميركي، إذ تتركز القدرة الحاسوبية الضخمة في عدد من المختبرات والشركات، بينما تظل كثير من الجامعات، حتى المرموقة منها، بحاجة إلى بنى تقنية أكثر تطوراً لدعم أبحاث النماذج والخوارزميات والعلوم الحسابية.
وفي بيانها، شددت المؤسسة على أن الذكاء الاصطناعي يغير طريقة تنفيذ الأبحاث وتسريع الاكتشاف العلمي ومواجهة التحديات المعقدة عبر التخصصات المختلفة، معتبرة أن الاستثمار في هذه المراكز سيمنح الباحثين والطلاب والمجتمعات أدوات أوسع للمشاركة في العلوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
شراكات صناعية بقيادة NVIDIA وAMD وIntel وDell
من بين الشركاء الصناعيين الذين أبدوا استعدادهم لدعم البرنامج شركات NVIDIA وAMD وIntel وDell Technologies، إلى جانب جهات أخرى مثل Hangar وصندوق Secunda Innovation Fund. وتقول المؤسسة إنها ترحب بانضمام مؤسسات إضافية إلى المبادرة.
وبحسب الطرح المعلن، ستقدم NVIDIA موارد تدريبية، ودعماً للمعلمين، ومحتوى عملياً للتعلم التطبيقي، وإرشادات تقنية، ومنصات شريكة للمراكز المشاركة. ويعكس ذلك اتجاهاً متنامياً لدى شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي نحو الانتقال من بيع العتاد فقط إلى تقديم منظومات متكاملة تشمل التدريب والوصول إلى الأدوات وتطوير الكفاءات.
هذا النوع من التعاون يكتسب أهمية خاصة في الولايات المتحدة، حيث تتجاوز حاجة الذكاء الاصطناعي مجرد شراء المسرعات والمعالجات، لتشمل أيضاً الشبكات، والتخزين، والبرمجيات الوسيطة، وإدارة البيانات، والتأهيل الأكاديمي والمهني للباحثين والمهندسين.
نموذج تجريبي سابق في جامعة فلوريدا
تشير NVIDIA إلى أن ملامح هذا البرنامج تستند جزئياً إلى تجربة سابقة بدأت في 2020 بالشراكة مع جامعة فلوريدا، حين تعاونت الشركة مع مؤسسها المشارك كريس مالاشوفسكي لتحويل الجامعة إلى ما تصفه الشركة بأول جامعة أميركية حقيقية للذكاء الاصطناعي، مع توسيع الوصول إلى الحوسبة لكل جامعات فلوريدا العامة.
ومنذ ذلك الوقت، توسعت جامعة فلوريدا لتضم أكثر من 300 عضو هيئة تدريس يركزون على الذكاء الاصطناعي، كما دمجت هذه التقنيات في كلياتها الست عشرة، وحصلت على أكثر من 511 مليون دولار من منح الأبحاث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي منذ 2017.
وتقدم هذه التجربة نموذجاً عملياً لما يمكن أن تفعله الشراكات الإقليمية حين يتم الجمع بين التمويل، والبنية التحتية، والتكامل المؤسسي، والتدريب الأكاديمي المستمر. كما تمنح البرنامج الجديد مرجعية قابلة للتكرار في ولايات ومناطق أخرى.
الاستفادة من برنامج NAIRR وتوسيع الوصول البحثي
يرتبط البرنامج الجديد أيضاً بمشروع وطني سابق هو التجربة التجريبية لمورد الأبحاث الوطني للذكاء الاصطناعي، وهي مبادرة تقودها المؤسسة الوطنية للعلوم بهدف توسيع وصول المجتمع البحثي إلى موارد الحوسبة والبيانات والخدمات التقنية.
وخلال عامين، دعمت هذه التجربة أكثر من 700 مشروع بحثي في مجالات تمتد من التنبؤ بالبروتينات إلى إدارة تفشيات الأمراض المعدية، بحسب ما ورد في حساب NVIDIA لدورها في البرنامج. وقدمت الشركة دعماً عملياً من خلال موارد سحابية تتيح للفرق البحثية وصولاً مخصصاً إلى ما لا يقل عن أربعة عُقد DGX لمدة شهر واحد على الأقل، مع دعم في عملية الإعداد.
كما استخدم فريق من جامعة ميشيغان عنقوداً مكوناً من 40 وحدة معالجة رسومية من فئة DGX لتدريب نماذج جزيئية تأسيسية، مع إضافة 200 ألف ساعة GPU على حاسوب بولاريس في مختبر أرجون الوطني، ما يوضح حجم الطلب الفعلي على الموارد المتقدمة حين تتاح للفرق الأكاديمية.
تصميم مرن للمراكز بحسب احتياجات كل منطقة
لا تفرض المؤسسة نموذجاً هندسياً واحداً على هذه المراكز، بل تترك للاتحادات الإقليمية حرية اختيار البنية المناسبة لها. ويمكن أن تعتمد هذه المراكز على أنظمة محلية داخلية، أو على الحوسبة السحابية، أو على مزيج من الاثنين، وفقاً لأولوياتها الاقتصادية والبحثية.
وفي هذا التوزيع للأدوار، يتولى التمويل الفيدرالي دعم الكوادر التنسيقية والمختصين في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أي الأشخاص القادرين على مساعدة الباحثين في تشغيل الموارد وتحويلها إلى نتائج علمية قابلة للقياس، بينما تتكفل الشراكات المحلية بشراء وتشغيل البنية المادية.
هذا النموذج يهدف إلى جعل الاستثمار أكثر مرونة، بحيث لا يُبنى على مركزية مفرطة، بل على شبكات إقليمية قادرة على النمو بحسب الطلب في كل ولاية أو منطقة.
صلة بالمبادرات الوطنية الأوسع في الذكاء الاصطناعي للعلوم
يأتي البرنامج متسقاً مع تقرير حديث بعنوان Science: A New Golden Age صدر في يوليو 2026 عن مدير مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض مايكل كراتسيوس، والذي دعا إلى توسيع البنية التحتية البحثية من الطراز العالمي.
كما يتقاطع مع مذكرة أولويات البحث والتطوير للسنة المالية 2028 التي شددت على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من أجل العلوم باعتباره مهمة وطنية. وفي هذا السياق، قال كراتسيوس إن الشركاء الإقليميين الذين يتقاسمون فوائد الاكتشاف سيجمعون مواردهم لفتح الوصول إلى الحوسبة على نطاق لا يستطيع أي طرف منفرد، ولا حتى برنامج فيدرالي واحد، تحقيقه وحده.
وتعزز هذه التصريحات الفكرة الأساسية وراء البرنامج: بناء منظومة موزعة لا تعتمد فقط على المختبرات المركزية أو الشركات الكبرى، بل على شبكة تعاون أوسع تربط الجامعات بالحكومات المحلية والقطاع الصناعي.
ما الذي يعنيه البرنامج للمرحلة المقبلة
البرنامج لا يزال في مرحلة الإطلاق، وقد أُحيلت التفاصيل التنفيذية إلى طلب التمويل NSF 26-513، مع توجيه الجهات المهتمة إلى فريق البرنامج للحصول على مزيد من المعلومات. وهذا يعني أن معايير الاختيار، وتوزيع الأقاليم، وأنواع البنية التي ستحصل على التمويل، ستتضح أكثر مع أول دفعة من المنح.
لكن الأثر الأوسع يبدو واضحاً: الولايات المتحدة تحاول تقليص الفجوة بين أماكن وجود الباحثين وأماكن وجود الحوسبة. وإذا نجح هذا النموذج، فقد يتحول إلى إطار دائم يغير طريقة تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الجامعات والمناطق البحثية الأقل حظاً.
كما أن جانب القوى العاملة قد يكون بنفس أهمية الأجهزة نفسها، إذ تشجع المؤسسة المراكز على الارتباط بمبادرة TechAccess: AI-Ready America لتعزيز التدريب والتأهيل، بينما تقول NVIDIA إن دورها التعليمي سيتضمن برامج قابلة للتكرار تشمل مسارات دراسية وشهادات قصيرة ومؤهلات تراكمية في مجالات مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي الفيزيائي والرعاية الصحية والطاقة والزراعة والتصنيع والحوسبة الكمية والأمن السيبراني.
في المحصلة، يمثل البرنامج محاولة عملية لإعادة توزيع أدوات الذكاء الاصطناعي على الخريطة البحثية الأميركية، بحيث لا تبقى القدرة على الابتكار مرتبطة فقط بالمراكز الأكثر ثراءً، بل تصبح جزءاً من بنية وطنية أوسع وأكثر توازناً.