الذكاء الاصطناعي والتقنية 27-Feb-2026 6 دقائق قراءة

جوجل تطلق Gemini Spark لمهام الذكاء الاصطناعي المستمرة والتحكم في البريد والشراء

أعلنت جوجل عن Gemini Spark، وكيل ذكاء اصطناعي يعمل عبر السحابة لتنفيذ مهام مثل صياغة البريد الإلكتروني ومراجعة الوارد وإنشاء المستندات، مع خطط لاحقة لتمكينه من إجراء عمليات شراء ضمن ضوابط يحددها المستخدم.

جوجل تدخل مرحلة جديدة في سباق وكلاء الذكاء الاصطناعي

كشفت جوجل عن Gemini Spark، وهو وكيل ذكاء اصطناعي شخصي صُمم لتنفيذ المهام بصورة مستمرة عبر السحابة، بما يشمل صياغة الرسائل، وتجميع المستندات، ومراقبة صندوق البريد، مع إمكانية توسيع دوره لاحقاً ليصل إلى تنفيذ عمليات شراء ضمن شروط يحددها المستخدم مسبقاً. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسارع فيه كبرى شركات التقنية إلى بناء أنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تنجز المهام متعددة الخطوات من البداية إلى النهاية.

الإعلان جاء خلال فعاليات Google I/O 2026، ويعكس تحوّلاً واضحاً في استراتيجية جوجل تجاه الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن يظل المساعد أداة تفاعلية تنتظر الأوامر، تريد الشركة أن يتحول إلى نظام يعمل بشكل شبه دائم، ويستمر في إنجاز المطلوب حتى عندما يكون جهاز المستخدم مغلقاً أو هاتفه غير متصل بالاستخدام المباشر.

وتراهن جوجل على أن القيمة الحقيقية للمساعدات الذكية لم تعد في الرد السريع فقط، بل في القدرة على تحويل الأوامر إلى نتائج عملية قابلة للاستخدام في العمل والحياة اليومية.

كيف يعمل Gemini Spark في الخلفية

يعتمد Gemini Spark على بنية سحابية تجعله مختلفاً عن كثير من المساعدات التقليدية. فهو لا يعمل فقط عندما يكتب المستخدم سؤالاً أو طلباً، بل يبقى نشطاً على خوادم جوجل، ما يسمح له بمتابعة المهمة حتى بعد ابتعاد المستخدم عن الجهاز.

وتقول جوجل إن Spark يستند إلى نموذج Gemini 3.5 Flash، إلى جانب نظام وكيل داخلي يحمل اسم Antigravity. وبفضل هذا التركيب، يستطيع النظام التعامل مع تعليمات معقدة تتطلب أكثر من خطوة، مثل إعداد رسالة بريدية تتضمن أرقاماً من جدول بيانات ومعلومات من عرض تقديمي ثم إرسال صيغة نهائية جاهزة للمراجعة.

الفكرة الأساسية هنا أن المستخدم لن يحتاج إلى التنقل بين التطبيقات وتنفيذ كل خطوة يدوياً. بدلاً من ذلك، يمكنه تكليف Spark بجمع المعلومات من البريد والمستندات والتقويم، ثم تلخيصها أو تحويلها إلى مخرجات جاهزة للاستخدام.

هذا النوع من التشغيل يجعل Spark أقرب إلى مساعد تنفيذي رقمي منه إلى روبوت محادثة تقليدي. وهو نموذج يراهن على زيادة الإنتاجية وتقليل الوقت الضائع في الأعمال الروتينية المتكررة.

التوسع التدريجي نحو المهام اليومية والشراء

في مرحلته الأولى، سيبدأ Spark الوصول إلى مجموعة محدودة من المختبرين الموثوقين، على أن تتاح نسخة تجريبية لمشتركي Google AI Ultra في الولايات المتحدة خلال الفترة التالية. لكن جوجل لا تخطط للتوقف عند هذه المرحلة، بل تعمل على توسيع قدرات النظام خلال الأشهر المقبلة.

وتشمل الخطط ربط Spark بأكثر من 30 خدمة خارجية عبر بروتوكول MCP، من بينها Canva وOpenTable وInstacart. كما ستضيف الشركة إمكانية إرسال التعليمات إلى Spark عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني، إلى جانب إنشاء وكلاء فرعيين لمهام متخصصة وربطه بمتصفح Chrome لتنفيذ إجراءات على الويب.

وفي وقت لاحق من هذا العام، تعتزم جوجل طرح واجهة جديدة على أندرويد باسم Android Halo، تتيح عرضاً مباشراً لما يعمل عليه Spark في أعلى شاشة الهاتف. هذه الإضافة تبدو مهمة لأنها تنقل الذكاء الاصطناعي من واجهة محادثة منفصلة إلى طبقة تشغيل دائمة تظهر للمستخدم أثناء استخدامه للهاتف.

أما الخطوة الأكثر حساسية فتتعلق بالشراء. فعلى الرغم من أن Spark لن ينفذ عمليات شراء تلقائياً عند الإطلاق، فإن جوجل تبني الأساس التقني لما تسميه Agent Payments Protocol أو AP2، وهو نظام يتيح للوكلاء الذكيين تنفيذ المعاملات المالية ضمن حدود يحددها المستخدم بدقة.

ضوابط الدفع والحد من المخاطر

تدرك جوجل أن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى وكيل قادر على الإنفاق يطرح أسئلة مباشرة حول الثقة والأمان. لذلك ستبقى أي عملية مالية في البداية خاضعة لموافقة صريحة من المستخدم قبل الإتمام. ومع ذلك، فإن AP2 يوضح الاتجاه الذي تتحرك نحوه الشركة: نظام يستطيع فهم تفضيلات الشراء وحدود الميزانية والعلامات التجارية المفضلة، ثم إتمام الصفقة إذا انطبقت الشروط.

ويعتمد هذا الإطار على سجل رقمي قابل للتحقق يربط بين المستخدم والتاجر وجهة الدفع، مع آليات مصممة لحماية الخصوصية وتوثيق المعاملة بطريقة تمنع التلاعب. كما أن وجود سجل دائم يساعد في حال الاسترجاع أو النزاعات، لأن الطرفين سيعتمدان على نفس البيانات المرجعية.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوجل عن Universal Cart، وهي سلة شراء موحدة تعمل عبر خدمات ومنصات متعددة. ويمكن للمستخدم إضافة منتجات أثناء التصفح أو أثناء الدردشة مع Gemini أو حتى عبر Gmail وYouTube، ثم تتابع السلة العمل في الخلفية لرصد تغيّر الأسعار أو اكتشاف الخصومات أو تنبيه المستخدم إلى عدم توافق بعض المنتجات.

هذا التصور يشير إلى أن جوجل لا تطور مجرد مساعد ذكي، بل بنية تجارة رقمية تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي كوسيط بين المستهلك والمتجر.

السباق مع مايكروسوفت وأوبن إيه آي وأنثروبيك وآبل

إطلاق Gemini Spark يأتي وسط منافسة محتدمة بين اللاعبين الكبار في مجال الذكاء الاصطناعي. فالشركات الكبرى لم تعد تتنافس فقط على جودة النموذج اللغوي، بل على من ينجح في بناء وكيل موثوق يمكنه تنفيذ الأعمال فعلياً داخل منظومة المستخدم اليومية.

أوبن إيه آي دمجت قدرات التصفح والبحث في ChatGPT agent، بينما طورت أنثروبيك Claude Computer Use Agent ونسخة موجهة للعمل تسمى Claude Cowork يمكنها التعامل مع الملفات والتطبيقات المحلية. ومايكروسوفت بدورها تدفع Copilot نحو دور أكثر استقلالية داخل بيئة Microsoft 365، مع التركيز على تنظيم العمل المؤسسي.

أما آبل، فتعمل على نسخة محدثة من Siri يُتوقع أن تكون أكثر قدرة على التعامل مع التطبيقات والبيانات الشخصية، مع تركيز أكبر على المعالجة المحلية والخصوصية. وفي هذا المشهد، تملك جوجل أفضلية نسبية تتمثل في حجم خدماتها المتشابكة أصلاً مع حياة المستخدم: البريد، البحث، الخرائط، المستندات، التقويم، وكروم.

لكن هذه الأفضلية نفسها تتحول إلى مسؤولية أكبر، لأن الوكيل الذي يعرف الكثير عن المستخدم سيكون أيضاً الأكثر حساسية من ناحية الخصوصية والأمان.

قوة النموذج وسرعة التنفيذ جزء من المعادلة

ترى جوجل أن نجاح Spark لا يعتمد على الواجهة فقط، بل على النموذج الذي يديره. ولهذا تربط الشركة بين الوكيل الجديد ونموذج Gemini 3.5 Flash، الذي تقول إنه أسرع من نماذج منافسة في إنتاج الرموز النصية ويعمل بكفاءة مناسبة للمهام الطويلة والمتعددة.

وتشير جوجل إلى أن سرعة النموذج مهمة تحديداً عندما يعمل أكثر من وكيل في الوقت نفسه أو عندما تمتد المهمة لفترة طويلة. كما تؤكد أن نماذجها الداخلية تُستخدم على نطاق ضخم، ما يمنحها كمية كبيرة من التغذية الراجعة لتحسين الأداء باستمرار.

وتقدّر الشركة أن الاستخدام المؤسسي المكثف للذكاء الاصطناعي قد يحقق وفورات ضخمة في التكلفة، خاصة مع تقليل زمن التنفيذ وتحسين كفاءة المعالجة. وفي سوق أصبحت فيه ميزانيات الحوسبة والتوكنز تحت ضغط مستمر، يبدو عنصر السعر والسرعة مهماً بقدر أهمية الدقة.

الأسئلة المفتوحة حول الثقة والخصوصية

رغم الطموح الكبير، تظل هناك تحديات واضحة. أولها أن أي وكيل ذكي قد يخطئ في فهم الطلب، أو يلتقط معلومة خاطئة، أو يرسل بريداً إلى الشخص غير المقصود. ومع كل خطوة أكثر استقلالية، تزداد حساسية الأخطاء المحتملة.

كذلك، فإن قدرة Spark على الوصول إلى البريد والوثائق والتقويم والمحادثات تمنحه رؤية واسعة جداً لحياة المستخدم الرقمية. وتؤكد جوجل أن النظام يعمل في بيئة آمنة مع تشفير وضوابط لمنع تسريب البيانات، لكن حجم البيانات المجمعة في مكان واحد سيظل محل تدقيق من الباحثين والجهات التنظيمية.

هناك أيضاً سؤال يتعلق بسلوك المستخدم نفسه: هل الناس مستعدون فعلاً لتفويض المهام اليومية لنظام يعمل من تلقاء نفسه؟ فالكثير من المساعدات الرقمية السابقة وعدت بالاستباقية والراحة، لكنها اصطدمت بضعف الثقة وتكرار الأخطاء.

اختبار جوجل الحقيقي يبدأ بعد الإطلاق

ما تطرحه جوجل عبر Gemini Spark ليس مجرد إضافة جديدة إلى تطبيق Gemini، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المستخدم والذكاء الاصطناعي. فالشركة تريد أن ينتقل النظام من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الإنجاز، ومن دور الأداة المساندة إلى دور المنفذ المستمر.

غير أن نجاح هذه الرؤية لن يتوقف على قوة النموذج أو كثافة التكاملات فقط، بل على مدى استعداد المستخدمين لمنح النظام هذا القدر من الوصول والثقة. وفي عالم يتقدم بسرعة نحو وكلاء أذكياء يعملون نيابة عن الإنسان، يبقى السؤال الحاسم ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي المهمة؟ بل: هل سيوافق الناس على أن يتولى المهمة أصلاً؟