الذكاء الاصطناعي والتقنية 12-Jun-2026 5 دقائق قراءة

غوغل تواجه دعوى موسيقيين بشأن استخدام مقاطع يوتيوب لتدريب نموذج Lyria

تواجه غوغل دعوى من موسيقيين مستقلين يتهمونها باستخدام أغانٍ رُفعت على يوتيوب لتدريب نموذجها الموسيقي Lyria 3، بينما تتمسك الشركة بأن شروط الخدمة تمنحها ترخيصاً واسعاً لاستخدام المحتوى المرفوع.

تتصاعد المواجهة القانونية حول استخدام المحتوى المنشور على المنصات الرقمية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهذه المرة في قلبها غوغل ويوتيوب ونموذجها الموسيقي الجديد Lyria 3. فمجموعة من الموسيقيين المستقلين تتهم الشركة بأنها اعتمدت على أغانٍ رفعها فنانون إلى يوتيوب لتطوير نموذجها، وهي اتهامات تنفيها غوغل من ناحية الإثبات المباشر، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بأن شروط الاستخدام تمنحها الحق القانوني في الاستفادة من هذا المحتوى.

القضية تكشف مجدداً عن المنطقة الرمادية التي تحيط بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على البيانات المتاحة عبر الإنترنت. فبينما ترى شركات التقنية أن المحتوى الذي يرفعه المستخدمون يمكن أن يدخل ضمن الاستخدامات المسموح بها بموجب التراخيص الموقعة، يعتبر كثير من المبدعين أن هذا يفتح الباب أمام استغلال أعمالهم من دون موافقة صريحة أو تعويض واضح.

اتهامات باستخدام أعمال مرفوعة على يوتيوب

يقول المدعون، وهم موسيقيون مستقلون، إن أعمالهم التي نُشرت على يوتيوب استُخدمت في تدريب Lyria 3، وهو نموذج غوغل المتخصص في توليد الموسيقى. وتركز الدعوى على فكرة أن الشركة استفادت من مكتبة المحتوى الهائلة على المنصة من دون الحصول على إذن منفصل من أصحاب الحقوق.

في المقابل، ردت غوغل بطلب رسمي لرفض الدعوى، مؤكدة أن الاتهامات لا تستند إلى دليل يثبت أن الشركة دربت النموذج على هذه الأعمال تحديداً. وترى الشركة أن الشكوى تبقى، وفق صياغتها القانونية، مجرد افتراض غير مدعوم بأدلة تقنية أو وثائق مباشرة.

لكن دفاع غوغل لم يقتصر على التشكيك في الوقائع، بل انتقل إلى نقطة أكثر حساسية: شروط الخدمة. فالشركة تقول إن من يرفع محتوى إلى يوتيوب يمنح المنصة، وبالتالي غوغل، ترخيصاً واسعاً لاستخدام المحتوى، بما يشمل النسخ والتوزيع وإنشاء أعمال مشتقة منه. وبذلك، بحسب هذا المنطق، فإن استخدام المواد في سياق التدريب يقع ضمن الحقوق التي وافق عليها المستخدم مسبقاً.

غوغل تلتزم الصمت بشأن Lyria 3

اللافت أن غوغل لم تؤكد بشكل صريح أنها تستخدم مقاطع يوتيوب في تدريب Lyria 3، رغم أنها تحدثت علناً في مناسبات سابقة عن استخدام بعض محتوى المنصة لتحسين أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لها. هذا الامتناع عن التصريح المباشر يمنح الشركة مساحة قانونية أوسع، خصوصاً في ظل وجود دعوى منظورة أمام القضاء.

عملياً، يبدو أن الشركة تتبع استراتيجية دفاع مزدوجة: أولاً، لا يوجد ما يثبت أنها استخدمت أعمال المدعين بعينها؛ وثانياً، حتى لو ثبت ذلك، فإن بنود المنصة تمنحها الأساس القانوني اللازم. هذا النوع من الحجج شائع في الملفات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الشركات الحفاظ على هامش من الإنكار وعدم الإقرار الصريح، في انتظار ما ستنتهي إليه المحاكم.

وتزداد أهمية هذه القضية لأن Lyria 3 ليس مجرد مشروع تجريبي، بل جزء من سباق أوسع في تطوير نماذج قادرة على توليد موسيقى بجودة عالية. وكلما اتسع استخدام هذه النماذج، زادت الأسئلة حول مصادر البيانات التي بُنيت عليها، ومن يملك الحق في الاعتراض أو المطالبة بالتعويض.

تصريحات سابقة تعزز الشكوك

ورغم امتناع غوغل عن تقديم إجابة مباشرة في هذه القضية، فإن تصريحات سابقة من داخل يوتيوب وغوغل تعطي صورة أوضح عن الاتجاه العام. فقد أشار نيل موهان، الرئيس التنفيذي ليوتيوب، في حديث سابق إلى أن جزءاً من المحتوى المنشور على المنصة قد يُستخدم داخلياً لتدريب نماذج مثل Gemini. كما أكدت الشركة في تدوينة لاحقة أنها تستخدم المحتوى المرفوع إلى يوتيوب لتحسين تجربة المستخدمين وصنّاع المحتوى عبر يوتيوب وغوغل، بما في ذلك تطبيقات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي.

كما أفادت غوغل في تصريحات إعلامية منفصلة بأنها توظف بعض المواد المرفوعة على يوتيوب لتدريب Gemini وVeo، ما يجعل من الصعب الفصل تماماً بين نماذج الشركة المختلفة وبين مصادر البيانات المشتركة التي تعتمد عليها. ومع ذلك، لا تزال الشركة تتجنب الربط العلني والمحدد بين يوتيوب وLyria 3، وهو ما يفسر جانباً من الجدل الحالي.

ترخيص المنصة وحدود الموافقة

جوهر النزاع لا يتعلق فقط بما إذا كانت غوغل استخدمت المواد فعلاً، بل بما إذا كانت شروط يوتيوب تمنحها أساساً قانونياً كافياً لفعل ذلك. فالشركة تستند إلى بند يتيح لها، عند رفع المحتوى، حقوقاً واسعة تشمل إعادة الإنتاج وإنشاء أعمال مشتقة. ومن منظورها، فإن التدريب على نماذج الذكاء الاصطناعي قد يندرج ضمن هذا الإطار.

لكن هذا التفسير يفتح باباً أكبر للسؤال عن مدى فهم المستخدم العادي لتلك البنود عند رفع المحتوى. فالموسيقيون الذين ينشرون أعمالهم على يوتيوب قد يعتبرون أن هدف النشر هو الوصول إلى الجمهور، لا إدخال أعمالهم في دورة تدريبية لأنظمة توليد موسيقى جديدة. وهنا يظهر الخلاف بين القراءة القانونية الصارمة وبين التوقعات العملية للمبدعين.

القضية، إذاً، لا تخص غوغل وحدها. فهي تلامس سجالاً أوسع في قطاع التقنية حول من يملك البيانات، وكيف تُستخدم، وما إذا كانت موافقات الاستخدام العامة كافية لتغطية تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة التي لم تكن في ذهن المستخدمين عند رفع المحتوى.

ماذا تعني القضية لصناعة الذكاء الاصطناعي؟

إذا مضت الدعوى إلى الأمام، فقد تصبح واحدة من الملفات المرجعية في النزاعات المتعلقة بتدريب النماذج التوليدية على المحتوى الإبداعي. فالنتيجة لن تؤثر على غوغل فقط، بل قد ترسم حدوداً أوضح لشركات أخرى تعتمد على المحتوى المرفوع من المستخدمين لتطوير أدواتها.

في السنوات الأخيرة، أصبحت قضايا الذكاء الاصطناعي وحقوق النشر أكثر تعقيداً مع انتقال الشركات من جمع البيانات النصية والصور إلى مجالات أكثر حساسية مثل الموسيقى والصوت والفيديو. وكل مجال من هذه المجالات يحمل طبقة إضافية من الحقوق والتراخيص والاعتبارات الفنية، ما يجعل التسويات القانونية أكثر صعوبة.

وفي حالة الموسيقى تحديداً، يزداد الجدل لأن العمل الفني غالباً ما يكون نتاجاً مباشراً للجهد الإبداعي الفردي، ما يعزز مطالبة الفنانين بالتحكم في كيفية استخدامه لاحقاً. لذلك، فإن أي حكم أو تسوية في هذه القضية قد ينعكس على العلاقة بين المنصات الرقمية والمبدعين في المستقبل القريب.

خلاصة المشهد

حتى الآن، تحاول غوغل تجنب الإقرار الصريح باستخدام يوتيوب لتدريب Lyria 3، لكنها في الوقت ذاته تبني دفاعها على أن شروط الخدمة تمنحها هذا الحق. أما الموسيقيون، فيرون أن استخدام أعمالهم دون موافقة واضحة يتجاوز ما يمكن قبوله ضمن الاستخدام المعتاد للمنصة.

وبين هذين الموقفين، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل تكفي بنود المنصات العامة لمنح شركات الذكاء الاصطناعي حق تدريب نماذجها على أعمال إبداعية يرفعها المستخدمون؟ الإجابة قد لا تكون قانونية فقط، بل قد تحدد أيضاً مستقبل العلاقة بين الابتكار التقني وحقوق المبدعين.