الذكاء الاصطناعي والتقنية 06-May-2026 6 دقائق قراءة

جوجل تدمج Intrinsic رسمياً في استراتيجيتها للروبوتات الصناعية وتوسّع رهاناتها على الذكاء الاصطناعي الفيزيائي

أعلنت جوجل ضمّ Intrinsic، التابعة سابقاً لألفابت، إلى بنيتها الداخلية مع الإبقاء عليها كفريق مستقل يعمل مع DeepMind وGoogle Cloud. الخطوة تعكس تحركاً أوضح نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي والروبوتات الصناعية، في سوق قد يصل إلى مئات المليارات خلال العقد المقبل.

تحوّلت خطوة جوجل الأخيرة في مجال الروبوتات إلى إعلان أوضح عن نيتها التوسع في الذكاء الاصطناعي الفيزيائي داخل المصانع. فالشركة المالكة لـ Alphabet ضمّت Intrinsic، وهي شركة متخصصة في تطوير نماذج وبرمجيات تجعل الروبوتات الصناعية أسهل في الاستخدام، إلى هيكلها الداخلي بشكل رسمي، مع الإبقاء عليها ككيان منفصل يعمل عن قرب مع Google DeepMind وGoogle Cloud.

ولم يُكشف عن أي مقابل مالي في هذه الخطوة، لكن الرسالة الاستراتيجية تبدو واضحة: جوجل تريد أن تربط بين النماذج الذكية، وبرمجيات التشغيل، والبنية السحابية في حزمة واحدة تستهدف السوق الصناعي.

من مشروع بحثي إلى جزء من الخطة الأساسية

Intrinsic لم تظهر فجأة في محفظة جوجل. الشركة بدأت داخل مختبر X التابع لألفابت، وهو الذراع المعروف بالمشروعات الطموحة، قبل أن تتحول إلى شركة مستقلة مملوكة لألفابت في عام 2021 بعد خمس سنوات من التطوير. ومنذ البداية، كان هدفها تقليل التعقيد الذي يواجه المصانع عند تشغيل الروبوتات، خصوصاً في البيئات التي لا تمتلك فرقاً كبيرة من المهندسين المتخصصين.

ورغم أن أسعار الأذرع الروبوتية والمعدات الصناعية أصبحت أكثر قابلية للتبني، فإن عقبة البرمجة ما زالت كبيرة. كثير من الأنظمة تتطلب ساعات طويلة من التطوير اليدوي وكتابة أكواد معقدة تختلف من منصة إلى أخرى. وهنا يأتي دور منصة Flowstate التي تقدمها Intrinsic، وهي منصة عبر الويب تسمح ببناء تطبيقات روبوتية من دون الحاجة إلى آلاف الأسطر البرمجية.

المنصة صُممت لتكون محايدة من حيث العتاد والبرمجيات ونماذج الذكاء الاصطناعي، أي أنها تعمل كطبقة تشغيل أعلى من الروبوت نفسه. وهذا ما دفع الرئيسة التنفيذية لـ Intrinsic، ويندي تان وايت، إلى الإشارة إلى وصف شائع داخل الشركة يعتبرها أشبه بـ Android للروبوتات.

لماذا تتحرك جوجل الآن؟

التوقيت ليس عشوائياً. خلال الأشهر الأخيرة، كثّفت جوجل خطواتها في هذا المجال عبر مسار متدرج: استقطاب مسؤولين تنفيذيين من Boston Dynamics، وإطلاق حزمة تطوير برمجية مستقلة للروبوتات، ثم الآن دمج Intrinsic ضمن عملياتها المباشرة. هذه التحركات تشير إلى أن الشركة لا تتعامل مع الروبوتات الصناعية كمبادرة جانبية، بل كجزء من استراتيجية أوسع لتوسيع حضورها في الذكاء الاصطناعي المادي.

الفكرة الأساسية هنا أن جوجل أصبحت تملك عناصر متكاملة يمكن أن تخدم الشركات الصناعية في مكان واحد: نماذج Gemini وقدرات DeepMind، وأدوات نشر وتشغيل من Intrinsic، وبنية سحابية من Google Cloud. هذا التكامل قد يمنحها أفضلية أمام المنافسين الذين يقدّمون عادةً جزءاً واحداً فقط من هذه المنظومة.

كما أن الشراكات المرتبطة بهذا الاتجاه بدأت تتسع. ففي الفترة الأخيرة تعاونت جوجل مع Boston Dynamics لدمج Gemini في روبوتات Atlas البشرية الموجهة لبيئات التصنيع، فيما انتقل مدير التكنولوجيا السابق في Boston Dynamics إلى Google DeepMind في نوفمبر. هذه الخطوات المتتابعة توحي بأن الشركة تبني قدراتها من عدة مسارات في الوقت نفسه، ثم تجمعها داخل هيكل واحد.

سوق ضخم وفرصة صناعية طويلة المدى

الرهان لا يتعلق فقط بالتقنية، بل بحجم السوق أيضاً. تقديرات McKinsey تشير إلى أن سوق الروبوتات متعددة الأغراض قد يصل إلى 370 مليار دولار بحلول عام 2040. هذا الرقم يوضح لماذا تسعى شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تثبيت موطئ قدم مبكر في هذا المجال قبل أن تتحول تطبيقاته إلى معيار في المصانع والمستودعات وسلاسل الإمداد.

ومن منظور الشركات الصناعية، القيمة الحقيقية لا تكمن في الروبوت نفسه، بل في سهولة نشره وتعديله وتوسيع استخدامه. كلما انخفضت الحاجة إلى التكويد اليدوي والتدخلات المعقدة، أصبح من الأسهل على المصانع إدخال الأتمتة إلى خطوط إنتاج جديدة أو تعديل الأنظمة القائمة بسرعة أكبر.

وهنا تبدو Intrinsic مناسبة تماماً لهذا الدور، لأنها لا تبيع مجرد ذراع آلية أو نموذج ذكاء اصطناعي منفصل، بل طبقة عمل قادرة على ربط الحساسات، وفهم البيئة، واتخاذ القرار، وتنفيذ الحركة. ومع وجود Gemini وDeepMind في الخلفية، قد تحصل هذه الطبقة على قدرات أفضل في الإدراك والتحليل والاستجابة للتغيرات داخل المصنع.

ما الذي يعنيه ذلك للشركات والمؤسسات؟

بالنسبة إلى مسؤولي التقنية والعمليات في الشركات الكبرى، الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة هي خفض حاجز الدخول إلى الروبوتات الصناعية الذكية. إذا تمكنت جوجل من توحيد أدوات التطوير مع النماذج الذكية والبنية السحابية، فقد يصبح تصميم التطبيقات الروبوتية أسهل وأسرع من السابق، خاصة في البيئات التي تحتاج إلى التعامل مع بيانات حسية متغيرة وقرارات تشغيل معقدة.

Intrinsic كانت قد وسعت حضورها أيضاً عبر الاستحواذ على Open Source Robotics Corp. في 2022، وهي الذراع التجارية التابعة للجهة التي تقف وراء نظام التشغيل الشهير للروبوتات ROS. هذا يعزز مكانتها داخل منظومة الروبوتات المفتوحة ويمنحها اتصالاً أوثق بالمجتمع التقني الذي يعتمد على هذا المعيار على نطاق واسع.

كما أن للشركة نشاطاً تجارياً عملياً بالفعل. ففي أكتوبر 2025، أعلنت Intrinsic شراكة استراتيجية مع Foxconn لتطوير روبوتات ذكية متعددة الاستخدامات بهدف دعم الأتمتة الكاملة للمصانع في قطاع تصنيع الإلكترونيات. هذا يعني أن الحديث لا يدور عن رؤية نظرية فقط، بل عن مسار تجاري بدأ يتشكل في بيئة التصنيع الفعلية.

بالنسبة إلى جوجل، فإن ضم Intrinsic إلى الداخل لا يبدو مجرد إعادة تنظيم إداري. إنه إشارة إلى أن الشركة تريد نقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى أرض المصنع، ومن توليد النصوص والصور إلى تشغيل الآلات والروبوتات في العالم الحقيقي.

قراءة في الخطوة التالية

إذا نجحت جوجل في ربط هذه المكونات الثلاثة - النماذج الذكية، ومنصة التشغيل، والبنية السحابية - فقد تصبح من أبرز اللاعبين في الجيل القادم من الأتمتة الصناعية. ومع أن السوق لا يزال في مراحله المبكرة نسبياً، فإن الجمع بين DeepMind وGemini وGoogle Cloud وIntrinsic يمنح الشركة موقعاً تنافسياً نادراً.

ما يجعل هذه الخطوة لافتة هو أنها تتجاوز فكرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي كبرمجيات، إلى الاستثمار فيه كقوة تشغيلية داخل المصانع. وفي وقت تبحث فيه الشركات عن تقليل التكلفة ورفع الكفاءة وتوسيع الأتمتة، يبدو أن جوجل تريد أن تقدم نفسها بوصفها المزود القادر على تشغيل هذه المرحلة الجديدة.