الكرملين يعيد طرح الطاقة الروسية كخيار لأوروبا
في ظل تصاعد التقلبات في أسواق الطاقة العالمية، عاد الكرملين إلى الترويج لفكرة أن أوروبا ما زالت بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين لتأمين إمداداتها وتخفيف الضغوط الناجمة عن اضطراب الإمدادات. ويستند هذا الطرح إلى أن الحرب في الشرق الأوسط وما نتج عنها من مخاوف بشأن الشحنات النفطية وطرق الإمداد البحرية رفعت مستويات القلق لدى المستوردين الأوروبيين.
وقال المبعوث الاقتصادي للكرملين كيريل دميترييف إن القارة الأوروبية لا تزال تحتاج إلى مصادر الطاقة الروسية إذا كانت تريد تجاوز ما وصفه بأزمة طاقة مرشحة للتفاقم. ورأى أن إعادة تدفقات النفط والغاز من روسيا قد تصبح جزءاً من أي معادلة تبحث عنها الأسواق لضمان الاستقرار.
وتعكس هذه التصريحات رغبة موسكو في استثمار حالة عدم اليقين الراهنة لإعادة تقديم نفسها مورداً أساسياً لا يمكن تجاهله، رغم أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا والاتحاد الأوروبي شهدت تدهوراً كبيراً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
اضطراب الشرق الأوسط يضغط على الأسواق
تزامنت تصريحات المسؤول الروسي مع موجة جديدة من القلق في أسواق الطاقة، بعد تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وما صاحب ذلك من مخاوف بشأن أمن الشحنات ومرور الناقلات عبر الممرات البحرية الحساسة. وأشار دميترييف إلى أن العالم يقترب من أزمة طاقة جديدة، معتبراً أن التوترات الإقليمية قد تنعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، برزت هشاشة سلاسل الإمداد مجدداً، إذ إن أي تعطّل في أحد الممرات الاستراتيجية أو أي توسع في الصراع قد ينعكس على تكلفة الشحن والتأمين، ثم على أسعار الوقود والغاز والكهرباء في أوروبا وغيرها من الأسواق المستوردة.
ورغم أن أوروبا نجحت خلال السنوات الماضية في تنويع جزء من وارداتها، فإن اعتمادها على السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال جعلها أكثر حساسية لأي صدمة في العرض أو الطلب، خصوصاً خلال فترات الذروة الموسمية.
موقف أوروبي متشدد رغم ارتفاع الواردات
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فرض الغرب حزمة واسعة من العقوبات على قطاع الطاقة الروسي، في محاولة لتقليص قدرة موسكو على تمويل حربها. ومع ذلك، واصلت بعض الدول الأوروبية استيراد الغاز الروسي، لا سيما الغاز الطبيعي المسال، بسبب محدودية البدائل السريعة وتباين قدرات التخزين والبنية التحتية بين دول الاتحاد.
وتشير بيانات السوق إلى أن واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال الروسي خلال الربع الأول من عام 2026 سجلت مستوى هو الأعلى منذ عام 2022، وهو ما يكشف استمرار التداخل بين الأهداف السياسية ومتطلبات الأمن الطاقي. وتظل روسيا، وفق هذا الواقع، ثاني أكبر مزود للغاز إلى الاتحاد الأوروبي رغم القيود والعقوبات.
لكن المسار السياسي في بروكسل ما زال يميل إلى التشدد. فالاتحاد الأوروبي يعتزم حظر واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي اعتباراً من العام المقبل، كما يرفض حتى الآن أي حديث عن تخفيف العقوبات المفروضة على موسكو. ويأتي هذا الموقف في إطار محاولة تقليص الاعتماد طويل الأمد على الطاقة الروسية، حتى لو كانت الكلفة قصيرة الأجل أعلى على بعض الاقتصادات الأوروبية.
الطاقة تتحول إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية
أصبحت الطاقة خلال السنوات الأخيرة أداة تفاوض سياسي لا تقل أهمية عن كونها سلعة اقتصادية. فموسكو ترى أن لديها القدرة على العودة إلى السوق الأوروبية إذا تبدلت الظروف السياسية، بينما تعتبر بروكسل أن خفض الاعتماد على روسيا شرط أساسي لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
وفي المقابل، تدفع بعض التطورات العالمية نحو زيادة التعقيد، سواء من خلال اضطراب إمدادات النفط أو ارتفاع أسعار الغاز أو تزايد كلفة الاستيراد. ومع كل موجة توتر جديدة، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع أوروبا المحافظة على سياسة الفصل الكامل عن الطاقة الروسية من دون تعريض أمنها الطاقي لضغوط إضافية؟
وتحاول موسكو استغلال هذا التناقض بين الهدف السياسي الأوروبي والحاجة العملية إلى الإمدادات، عبر الإشارة إلى أن روسيا كانت ولا تزال لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمي. كما تبرز من جديد أهمية البنية التحتية، وخطوط الأنابيب، ومحطات الغاز المسال في تشكيل ميزان القوة بين المنتجين والمستهلكين.
التحولات في الطلب العالمي تزيد الغموض
في موازاة ذلك، تتزايد حالة الضبابية في سوق النفط نفسها. فقد أشار نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إلى أن التقديرات المتعلقة بالطلب العالمي تحتاج إلى مراجعة في ضوء التطورات الأخيرة، مؤكداً أن مستوى عدم اليقين ارتفع بشكل ملحوظ.
وقال نوفاك إن النقاشات مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان عكست هذا الغموض، وإن أحداً لا يملك تصوراً نهائياً لما سيكون عليه الطلب خلال الفترة المقبلة. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتأرجح فيه الأسواق بين مخاوف الإمدادات من جهة، ومخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يبرز دور تحالف أوبك بلس بوصفه أداة رئيسية لمحاولة ضبط التوازن بين العرض والطلب، خصوصاً إذا استمرت الصدمات الجيوسياسية في التأثير على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
أوبك تتمسك بتوقعات النمو
من جانبه، قال الأمين العام لمنظمة أوبك هيثم الغيص إن المنظمة ما زالت تتوقع نمواً قوياً في الطلب على النفط خلال العام الحالي، وإنها لا ترى مبرراً لتعديل تقديراتها في الوقت الراهن رغم الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.
وأوضح الغيص أن المنظمة لم ترصد حتى الآن مؤشرات واضحة على تراجع في الطلب، مضيفاً أن توقعاتها تشير إلى زيادة قدرها 1.2 مليون برميل يومياً هذا العام. كما شدد على أن الاستثمارات في قطاع النفط لا ينبغي أن تتأثر بالأحداث الاستثنائية، لأن السوق تحتاج إلى رؤية طويلة الأجل لا إلى ردود فعل قصيرة الأمد.
وتمنح هذه الرؤية المنتجين قدراً من الثقة بأن الطلب العالمي لا يزال قادراً على استيعاب مزيد من الإمدادات، لكن استمرار التوترات السياسية قد يفرض على المستثمرين إعادة تقييم المخاطر، سواء في الإنتاج أو النقل أو التخزين.
خلاصة المشهد
تتقاطع مصالح روسيا وأوروبا والشرق الأوسط في لحظة بالغة الحساسية لأسواق الطاقة العالمية. فموسكو تحاول استعادة موقعها كمورّد لا غنى عنه، بينما تسعى أوروبا إلى تقليص الاعتماد على الإمدادات الروسية من دون الإضرار بأمنها الطاقي، في حين يضيف اضطراب الشرق الأوسط طبقة جديدة من عدم اليقين.
وفي هذه البيئة، يبدو أن الطاقة ستبقى أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالاقتصاد والجغرافيا السياسية في آن واحد، مع استمرار تأثيرها المباشر على الأسعار، والاستثمار، والتجارة، ونمو الاقتصادات الكبرى.