الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 6 دقائق قراءة

«إياتا»: الحرب في الشرق الأوسط تضغط على الطلب العالمي على السفر الجوي وتخفضه 3.4% في أبريل

قال الاتحاد الدولي للنقل الجوي إن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط دفعت الطلب العالمي على السفر الجوي إلى التراجع 3.4% في أبريل، مع هبوط حاد في المنطقة انعكس على مؤشرات السعة ومعامل الحمولة وأسعار الوقود.

تراجع عالمي تقوده تداعيات الحرب

كشف الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا» أن الطلب العالمي على السفر الجوي سجل في أبريل 2026 انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.4 في المائة، في إشارة إلى الضغوط التي يتعرض لها قطاع الطيران مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط. وأوضح التقرير أن المنطقة كانت العامل الأكثر تأثيراً في الأداء العالمي، بعدما هبطت حركة السفر فيها بشكل حاد، بما انعكس على المؤشرات الدولية رغم تحسن بعض الأسواق الأخرى.

وبحسب بيانات الاتحاد، فإن قياس الطلب بعائدات الركاب لكل كيلومتر أظهر أن التراجع لم يكن عابراً، بل مرتبطاً مباشرة باضطراب حركة الطيران في منطقة تشكل ممراً مهماً للرحلات العابرة والقريبة من شبكات الربط الدولي. ولو جرى استبعاد الشرق الأوسط من الحسابات، لكان الطلب العالمي قد حقق نمواً إيجابياً بنسبة 1.2 في المائة، وهو ما يبرز حجم الأثر الذي أحدثته الأزمة على الصورة الإجمالية.

هبوط حاد في الشرق الأوسط وضغط على السعة

في المنطقة الأكثر تضرراً، تراجع الطلب على شركات الطيران في الشرق الأوسط بنسبة 46.6 في المائة على أساس سنوي، وهي نسبة غير مسبوقة تقريباً في السياق الحالي، وأدت إلى سحب المؤشر العالمي نحو الانخفاض. كما خفضت شركات الطيران سعتها التشغيلية الإجمالية بنسبة 2.9 في المائة، في محاولة لمواءمة العرض مع ضعف الطلب وتجنب ارتفاع التكاليف التشغيلية.

وسجل معامل حمولة الركاب تراجعاً طفيفاً بمقدار 0.4 نقطة مئوية ليصل إلى 83.1 في المائة، ما يشير إلى أن امتلاء الطائرات ظل مرتفعاً نسبياً، لكنه لم يكن كافياً لتعويض الضغط على الإيرادات أو استيعاب التراجع الحاد في الحركة. وفي السفر الدولي تحديداً، انخفض الطلب العالمي بنسبة 5.3 في المائة، بينما هبطت السعة الدولية بنسبة 5.1 في المائة، واستقر معدل الامتلاء عند 83.9 في المائة.

أما شركات الطيران في الشرق الأوسط على الصعيد الدولي، فقد واجهت هبوطاً أكبر، إذ انخفض الطلب عليها بنسبة 48.1 في المائة، وتراجعت السعة 38.4 في المائة، فيما هبط معامل الحمولة 13.1 نقطة مئوية ليستقر عند 70.1 في المائة. ويعكس ذلك أن تأثير الحرب لم يقتصر على جانب واحد من التشغيل، بل طال حركة البيع، وتخطيط السعة، والعائدات المتوقعة.

تكلفة الوقود تعمّق التحديات

أشار المدير العام لـ«إياتا» ويلي والش إلى أن قطاع النقل الجوي لا يزال يعيش حالة من التقلب المرتفع، لافتاً إلى أن تكلفة وقود الطائرات تضاعفت خلال أبريل بأكثر من مرتين، وهو ما دفع أسعار التذاكر إلى الصعود. كما بيّن أن بيانات الجداول الزمنية المستقبلية تظهر تراجعاً في العروض المتاحة خلال الأشهر المقبلة، في دلالة على أن الشركات تحاول إعادة ضبط عملياتها تحت ضغط مزدوج: وقود أعلى سعراً وطلب أضعف من المعتاد.

هذا التوازن الصعب يضع شركات الطيران أمام معادلة تشغيلية معقدة. فرفع الأسعار قد يساعد في تعويض جزء من التكلفة، لكنه قد يحد من الطلب، بينما خفض السعة قد يحمي الهوامش القصيرة الأجل لكنه يضغط على الإيرادات ويؤثر في الحصص السوقية. وفي بيئة تتسم بتقلبات جيوسياسية حادة، يصبح التخطيط للرحلات والربحية أكثر ارتباطاً بتطورات لا تتحكم فيها الشركات مباشرة.

أداء الأسواق الإقليمية يتباين بوضوح

رغم الصورة السلبية العامة، لم تتجه جميع المناطق إلى الانكماش بالوتيرة نفسها. ففي أوروبا، ارتفع الطلب الدولي 0.9 في المائة، وزادت السعة 0.3 في المائة، كما قفزت حركة المرور المباشرة بين أوروبا وآسيا 15.3 في المائة، مدفوعة بتحول عدد من الرحلات من المسارات التي كانت تمر تقليدياً عبر أجواء الشرق الأوسط إلى خطوط مباشرة جديدة.

وفي آسيا والمحيط الهادئ، سجلت شركات الطيران نمواً في الطلب بنسبة 3.0 في المائة، مع زيادة طفيفة في السعة 0.7 في المائة، وبلغ معدل الامتلاء 87.5 في المائة، وهو من أعلى المعدلات المسجلة في أبريل. لكن التقرير نبه إلى أن الممر الجوي بين اليابان والصين ظل متأثراً بالتوترات السياسية بين البلدين، ما حدّ من زخم النمو في أحد أهم المحاور الآسيوية.

أما أميركا الشمالية، فبقي الطلب الدولي مستقراً دون نمو يذكر عند 0.0 في المائة، مع انخفاض السعة 1.1 في المائة. وفي أميركا اللاتينية والكاريبي، واصلت الحركة أداءها القوي بزيادة الطلب 8.9 في المائة وارتفاع السعة 7.2 في المائة، فيما سجلت أفريقيا نمواً في الطلب بنسبة 2.2 في المائة مدعوماً بزيادة السعة 1.2 في المائة.

الأسواق الداخلية مستقرة واليابان حالة استثنائية

على مستوى الرحلات الداخلية، أفاد «إياتا» بأن الأداء العالمي بقي مستقراً تقريباً عند 0.0 في المائة مقارنة بأبريل 2025. ويعود ذلك إلى توازن بين أسواق حققت نمواً، مثل البرازيل والصين واليابان، وأخرى سجلت تراجعاً، مثل أستراليا والهند والولايات المتحدة.

وفي الأسواق المحلية الكبرى، ارتفع الطلب في الصين 1.2 في المائة، بينما تراجع في الهند 2.9 في المائة، وانخفض في الولايات المتحدة 0.6 في المائة. أما اليابان، فسجلت زيادة في الطلب الداخلي بنسبة 3.7 في المائة، غير أن السعة التشغيلية استمرت في الانكماش للشهر الثامن على التوالي، لتتراجع في أبريل 1.4 في المائة. ويشير ذلك إلى أن تحسن الطلب لا يعني بالضرورة عودة متوازنة في جانب العرض، خصوصاً عندما تبقى الشركات حذرة في توسيع عملياتها.

دلالات أوسع لقطاع الطيران

تكشف بيانات أبريل عن مرحلة حساسة يمر بها قطاع الطيران العالمي، إذ لم يعد التأثير مقتصراً على مناطق النزاع نفسها، بل امتد إلى شبكات العبور، وخطط السعة، وتكاليف التشغيل، وهي جميعها عناصر ترتبط مباشرة بتوقعات العائد والربحية. كما أن التحولات في مسارات الرحلات بين أوروبا وآسيا توضح أن الجغرافيا السياسية باتت عاملاً تشغيلياً لا يقل أهمية عن الطلب الموسمي أو اتجاهات السفر.

وفي ظل استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة على التنبؤ بالمسارات الآمنة، يبدو أن شركات الطيران ستظل مضطرة إلى موازنة دقيقة بين خفض المخاطر والحفاظ على حضورها في الأسواق الرئيسية. ويعني ذلك أن الأشهر المقبلة قد تحمل مزيداً من إعادة توزيع السعة، وتعديل الأسعار، وربما تغييرات إضافية في خرائط الرحلات الدولية.