24-Jun-2026 5 دقائق قراءة

مجلس الشورى السعودي يدعو إلى تقويم الطلب على الهيدروجين الأخضر وتعزيز المحتوى المحلي في المشاريع الاستراتيجية

ناقش مجلس الشورى السعودي ملفات الطاقة والمحتوى المحلي والقطاعات الخدمية، داعياً إلى تقويم فعلي للطلب على الهيدروجين الأخضر، وتطوير إطار وطني لتعزيز المحتوى المحلي، ومراجعة خطط تشغيل بعض الجهات الحكومية بما يرفع الكفاءة والاستدامة.

توجهات اقتصادية أوسع في توصيات الشورى

ركزت مناقشات مجلس الشورى السعودي على ملفات تمس بنية الاقتصاد الوطني وقدرته التنافسية، من خلال مجموعة من التوصيات التي ارتبطت بالطاقة، والمحتوى المحلي، والخدمات العامة، وكفاءة التشغيل في بعض القطاعات الحيوية. وتعكس هذه التوصيات اتجاهاً واضحاً نحو ربط السياسات العامة بمتطلبات النمو طويل الأجل، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي.

وفي مقدمة هذه الملفات، برزت دعوة المجلس إلى بناء إطار وطني أكثر وضوحاً لتعزيز المحتوى المحلي في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، بحيث لا يقتصر الهدف على زيادة نسبة المشتريات المحلية، بل يتجاوز ذلك إلى نقل المعرفة، وتطوير القدرات الوطنية، ورفع حضور الشركات السعودية في سلاسل القيمة الأكثر تقدماً.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتسع فيه الحاجة إلى مواءمة المشتريات الحكومية والمشاريع الاستراتيجية مع القدرات الصناعية الوطنية، بما يضمن أن تتحول المشاريع الكبرى إلى قناة لتمكين المصنعين المحليين والموردين السعوديين، لا مجرد عقود تنفيذ تقليدية.

إطار وطني للمحتوى المحلي

أوصى المجلس هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية بالعمل مع الجهات المعنية على تطوير إطار وطني يركز على الأنشطة الأعلى قيمة مضافة. ويهدف هذا الإطار إلى تعزيز مساهمة الاقتصاد المحلي في القطاعات المتقدمة، وتوسيع فرص توطين المعرفة والتقنيات، وربط المشتريات الحكومية بمخرجات صناعية أكثر نضجاً واستدامة.

كما شدد المجلس على أهمية مراجعة كراسات الشروط والمواصفات الخاصة بالمشاريع الاستراتيجية التي تعدها المكاتب الاستشارية والهندسية، والتأكد من أنها منسجمة مع القدرات المتاحة في الصناعة الوطنية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأنها تؤثر مباشرة في قدرة الشركات المحلية على المنافسة، وفي فرص اعتماد المنتجات السعودية ضمن مشاريع كبرى تتطلب معايير فنية عالية.

وتشير هذه الرؤية إلى أن المحتوى المحلي لم يعد يُنظر إليه كمؤشر تشغيلي فقط، بل كأداة اقتصادية لرفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار الصناعي، وتقليل الاعتماد على الواردات في المجالات التي يمكن تطويرها محلياً.

الهيدروجين الأخضر بين الجدوى والطلب

في ملف الطاقة، دعا مجلس الشورى وزارة الطاقة إلى إجراء تقويم فعلي للطلب على الهيدروجين الأخضر، باعتباره شرطاً أساسياً لتقدير الجدوى الاقتصادية للمشروعات المرتبطة به، والحد من مخاطر الاستثمار في هذا القطاع الناشئ. وتأتي هذه الدعوة في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالهيدروجين كوقود منخفض الانبعاثات، مقابل استمرار التحديات المتعلقة بالتكلفة، والبنية التحتية، وحجم الطلب التجاري الفعلي.

ويمثل التقييم الدقيق للطلب خطوة محورية قبل التوسع في الالتزامات الاستثمارية، إذ يتيح للجهات المعنية تحديد الأسواق المحتملة، وقياس الاستهلاك المستقبلي، وتقدير فرص التصدير، وربط خطط الإنتاج بمسارات الطلب الواقعية لا الافتراضات العامة. كما يساهم ذلك في تقليل المخاطر المرتبطة بالمشروعات ذات الكلفة الرأسمالية المرتفعة.

وبالتوازي مع ذلك، طالب المجلس باستشراف الطلب المستقبلي على الكهرباء، لا سيما ما يرتبط بالأحمال عالية الكثافة لمراكز البيانات. وتكتسب هذه الجزئية أهمية متزايدة مع توسع الاقتصاد الرقمي، وارتفاع استهلاك الطاقة في البنية التحتية السحابية، والحوسبة المتقدمة، والتخزين الرقمي.

موثوقية الإمدادات والتحول في مزيج الطاقة

أوصى المجلس بموازنة النمو في القدرات التقليدية والمتجددة مع تسريع الاستثمار في حلول التخزين والشبكات، بما يحافظ على موثوقية الإمدادات ويزيد كفاءة المنظومة الكهربائية. وهذه المعادلة باتت أساسية في اقتصادات كثيرة تشهد انتقالاً تدريجياً نحو الطاقة النظيفة، من دون التضحية باستقرار الشبكة أو أمان الإمداد.

وتعكس هذه التوصيات قناعة متنامية بأن نجاح التحول الطاقي لا يقوم على إضافة قدرات جديدة فقط، بل على إدارة المنظومة ككل، بما في ذلك التخزين، ونقل الطاقة، والتوازن بين الأحمال، والتخطيط للطلب الصناعي والرقمي المتسارع.

كما أن الربط بين الطاقة والهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات يوضح أن الاقتصاد السعودي يتعامل مع ملفات متداخلة، تجمع بين الصناعة والطاقة والرقمنة، وأن التخطيط لها يحتاج إلى رؤية موحدة تتجاوز الفصل التقليدي بين القطاعات.

الخطوط السعودية وكفاءة التشغيل

تطرق المجلس أيضاً إلى أداء المؤسسة العامة للخطوط الجوية العربية السعودية، داعياً إلى رفع كفاءة استغلال السعة المقعدية في الخطوط السعودية وطيران «أديل»، بما يحسن الكفاءة التشغيلية ويعزز الاستفادة من الطاقة المتاحة على الرحلات. كما أوصى بمراجعة أسباب ارتفاع الشكاوى على الخدمات، والعمل على معالجتها بصورة عملية.

وشدد المجلس على أهمية تعزيز الربط الجوي بين الوجهات، وزيادة حركة المسافرين العابرين، وهي عناصر ترتبط مباشرة بعائدات النقل الجوي وبمكانة المملكة كمركز إقليمي يربط الشرق بالغرب. كما دعا إلى إعداد خطة متكاملة لتأهيل الكفاءات البشرية واستقطابها بما ينسجم مع احتياجات التشغيل والتوسع.

وفي جانب آخر، طلب المجلس مراجعة الأداء المالي للشركتين، ووضع مسارات زمنية واضحة لتعزيز الاستدامة المالية. ويعكس ذلك اهتماماً متزايداً بالحوكمة المالية في المؤسسات الخدمية الكبرى، وضرورة الجمع بين التوسع التشغيلي والانضباط المالي.

المياه والتوسع في التوطين

ناقش المجلس كذلك التقرير السنوي للهيئة السعودية للمياه، داعياً إلى تعزيز إدارة الطلب عبر إطار وطني يجمع بين التوعية، والتقنيات الذكية، والحوافز السعرية. ويأتي هذا الطرح في سياق التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية وارتفاع كلفة الإمداد، والحاجة إلى حلول أكثر استدامة في الاستهلاك والإدارة.

كما أوصى بالتوسع في الفرص الاستثمارية التي تستهدف توطين نقل المعرفة في قطاعات المياه المختلفة، إلى جانب تطوير إطار تنظيمي يربط اعتماد المخططات السكنية باستكمال خدمات المياه والصرف الصحي. ومن شأن هذا الربط أن يرفع مستوى الجاهزية العمرانية، ويحد من الفجوات الخدمية، ويعزز التخطيط المتكامل للمشاريع السكنية.

ودعا المجلس أيضاً إلى توسيع التكامل بين مناطق المملكة في شبكات المياه، بما يدعم الأمن المائي ويزيد القدرة على التعامل مع الطوارئ، وهو عنصر أساسي في بناء بنية تحتية أكثر مرونة واستجابة للمتغيرات المناخية والطلب الحضري.

قراءة اقتصادية في دلالات الجلسة

تكشف هذه الحزمة من التوصيات عن مقاربة اقتصادية تعتمد على ربط السياسات القطاعية بأهداف أوسع تشمل الكفاءة، والتوطين، والاستدامة، وجاهزية الاقتصاد للتحول الرقمي والطاقي. فالمحتوى المحلي هنا ليس مجرد هدف صناعي، والهيدروجين الأخضر ليس فقط مشروع طاقة، والمياه ليست خدمة تشغيلية منفصلة، والنقل الجوي ليس نشاطاً خدمياً فحسب، بل كلها عناصر ضمن منظومة واحدة تتصل بتنافسية الاقتصاد السعودي.

وتبرز أهمية هذه التوجهات في مرحلة تتسارع فيها الاستثمارات المرتبطة بالطاقة الجديدة، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، ما يجعل التخطيط الاستباقي للطلب، وتوطين المعرفة، وتحسين الحوكمة التشغيلية، ركائز أساسية لاقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على التكيف مع التحولات المقبلة.