الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الأردن يقترب من الإنتاج التجاري للكعكة الصفراء مع ارتفاع أسعار اليورانيوم

كشف رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية أن ارتفاع أسعار اليورانيوم عزز جدوى مشاريع التعدين، بالتزامن مع خطط لزيادة إنتاج الكعكة الصفراء والتوسع نحو شراكات استراتيجية في القطاع النووي.

ارتفاع الأسعار يعيد رسم جدوى التعدين

قال رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية إن السوق العالمية لليورانيوم شهدت تحولاً لافتاً في الأسعار خلال السنوات الأخيرة، ما جعل مشاريع الاستخراج والتعدين أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية. ووفقاً للتصريحات، ارتفع سعر الرطل من 18 دولاراً قبل أربع سنوات إلى نحو 86 دولاراً حالياً، وهي قفزة تمنح القطاع المحلي دفعة مهمة وتزيد من اهتمام المستثمرين بموارد الأردن المعدنية.

هذا التطور لا يقتصر على كونه تغيراً في الأسعار، بل ينعكس مباشرة على الحسابات المالية للمشاريع المرتبطة بالاستكشاف والمعالجة والإنتاج. فكلما ارتفعت الأسعار، تحسنت قدرة الشركات والجهات المشغلة على تحويل الموارد الخام إلى منتجات قابلة للتسويق وتحقيق العوائد، وهو ما يفتح الباب أمام الأردن لتوسيع حضوره في سوق ترتفع فيه أهمية تأمين المواد الأولية للطاقة النووية.

وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتزايد فيه الحاجة عالمياً إلى مصادر مستقرة للطاقة والمواد الخام المرتبطة بها، ما يجعل اليورانيوم جزءاً من معادلة اقتصادية وصناعية أوسع، تتداخل فيها الطاقة مع الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع المتقدم.

إنتاج محلي محدود حالياً وخطة توسع كبيرة

أوضح المسؤول الأردني أن الإنتاج المحلي من الكعكة الصفراء ما يزال في مرحلة تأسيسية، إذ جرى التعامل مع 1500 طن من الخام، ما أسفر عن إنتاج 150 كيلوغراماً من الكعكة الصفراء. ورغم تواضع هذه الكمية مقارنة بالطموحات المعلنة، فإنها تمثل خطوة عملية ضمن مسار تطوير سلسلة القيمة الخاصة باليورانيوم داخل المملكة.

وتستهدف الخطة المستقبلية الوصول إلى إنتاج سنوي يبلغ 500 طن من الكعكة الصفراء، وهو هدف يتطلب توسيع نطاق التشغيل بشكل كبير. ولتحقيق ذلك، تحتاج الجهات المعنية إلى معالجة نحو خمسة ملايين طن من الخام سنوياً، وهو مستوى إنتاج يعكس انتقال المشروع من الطابع التجريبي إلى الطابع الصناعي التجاري إذا توفرت البنية التحتية والتمويل والشراكات المناسبة.

هذا النوع من التوسع يفرض تحديات لوجستية وفنية، بدءاً من عمليات الاستخراج والنقل والمعالجة، وصولاً إلى الالتزام بالمعايير البيئية والرقابية. لكنه في المقابل قد يضع الأردن على مسار أكثر استدامة في استثمار موارده الطبيعية، خصوصاً إذا ارتبط بخطط طويلة الأجل توازن بين العائد الاقتصادي ومتطلبات الأمن الصناعي.

مخزون استراتيجي يفتح الباب أمام رؤية طويلة الأمد

بحسب ما أعلنه طوقان، يمتلك الأردن نحو 42 ألف طن من اليورانيوم، وهي كمية وصفها بأنها كبيرة وتكفي احتياجات المملكة لمدة تقارب 80 عاماً. وتشير هذه الأرقام إلى أن الحديث لا يدور فقط حول مشروع تعدين محدود، بل حول مورد استراتيجي يمكن أن يدعم سياسات الطاقة والصناعة لعقود قادمة.

وجود مخزون بهذا الحجم يغيّر طريقة النظر إلى القطاع، إذ ينتقل من كونه نشاطاً استخراجياً إلى أحد مكونات التخطيط الاقتصادي الوطني. وفي حال جرى استغلال هذه الموارد بكفاءة، فقد يسهم ذلك في تقليل الاعتماد على واردات الطاقة التقليدية، وتوفير قاعدة مادية لمشاريع نووية أو صناعات مرتبطة بالدورة الكاملة للوقود.

كما أن وضوح حجم الموارد القابلة للتطوير يمنح المستثمرين والشركاء الصناعيين صورة أفضل عن إمكانات السوق المحلية، وهي نقطة محورية لأي قطاع يعتمد على رؤوس أموال كبيرة ودورات استثمار طويلة نسبياً.

اتجاه نحو القيمة المضافة والشراكات الاستراتيجية

لم يقتصر الطرح الأردني على فكرة إنتاج الكعكة الصفراء وبيعها كمنتج أولي، بل تضمن إشارة واضحة إلى السعي نحو تحقيق قيمة مضافة عبر الشراكات الاستراتيجية. هذا التوجه يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الصناعات التعدينية، حيث تكمن القيمة الأعلى غالباً في مراحل المعالجة والتحويل والتخصيب والخدمات التقنية المرتبطة بها، لا في الاستخراج الخام وحده.

وتشير التصريحات إلى أن الدخول في شراكات مناسبة قد ينقل المشروع من مرحلة المصنع الريادي إلى الإنتاج التجاري الواسع، مع زيادة الكميات المعالجة من 1500 طن سنوياً إلى خمسة ملايين طن. مثل هذا التحول لا يعني فقط رفع حجم الإنتاج، بل قد يفرض أيضاً إعادة تصميم لسلسلة الإمداد، وتطويراً في القدرات الفنية، وتوسيعاً في شبكة العلاقات مع الشركات والمؤسسات المتخصصة.

في الأسواق العالمية، كثيراً ما يكون نجاح مشاريع التعدين مرتبطاً بقدرتها على بناء تحالفات طويلة الأجل مع أطراف تمتلك الخبرة التقنية أو القدرة التمويلية أو الوصول إلى أسواق البيع. ومن هذا المنطلق، تبدو الشراكات بالنسبة للأردن جزءاً أساسياً من استراتيجية بناء قطاع أكثر نضجاً واستدامة.

تكنولوجيا الغرز النيوتروني وتوسيع الاستخدامات الصناعية

إلى جانب الحديث عن الإنتاج والتعدين، أشار المسؤول الأردني إلى توجه قريب لدخول مجال تقنيات الغرز النيوتروني، وهي تقنيات تُستخدم في تحويل المواد الداخلة في صناعة أشباه الموصلات. وهذه الإشارة تحمل بعداً مهماً يتجاوز القطاع النووي التقليدي، لأنها تربط بين الموارد المعدنية وبين الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

إذا تمكن الأردن من التقدم في هذا المسار، فقد لا يقتصر دوره على تزويد السوق بمادة أولية مرتبطة بالطاقة النووية، بل يمتد إلى مكوّنات أو عمليات ذات صلة بسلاسل الإمداد الصناعية الحديثة. ويعني ذلك أن اليورانيوم والأنشطة المرتبطة به يمكن أن تصبح جزءاً من رؤية صناعية أوسع تتقاطع مع الإلكترونيات والمواد المتقدمة وتطبيقات التكنولوجيا الدقيقة.

هذه النقلة النوعية، إن تحققت، ستعكس انتقالاً من التعامل مع المورد الطبيعي بوصفه ثروة خاماً إلى اعتباره منصة لتطوير تطبيقات ذات قيمة اقتصادية أعلى.

الطاقة النووية كخيار اقتصادي طويل المدى

تتضمن الرؤية الأردنية أيضاً خطة لبناء مفاعلات نووية لأغراض الطاقة، مع الإشارة إلى أن هذا الخيار قد يوفر طاقة منخفضة الكلفة ومستقرة على مدى عقود. وتستند هذه الفكرة إلى أن المفاعل، وفق الطرح المعلن، يمكن أن يؤدي دوراً إنتاجياً يمتد لنحو 80 عاماً، ما يجعله أداة محتملة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل التقلبات المرتبطة بالوقود التقليدي.

في السياق الاقتصادي، يمثل توفر طاقة مستقرة ورخيصة أحد أهم عناصر جذب الاستثمار الصناعي. فالشركات التي تعمل في التصنيع أو التكنولوجيا أو المعالجة الكيميائية تحتاج إلى كلفة تشغيل واضحة وإمدادات غير متقطعة، وهو ما قد يجعل مشروع الطاقة النووية رافعة لقطاعات أخرى إلى جانب كونه مشروعاً بحد ذاته.

وبين ارتفاع الأسعار العالمية، ووجود مخزون محلي معتبر، وخطط التوسع في الإنتاج، يبدو أن الأردن يحاول بناء موقع جديد له في خريطة سوق اليورانيوم. وإذا نجحت هذه الخطط، فقد يتحول المورد المعدني من مجرد اكتشاف جيولوجي إلى رافعة اقتصادية وصناعية ذات امتداد طويل الأجل.