27-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الأسهم الآسيوية تتراجع مع تصاعد رهانات تشديد السياسة النقدية الأميركية

تراجعت معظم أسواق الأسهم الآسيوية مع إعادة المستثمرين تسعير توقعاتهم لمسار الفائدة الأميركية، بينما حدّت تطورات سوق النفط وتقلبات العملات من وضوح الرؤية لدى المتعاملين.

تراجعت الأسهم الآسيوية في مستهل التعاملات، مع عودة المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأميركية واحتمالات استمرار التشديد خلال ما تبقى من العام. وجاء الضغط على الأسواق بعد موجة من التحول في التسعير المالي، دفعت المتعاملين إلى تقليص الرهان على أن البنك المركزي الأميركي سيتجه سريعاً إلى تخفيف القيود النقدية.

وأظهرت حركة التداول أن القلق لم يقتصر على الأسهم وحدها، بل امتد إلى العملات والسندات والسلع أيضاً، في وقت تحاول الأسواق استيعاب مزيج من البيانات الاقتصادية القوية، وتغير اللهجة الصادرة عن صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة، وتذبذب أسعار الطاقة.

ضعف واسع في مؤشرات آسيا والمحيط الهادئ

انخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ، باستثناء اليابان، بنحو 0.5 في المائة، في إشارة إلى موجة حذر عامة شملت معظم الأسواق الرئيسية في المنطقة. كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.2 في المائة، ما عكس استمرار الحذر في المزاج الاستثماري العالمي.

وفي اليابان، هبط مؤشر «نيكي 225» بنسبة 0.6 في المائة، متخلياً عن جزء من مكاسبه الأخيرة. وجاء هذا التراجع رغم صدور بيانات إيجابية أظهرت استمرار قوة القطاع الصناعي خلال يونيو، مع تسجيل الطلبيات الجديدة أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من أربع سنوات، وهو ما لم يكن كافياً لصد موجة البيع.

أما في كوريا الجنوبية، فتذبذبت الأسهم خلال الجلسة قبل أن تغلق على انخفاض حاد بلغ 2 في المائة، فيما افتتحت الأسهم التايوانية على ارتفاع نسبته 0.9 في المائة وسجلت مستوى قياسياً جديداً، في دلالة على أن السوق الإقليمية باتت شديدة الحساسية للفروقات بين شركات الرقائق والتكنولوجيا من جهة، وبقية القطاعات من جهة أخرى.

التكنولوجيا تفقد الزخم

قال محللون في الأسواق إن أسهم التكنولوجيا الكبرى، التي قادت موجة الصعود خلال الفترة الماضية، بدأت تفقد شيئاً من قوتها، مع تحول المستثمرين نحو قطاعات أكثر دفاعية وأقل ارتباطاً بدورة المضاربة على الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التحول رغبة في البحث عن تدفقات نقدية أكثر استقراراً بعد ارتفاعات قوية في أسهم النمو.

ويشير هذا الاتجاه إلى أن الأسواق لم تعد تتعامل مع شركات التكنولوجيا باعتبارها الرهان الوحيد على النمو، بل أصبحت أكثر ميلاً لقياس قدرة هذه الشركات على تبرير تقييماتها المرتفعة عبر الأرباح الفعلية والطلب المستدام. وفي بيئة ترتفع فيها تكلفة الاقتراض، تصبح هذه المعادلة أكثر صعوبة بالنسبة لعدد من المستثمرين والمؤسسات.

النفط يلتقط أنفاسه بعد هبوط حاد

في أسواق الطاقة، ارتفع خام برنت بنحو 0.2 في المائة إلى 78.03 دولار للبرميل، بعد أن كان قد خسر أكثر من 3 في المائة في الجلسة السابقة. وجاء التحسن المحدود بعدما هدأت بعض المخاوف بشأن الإمدادات عقب قرار أميركي منح إيران إعفاءً مؤقتاً من العقوبات، إلى جانب إشارات إلى تقدم في المحادثات، وتأكيدات بأن مضيق هرمز لا يزال مفتوحاً أمام الملاحة.

ويؤثر هذا المسار المتقلب في النفط مباشرة على توقعات التضخم، وبالتالي على مسار الفائدة. فكلما استقرت الأسعار دون مستويات مقلقة، خفّ الضغط على البنوك المركزية لرفع الفائدة بوتيرة أسرع، بينما تعود أسعار الطاقة المرتفعة لتغذي الرهانات على مزيد من التشديد.

الدولار والين تحت المجهر

في سوق العملات، استقر الين الياباني قرب 161.55 ين مقابل الدولار، ليبقى قريباً من أضعف مستوياته في نحو 40 عاماً. وأثارت التقلبات الكبيرة في العملة اليابانية قلقاً متجدداً لدى السلطات المالية في طوكيو، وسط مراقبة دقيقة لأي تحركات قد تزيد من اضطراب سوق الصرف.

كما استقر مؤشر الدولار عند 101.04 نقطة، بالقرب من أعلى مستوياته منذ مايو من العام الماضي، ما يعكس قوة نسبية للعملة الأميركية في مواجهة سلة من العملات الرئيسية. وفي المقابل، استقر الجنيه الإسترليني عند 1.3247 دولار، بينما واصل المستثمرون متابعة التحولات السياسية في بريطانيا وتأثيرها المحتمل في الأسواق.

رهانات أكبر على رفع الفائدة الأميركية

أحد أبرز التطورات التي أثرت في معنويات المستثمرين كان إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية. فبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، باتت الأسواق تسعّر احتمالاً يبلغ 54 في المائة لرفع أسعار الفائدة مرتين، بمقدار 25 نقطة أساس في كل مرة، قبل نهاية العام. وكانت هذه النسبة لا تتجاوز 15.2 في المائة قبل أسبوع واحد فقط.

ويعني ذلك أن المتعاملين باتوا أكثر اقتناعاً بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي على موقف متشدد لفترة أطول مما كان متوقعاً، خصوصاً في ظل استمرار مؤشرات التضخم عند مستويات لا تسمح بعودة سريعة إلى سياسة أكثر مرونة. كما أن التوقعات المرتبطة برئاسة البنك المركزي الأميركي الجديدة تضيف بعداً إضافياً من الحذر، مع ميل السوق إلى افتراض نهج أشد صرامة في مواجهة الأسعار.

هذا التغير في التسعير انعكس أيضاً على سوق السندات الأميركية، حيث تراجع العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بمقدار 0.2 نقطة أساس إلى 4.501 في المائة، في حين ظل المستثمرون يراقبون الفارق بين العوائد الأميركية والأصول الأخرى في آسيا وأوروبا.

الذهب والعملات المشفرة تحت ضغط العوائد

امتد تأثير ارتفاع العوائد والتشدد المتوقع إلى الأصول البديلة أيضاً. فقد هبط الذهب بنسبة 0.2 في المائة إلى 4180.38 دولار للأوقية، بعدما واجه ضغوطاً من قوة الدولار وتغير شهية المخاطرة. كما تراجعت «بتكوين» بنسبة 0.8 في المائة إلى 63873.71 دولار، وانخفضت «إيثر» بنسبة 0.5 في المائة إلى 1724.08 دولار.

ويعكس هذا الأداء أن المستثمرين لم يعودوا يقتصرون على تقييم الأسهم وحدها، بل ينظرون إلى الأسواق كمنظومة مترابطة تتأثر سريعةً بمستويات الفائدة والعوائد الحقيقية وتوجهات البنوك المركزية الكبرى. لذلك، فإن أي إشارة إضافية إلى تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة قد تستمر في الضغط على مجموعة واسعة من الأصول عالية الحساسية للمخاطر.

أسواق تترقب مرحلة أكثر صعوبة

الرسالة الأساسية التي حملتها جلسة الثلاثاء هي أن المزاج في الأسواق العالمية ما زال هشاً، وأن موجات الصعود الأخيرة، خاصة في التكنولوجيا، لم تُلغِ مخاطر التراجع السريع عندما تتغير التوقعات بشأن الفائدة. كما أن تداخل العوامل الجيوسياسية وأسعار النفط وحركة الدولار يجعل البيئة الاستثمارية أكثر تعقيداً.

وبينما تحاول الأسواق الآسيوية الحفاظ على توازنها، يبدو أن المستثمرين سيظلون في حالة ترقب لبيانات اقتصادية جديدة وتصريحات أكثر وضوحاً من البنوك المركزية، بحثاً عن مؤشرات تساعدهم على تحديد ما إذا كان التشديد الحالي مجرد مرحلة عابرة أم بداية لفصل أطول من الضغط على الأصول الخطرة.