سجلت الأسهم الصينية وأسهم هونغ كونغ تراجعاً حاداً إلى أدنى مستوياتها في نحو شهرين، مع امتداد موجة بيع عالمية ضربت أسهم التكنولوجيا، خصوصاً الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية. ورغم الضغوط البيعية، رأى بعض المستثمرين أن الهبوط قد يفتح مجالاً لعمليات شراء انتقائية في السوق.
وأغلق مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية في الصين عند أدنى مستوى له منذ منتصف أبريل، بينما هبط مؤشر شنغهاي المركب إلى أدنى مستوى منذ أوائل الشهر نفسه. وفي هونغ كونغ، تراجع مؤشر «هانغ سينغ» القياسي بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى أدنى مستوى له منذ أواخر مارس.
وجاء هذا الأداء بعد أسابيع من الزخم الذي قادته أسهم التكنولوجيا الصينية، قبل أن تعود الأسواق إلى وضع التصحيح تحت تأثير الضغوط الخارجية وعمليات جني الأرباح. كما أن النظرة الحذرة للأسواق الأميركية عززت حدة التراجع في آسيا، بعدما خسر قطاع التكنولوجيا في وول ستريت جزءاً كبيراً من مكاسبه الأخيرة.
تصحيح في أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق
تركزت الخسائر في الشركات الصينية المرتبطة بسلسلة توريد أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. وانخفضت أسهم «تشونغجي إنولايت»، وهي مورد للمكونات البصرية المستخدمة لدى «إنفيديا»، بنسبة 2.1 في المائة. كما تراجع مؤشر «ستار 50» الذي يضم شركات التكنولوجيا المدرجة في بورصة شنغهاي بنسبة 4.3 في المائة، في حين خسرت أسهم شركات أشباه الموصلات المحلية نحو 4.5 في المائة.
وتعكس هذه الحركة جزئياً التقييمات المرتفعة التي وصلت إليها بعض أسهم الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الماضية، ما جعلها أكثر حساسية لأي تغير في شهية المخاطرة عالمياً. ومع ذلك، لا يزال بعض مديري الأصول يرون أن الأساسيات التشغيلية لهذا القطاع لم تتأثر بشكل جوهري.
وقال تشارلز وانغ، رئيس مجلس إدارة شركة «شنتشن دراغون باسيفيك» لإدارة رأس المال، إن السوق قد تكون شهدت تشكلاً لفقاعة قصيرة الأجل في بعض أسهم الذكاء الاصطناعي الصينية، لكنه أشار إلى أن النظرة بعيدة المدى ما زالت إيجابية نسبياً. وتكرر هذا الطرح لدى عدد من المحللين الذين يعتقدون أن التراجع الحالي ينسجم مع مرحلة إعادة تسعير طبيعية بعد ارتفاعات قوية.
مؤشرات تصحيح لا انهيار
يرى محللون في السوق أن التراجع الحالي يندرج ضمن حركة تصحيح قصيرة الأجل أكثر من كونه انعكاساً أساسياً في الاقتصاد الصيني. وأوضح لي تشيوسو، كبير محللي الاستراتيجيات المحلية في شركة «سي آي سي سي»، أن هبوط السوق لا يزال في إطار التصحيح، لكنه قد يتباطأ مع الوقت.
وأضاف أن المستثمرين لا يحتاجون إلى قدر كبير من القلق في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن السوق الصينية أظهرت سابقاً قدرة على الارتداد بعد موجات هبوط مشابهة عندما اقتربت المؤشرات من مستويات فنية مهمة. كما لفت إلى أن مؤشر شنغهاي المركب تمكن سابقاً من التعافي بنحو 10 في المائة من قاعه السابق.
وتوقع المحلل نفسه نمواً في أرباح الشركات الصينية المدرجة بنسبة 6 في المائة خلال العام الجاري، وهو أعلى معدل منذ 2021، ما يدعم فرضية أن ضعف الأسعار الحالي لا يعكس بالضرورة تراجعاً في ربحية الشركات، بل حالة مؤقتة من إعادة التوازن في التقييمات.
تأثير وول ستريت على المزاج الاستثماري
ازدادت الضغوط على الأسهم الآسيوية بعد أن أنهت وول ستريت سلسلة مكاسب استمرت تسعة أسابيع، في أعقاب تراجع حاد يوم الجمعة الماضية. وسجلت أسهم التكنولوجيا الأميركية أكبر هبوط يومي لها منذ أبريل 2025، بعدما أثار تقرير قوي عن الوظائف مخاوف من أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى تشديد السياسة النقدية بشكل أسرع من المتوقع.
وغالباً ما تنتقل هذه الإشارات بسرعة إلى الأسواق الآسيوية، لا سيما في القطاعات ذات الحساسية العالية للتقييمات والنمو المستقبلي مثل أشباه الموصلات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، أصبح المستثمرون أكثر ميلاً إلى تقليل المخاطر على المدى القصير، مع الاحتفاظ بانتقائية مرتفعة في اختيار الشركات المرتبطة بالتحول الرقمي.
ورغم الهبوط الواسع، ظهرت بعض الاستثناءات داخل السوق الصينية. فقد ارتفع مؤشر «سي إس آي للروبوتات» بنسبة 0.5 في المائة، في إشارة إلى استمرار الاهتمام بقطاع الأتمتة الصناعية، خصوصاً مع اقتراب عدد من شركات الروبوتات المحلية، بما فيها «يونيتري»، من خطط الإدراج. كما صعد سهم «هارمونيوس درايف سيستمز» بنسبة 9 في المائة، ما يعكس استمرار الرهان على هذا المجال ضمن الاقتصاد الصناعي الرقمي الصيني.
اليوان يواصل التحرك داخل نطاق محدود
في سوق العملات، ارتفع اليوان الصيني بشكل طفيف أمام الدولار، محافظاً على قدر من الاستقرار رغم قوة العملة الأميركية عالمياً. وصعد اليوان في التداولات الداخلية بنسبة 0.06 في المائة إلى 6.7837 مقابل الدولار، بعد أن لامس مستوى أضعف في الجلسة عند 6.79، وهو الأدنى منذ 22 مايو.
وفي السوق الخارجية، سجل اليوان تحسناً محدوداً إلى 6.786 يوان للدولار تقريباً. ويرى محللون أن حركة العملة الصينية ما زالت تتأثر بعاملين متداخلين: قوة الدولار من جهة، وتدفقات التسوية والتحوط من جهة أخرى، ما يجعل تذبذبها أقل من العملات الأخرى في الأسواق الناشئة.
وبحسب محللين في مركز «سي آي سي سي»، فإن اليوان يتحرك عادةً مع مؤشر الدولار خلال اليوم، لكن بوتيرة أهدأ. كما أشاروا إلى أن الطلب المستقر على تسوية العملات الأجنبية يمثل دعامة مهمة لاستقرار سعر الصرف، حتى مع ارتفاع احتمالات استمرار الدعم للدولار على المدى القصير.
ويبدو أن الأداء النسبي القوي لليوان هذا العام يعزز هذه الفرضية؛ إذ ارتفع بنحو 3.1 في المائة مقابل الدولار، ليصبح من بين أفضل عملات الأسواق الناشئة أداءً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، رغم القوة العامة للدولار.
الأنظار على بيانات الاقتصاد الصيني
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية الصينية، تشمل الائتمان والمعروض النقدي والتجارة والتضخم، وهي مؤشرات قد تقدم رؤية أوضح بشأن قوة ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ومن المتوقع أن تؤثر هذه البيانات أيضاً في اتجاهات اليوان وثقة المستثمرين في الأسهم المحلية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة المتقدمة.
وقبل افتتاح السوق، حدّد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المرجعي عند 6.8198 يوان للدولار، أي أقوى من توقعات السوق بفارق واضح. وفسر مشاركون في السوق ذلك على أنه إشارة إلى رغبة السلطات في الحد من وتيرة صعود اليوان، في وقت أبقت فيه البنوك الصينية على إجراءات تجعل الارتفاع مقيّداً ضمن نطاقات محددة.
وفي المحصلة، تكشف حركة الأسواق الصينية الحالية عن توازن دقيق بين حماس الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والرقائق من جهة، وبين ضغوط التقييمات والسياسة النقدية العالمية من جهة أخرى. وبينما يواصل المستثمرون البحث عن نقاط دخول مناسبة، يبقى القطاع التكنولوجي في الصين من أكثر القطاعات حساسية لأي تحوّل في المزاج العالمي.