الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 6 دقائق قراءة

الصادرات الصينية تقفز في مايو بدعم الطلب على أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي

سجلت التجارة الخارجية الصينية في مايو أداءً فاق التوقعات، مع تسارع الصادرات وارتفاع الواردات واتساع الفائض التجاري، في وقت دعمت فيه الطلبيات الاستباقية والطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي الزخم التجاري. لكن مؤشرات الطلب الجديد على التصدير بدأت تُظهر تباطؤاً، بما يلمح إلى أن موجة التخزين السابقة قد تكون اقتربت من الذروة.

الصادرات الصينية تتجاوز التوقعات

أظهرت البيانات الجمركية الصينية لشهر مايو/أيار أن حركة التجارة الخارجية واصلت تسجيل أداء قوي، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 19.4 في المائة على أساس سنوي بالدولار الأميركي، متجاوزة بوضوح تقديرات السوق التي كانت تميل إلى نمو أقل. وجاءت الزيادة بعد ارتفاع بلغ 14.1 في المائة في أبريل/نيسان، ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في الشحنات الخارجة من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وبحسب المعطيات المتاحة، استفادت الصادرات من عاملين رئيسيين: الأول هو اندفاع بعض المشترين الأجانب إلى تسريع طلبياتهم قبل أي ارتفاع محتمل في التكاليف المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والثاني هو استمرار الطلب العالمي القوي على أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي، وهما قطاعان يواصلان لعب دور متصاعد في التجارة الدولية.

هذا الأداء يعكس قدرة القطاع الصناعي الصيني على الحفاظ على وتيرة إنتاج عالية، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن جزءاً من النمو قد يكون مرتبطاً بعوامل مؤقتة تتعلق بإدارة المخزون وتوقيت الشحنات، وليس فقط بانتعاش مستدام في الطلب النهائي.

الواردات ترتفع والفائض التجاري يتسع

لم تقتصر المفاجأة على الصادرات؛ فقد سجلت الواردات الصينية نمواً قوياً أيضاً، إذ ارتفعت بنسبة 27.4 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بعد زيادة بلغت 25.3 في المائة في أبريل. وتجاوزت هذه القراءة توقعات المحللين الذين رجحوا نمواً أقل، ما يدل على نشاط واضح في الطلب المحلي وفي تدفق المدخلات الصناعية إلى السوق الصينية.

ونتيجة لذلك، ارتفع الفائض التجاري للصين في مايو إلى 105.43 مليار دولار، مقارنة بـ84.8 مليار دولار في أبريل، متخطياً أيضاً تقديرات السوق التي دارت حول 92.1 مليار دولار. ويعني ذلك أن الصين واصلت تحقيق فائض كبير في تجارتها الخارجية، وهو عنصر يظل محورياً في قراءة أداء الاقتصاد الصيني وتدفقات العملة الصعبة لديه.

غير أن اتساع الفائض التجاري قد يعمّق النقاش الدولي حول دور الصين في التجارة العالمية، خاصة في ظل اعتمادها على نموذج صناعي واسع النطاق يعتمد على سلاسل توريد ضخمة ومخرجات تصنيعية عالية، ما يترك آثاراً مباشرة على الشركاء التجاريين في آسيا وأوروبا والاقتصادات الناشئة.

مؤشرات على تباطؤ الطلب الاستباقي

رغم الأرقام الإيجابية، ظهرت إشارات إلى أن موجة الطلبيات الاستباقية قد تكون بدأت بالتراجع. فقد أظهرت بيانات منفصلة للنشاط الصناعي في مايو انخفاضاً حاداً في طلبات التصدير الجديدة مقارنة بذروتها في أبريل، عندما وصفت بعض شركات التخزين حركة الأعمال بأنها نشطة على نحو استثنائي مع سعي المصنعين الأجانب إلى تأمين الإمدادات مسبقاً.

هذا التراجع في الطلبات الجديدة مهم لأنه قد يشير إلى أن جزءاً من النمو الأخير كان نتيجة تسريع التسليمات قبل صدمات محتملة في الكلفة أو الإمداد، وليس بالضرورة بسبب توسع عضوي طويل الأجل في الطلب العالمي. وإذا استمرت هذه المؤشرات، فقد تشهد الأشهر المقبلة هدأة نسبية في زخم الصادرات الصينية.

ويرى محللون أن انتهاء مرحلة التخزين المكثف لدى المشترين الأجانب، إلى جانب ارتفاع التكاليف، قد يدفع الشركات إلى الاعتماد على مخزوناتها الحالية بدل التوريد الإضافي، خاصة إذا لم تتضح الصورة الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.

ضغوط على النمو المحلي والاعتماد على الصناعة

ساهم الأداء القوي للصادرات في مساعدة الاقتصاد الصيني، الذي تبلغ قيمته نحو 20 تريليون دولار، على تجاوز توقعات السوق في الربع الأول من العام. لكن الزخم بدأ يتباطأ منذ ذلك الحين، ما يسلط الضوء على استمرار اعتماد النمو الصيني على الطلب الخارجي أكثر من المحلي.

وتشكل هذه النقطة مصدر قلق لدى صانعي السياسات في بكين، لأن ضعف الاستهلاك المحلي يجعل الاقتصاد أكثر حساسية للتقلبات الخارجية، سواء جاءت من تباطؤ عالمي أو من نزاعات تجارية أو من صدمات جيوسياسية. ولهذا السبب، يزداد الضغط على الحكومة لتعزيز الطلب الداخلي وتحفيز المستهلكين والشركات على حد سواء.

كما تتجدد الانتقادات الدولية لطبيعة النمو الصناعي الصيني، إذ يرى منتقدون أن الاعتماد الكبير على الواردات من المدخلات الصناعية ثم إعادة التصدير يخلق تشوهات في أسواق التجارة العالمية، ويضع ضغوطاً على الدول الناشئة التي تحاول بناء قواعد صناعية ذات قيمة مضافة أعلى.

النفط الخام عند أدنى مستوى في ثمانية أعوام

في جانب آخر من بيانات التجارة، هبطت واردات الصين من النفط الخام بنسبة حادة بلغت 29 في المائة في مايو، لتنخفض إلى أدنى مستوى لها منذ ثماني سنوات. ووصلت الكميات المستوردة إلى 33.08 مليون طن، أي ما يعادل نحو 7.79 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى تسجله البلاد منذ فبراير/شباط 2018.

وكانت واردات الخام قد تراجعت بالفعل في أبريل إلى مستويات منخفضة، ما يعكس سلوكاً أكثر حذراً من جانب المصافي الصينية التي لجأت إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لتعويض ضعف الإمدادات. وتشير هذه الأرقام إلى أن الصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم، تساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغوط على الأسعار العالمية عندما تقلص مشترياتها.

كما يساعد هذا التراجع على توفير كميات إضافية لبقية المشترين في الأسواق الدولية، بالتزامن مع زيادة الإنتاج الأميركي وما ترتب على ذلك من تخفيف نسبي لمخاوف شح الإمدادات في الأسواق.

تحديات تشغيلية للمصافي وتباين في أسواق الطاقة

تضع هذه الاتجاهات مصافي التكرير الصينية أمام ضغوط تشغيلية واضحة. فهي تواجه كلفة أعلى للخام في وقت تخضع فيه صادرات الوقود المكرر لقيود حصة صارمة، كما أن التسعير في السوق المحلية لا يتيح دائماً هوامش ربح كبيرة. وهذا المزيج يجعل إدارة المخزون والإنتاج أكثر تعقيداً بالنسبة للقطاع.

وتشير تقديرات متخصصة إلى أن الصين قد تحافظ على واردات في نطاق 7 ملايين برميل يومياً خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. كما أظهرت البيانات أن المشتريات من روسيا وإيران تراجعت في مايو، وهو ما يعكس إعادة ضبط جزئية في مصادر التوريد ضمن سوق طاقة شديدة الحساسية للتطورات السياسية والعقوبات والاختناقات اللوجستية.

في المقابل، سجلت واردات الغاز الطبيعي الصينية ارتفاعاً شهرياً لتصل إلى 10.11 مليون طن، بما يعيدها تقريباً إلى مستويات العام الماضي. ويشير ذلك إلى أن الطلب على الغاز الطبيعي المسال عاد إلى النشاط، حتى لو كانت البيانات الرسمية لا تفصل بين الغاز المسال والغاز المنقول عبر الأنابيب.

أما صادرات الوقود المكرر، فقد ارتفعت بشكل طفيف في مايو، لكنها ظلت دون مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يعكس استمرار بكين في إدارة هذا القطاع بمنطق الحصص والحماية الداخلية للسوق المحلية.

قراءة أوسع لموقع الصين في التجارة العالمية

تعكس أرقام مايو مزيجاً معقداً من القوة والحدود في الاقتصاد الصيني. فمن جهة، ما زالت الصين قادرة على دفع صادراتها إلى مستويات تفوق التوقعات، مستفيدة من قاعدة صناعية واسعة ومن الطلب العالمي على التقنيات المتقدمة والسلع الوسيطة. ومن جهة أخرى، تظهر البيانات أن هذا الزخم قد لا يكون دائماً، وأنه يتأثر بعوامل ظرفية مثل الشحنات الاستباقية وتغيرات المخزون.

كما أن استمرار الفائض التجاري الكبير يثير تساؤلات حول مستقبل التوازن في التجارة العالمية، خصوصاً إذا واصلت بكين الاعتماد على دعم الصناعات الاستراتيجية لتعزيز حصتها في الأسواق الخارجية. وفي ظل هذه الصورة، يبدو أن الأشهر المقبلة ستحدد ما إذا كان الأداء القوي الأخير بداية دورة أقوى، أم مجرد ذروة مؤقتة سبقت عودة التباطؤ.