الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 6 دقائق قراءة

إنفيديا توسّع شراكاتها في كوريا الجنوبية لتأمين رقائق الذاكرة ودعم بنية الذكاء الاصطناعي

أبرمت إنفيديا سلسلة اتفاقيات مع شركات كورية جنوبية كبرى، أبرزها إس كي هاينكس وإس كي تليكوم ونافير ودوسان ومجموعة إل جي، في خطوة تعكس سباق شركات التكنولوجيا لتأمين المكونات والبنية التحتية اللازمة لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

إنفيديا تعمّق رهاناتها على سوق الذاكرة الآسيوية

أعلنت شركة إنفيديا عن حزمة اتفاقيات جديدة في كوريا الجنوبية مع عدد من أبرز الشركات المحلية، في خطوة تهدف إلى تأمين الإمدادات الأساسية من رقائق الذاكرة وتوسيع قاعدة العملاء المرتبطين بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الشراكات أسماء ثقيلة مثل إس كي هاينكس، وإس كي تليكوم، ونافير، ودوسان، إضافة إلى تعاون جديد مع مجموعة إل جي.

وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي سباقاً واسعاً على المكوّنات الأكثر حساسية، ولا سيما الذاكرة عالية الأداء ومراكز البيانات المتخصصة. ومع توسّع استخدامات الحوسبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، باتت الشركات المطوّرة للرقائق تبحث عن سلاسل توريد أكثر استقراراً، وعن شركاء قادرين على مواكبة الطلب المتسارع.

ولم تُعلن الأطراف المعنية القيم المالية للاتفاقيات، لكن الرسالة الاستثمارية والتشغيلية واضحة: إنفيديا تريد تثبيت موقعها في قلب منظومة الذكاء الاصطناعي الآسيوية، بينما تسعى الشركات الكورية إلى ترسيخ حضورها داخل السوق العالمية المتنامية.

شراكة ممتدة مع إس كي هاينكس

من أبرز الاتفاقات تلك التي جمعت إنفيديا بشركة إس كي هاينكس، إحدى أكبر شركات رقائق الذاكرة في العالم. ووفقاً لما أعلنته الشركتان، فإن التعاون يمتد لعدة سنوات، ويشمل تطوير أجيال متقدمة من الذاكرة المخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العالمية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الطلب على الذاكرة لم يعد محصوراً في السوق الاستهلاكية التقليدية، بل أصبح مرتبطاً مباشرة ببنية الذكاء الاصطناعي التحتية، من الخوادم إلى الأنظمة فائقة الأداء والروبوتات والتطبيقات الصناعية. وهذا ما يجعل شراكة إنفيديا مع إس كي هاينكس أكثر من مجرد اتفاق توريد؛ إنها علاقة تكامل تقني بين تصميم الشرائح وإمدادها بالمكوّنات الحيوية.

وقال جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، إن إس كي هاينكس كانت شريكاً رئيسياً في مجال الذاكرة، مضيفاً أن هذا الدور سيستمر ويتسع. كما أشار إلى أن إنفيديا تشتري بالفعل من الشركة الكورية بمليارات الدولارات سنوياً، وأن هذا الرقم مرشح للنمو بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة.

ويعكس هذا التصريح التحول الذي تشهده صناعة الذاكرة نفسها، إذ تنتقل تدريجياً من كونها سلعة شبه موحدة إلى مكوّنات مخصصة مرتبطة باحتياجات كل عميل على حدة، خصوصاً في بيئات الحوسبة المعقدة.

بناء سحابة ذكاء اصطناعي ومراكز بيانات غيغاوَطية

في قطاع الاتصالات، أعلنت إس كي تليكوم أنها ستبني سحابة ذكاء اصطناعي على مستوى غيغاوَط داخل كوريا الجنوبية باستخدام تقنيات إنفيديا. ومن المقرر أن يبدأ تشغيل أول مركز بيانات تابع للمشروع في عام 2027، ما يمنح الشراكة بعداً طويل الأمد يتجاوز مجرد التوريد التقني إلى تأسيس بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي.

وتُعد هذه المشاريع مؤشراً على انتقال شركات الاتصالات إلى دور أكثر عمقاً في الاقتصاد الرقمي، إذ لم تعد تكتفي بتقديم خدمات الشبكات التقليدية، بل أصبحت طرفاً أساسياً في الاستثمار في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. كما أن دخول إنفيديا على هذا الخط يمنحها قناة إضافية لتوسيع انتشار منصاتها داخل آسيا.

وفي السياق نفسه، أشارت إنفيديا إلى أن شركة نايفر ستستخدم تقنياتها لدعم بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يرسخ موقع الشركة بوصفها لاعباً مركزياً في المجال الرقمي المحلي ويعزز قدراتها في تقديم خدمات الحوسبة والبحث والذكاء الاصطناعي.

دوسان وإل جي.. توسع في الروبوتات والطاقة والتبريد

لم تتوقف الشراكات عند الذاكرة والاتصالات، إذ انضمت مجموعة دوسان إلى قائمة الشركاء عبر استخدام تقنيات إنفيديا في بناء مراكز البيانات، إلى جانب مشاريعها المرتبطة بالروبوتات والمواد المستخدمة في رقائق بلاكويل الأحدث من إنفيديا. وتُعرف دوسان أيضاً بأنشطتها في حلول الطاقة والبنية الصناعية، ما يجعل تعاونها مع إنفيديا ذا طابع متعدد القطاعات.

وبحسب ما أُعلن، تتوقع دوسان الاستفادة من حلول الطاقة الخاصة بها داخل منصات مراكز بيانات إنفيديا، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي الفيزيائي التي تطورها الشركة الأميركية. وهذا النوع من التكامل يبرز كيف يتداخل الذكاء الاصطناعي مع البنى الصناعية الثقيلة، وليس فقط مع البرمجيات والخدمات الرقمية.

أما مجموعة إل جي، فقد توسعت معها إنفيديا في مجالات الإلكترونيات والأنظمة الميكانيكية والذكاء الاصطناعي للروبوتات الشبيهة بالبشر. كما يعمل الطرفان على هندسة معمارية لمراكز بيانات المستقبل، تشمل أنظمة التبريد وتوزيع الطاقة والتصميم الكامل للمرافق. وتُظهر هذه الملفات أن التنافس لم يعد يدور فقط حول إنتاج الرقاقة، بل حول البيئة الكاملة التي تجعل هذه الرقاقة قابلة للعمل بكفاءة عالية.

سوق كوريا الجنوبية بين طفرة الذكاء الاصطناعي وتقلبات الأسهم

تُعد كوريا الجنوبية واحدة من أهم القواعد الصناعية في آسيا، بفضل حضورها القوي في الرقائق والإلكترونيات والسيارات والسفن. وفي قطاع الذاكرة تحديداً، تسيطر إس كي هاينكس وسامسونغ على موقعين عالميين متقدمين، ما يجعلهما عنصرين حاسمين في أي توسع مرتبط بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وخلال الأشهر الماضية، استفادت سوق الأسهم الكورية من الموجة العالمية نحو الذكاء الاصطناعي، ما دفع مؤشر كوسبي إلى مستويات أعلى قبل أن يتعرض لتراجع حاد مع هبوط أسهم التكنولوجيا عالمياً. وقد تراجعت أسهم سامسونغ وإس كي هاينكس في التعاملات المبكرة ثم قلصت جزءاً من خسائرها لاحقاً.

ورغم هذا التذبذب، ترى مؤسسات تحليلية أن الشراكات الجديدة تعزز الاتجاه نحو تصنيع رقائق ذاكرة أكثر تخصصاً، وهو تحول قد يرفع القيمة المضافة للصناعة الكورية على المدى المتوسط. فبدلاً من الاعتماد على أحجام الإنتاج وحدها، تتجه الشركات إلى الابتكار المشترك مع العملاء الكبار، وهو نموذج يتماشى مع اقتصاد الذكاء الاصطناعي القائم على التخصيص والتكامل.

توازن جديد في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي

الصفقات التي أُعلن عنها في كوريا الجنوبية تعكس اتجاهاً أوسع داخل الاقتصاد الرقمي العالمي: بناء تحالفات أقرب إلى المنظومات المتكاملة، حيث تتداخل الرقائق والذاكرة والطاقة والاتصالات ومراكز البيانات والروبوتات ضمن شبكة واحدة. وفي هذا المشهد، لا يقتصر التنافس على تطوير أقوى معالج، بل يمتد إلى تأمين كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة.

كما أن هذه الخطوة تمنح إنفيديا هامشاً أكبر لمواجهة الارتفاع المستمر في الطلب، خاصة مع توسع استخداماتها لتشمل الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر الشخصية والحوسبة الفائقة. وفي المقابل، تتيح للشركات الكورية تعزيز ارتباطها بأكثر القطاعات التقنية نمواً في العالم.

وبينما يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي جذب الاستثمارات والشراكات العابرة للحدود، تبدو كوريا الجنوبية في موقع يسمح لها بالاستفادة من كونها مركزاً صناعياً متقدماً وقاعدة إنتاجية لرقائق الذاكرة والبنية الرقمية. هذه الميزة قد تجعلها أحد أهم المراكز التي تحدد شكل المنافسة المقبلة في سوق الحوسبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.