قفزة تاريخية في الصادرات
سجلت كوريا الجنوبية في مايو نمواً لافتاً في صادراتها تجاوز التوقعات بفارق واضح، في إشارة جديدة إلى قوة الطلب العالمي على المنتجات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبلغت الصادرات 87.75 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 53.2 في المائة، وهو أعلى معدل نمو شهري منذ يناير 1984.
ويعكس هذا الأداء الدور المحوري الذي تلعبه كوريا الجنوبية في سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما في قطاع أشباه الموصلات، الذي أصبح محركاً رئيسياً للتجارة الخارجية والاقتصاد المحلي. كما يبرز التحسن استمرار الزخم للشهر الثاني عشر على التوالي، بالتوازي مع تسجيل فائض تجاري شهري قياسي.
الرقائق الإلكترونية تقود النمو
كان الارتفاع الأكبر من نصيب صادرات أشباه الموصلات، التي قفزت بنسبة 169.4 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى مستوى شهري قياسي عند 37.16 مليار دولار. وجاء ذلك مدعوماً بارتفاع أسعار رقائق الذاكرة، إلى جانب الطلب المتزايد من شركات التكنولوجيا الأميركية التي تواصل الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كما حققت صادرات أجهزة الكمبيوتر نمواً شديداً بلغ 290.7 في المائة، مستفيدة من الطلب القوي على الخوادم والمعدات المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار المنتجات البترولية 46.6 في المائة نتيجة صعود أسعار النفط عالمياً.
في المقابل، تراجعت صادرات السيارات 5.9 في المائة تحت ضغط اضطرابات الإمداد في الشرق الأوسط، فضلاً عن تأثير الرسوم الجمركية الأميركية، ما يعكس أن الأداء التصديري القوي لا يلغي استمرار المخاطر في بعض القطاعات الصناعية التقليدية.
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والأسواق
الأرقام الجديدة عززت الرؤية الإيجابية حيال الاقتصاد الكوري الجنوبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية. وقد رفع البنك المركزي الكوري الأسبوع الماضي تقديراته لنمو الاقتصاد هذا العام إلى 2.6 في المائة من 2 في المائة، بعد أن سجل الاقتصاد في الربع الأخير أقوى توسع له منذ نحو ست سنوات.
وقال محللون إن الطفرة الحالية لا تقتصر على دعم الصادرات فحسب، بل تمتد إلى تحسين توقعات الأرباح للشركات الكبرى ودعم شهية المستثمرين في سوق الأسهم. وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر كوسبي بأكثر من 2 في المائة في التعاملات الصباحية يوم الاثنين مسجلاً مستوى قياسياً جديداً، بعد أن تضاعف تقريباً خلال العام الحالي بدعم من شركات التكنولوجيا والرقائق.
ويأتي ذلك في ظل تسجيل شركتي سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس أداءً قوياً مع صعود أسعار رقائق الذاكرة، بينما حقق المؤشر في 2024 ارتفاعاً كبيراً ليؤكد انتقال الزخم من الاقتصاد الحقيقي إلى الأسواق المالية أيضاً.
النشاط الصناعي يواصل التوسع رغم التحديات
إلى جانب بيانات التجارة، أظهر مسح صناعي منفصل أن نشاط المصانع في كوريا الجنوبية واصل التوسع خلال مايو بأسرع وتيرة منذ أكثر من خمس سنوات. وارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 54.8 نقطة من 53.6 نقطة في أبريل، ليصل إلى أعلى مستوى منذ مارس 2021.
وسجل الإنتاج والطلبات الجديدة أكبر وتيرة نمو منذ نحو خمس سنوات، إلا أن طلبات التصدير الجديدة تراجعت للمرة الأولى منذ ستة أشهر، في مؤشر على أن الطلب الخارجي لا يزال عرضة للتقلبات، خصوصاً مع ضعف الطلب من الصين والولايات المتحدة.
وأشار خبراء إلى أن جزءاً من التحسن الصناعي قد يكون مرتبطاً بتكوين المخزونات تحسباً لتعطل الإمدادات أو ارتفاع الأسعار، وليس فقط بزيادة الطلب النهائي. كما لفتوا إلى أن التوترات الجيوسياسية وتداعياتها على سلاسل التوريد ما زالت تمثل عاملاً مهماً في قرارات الإنتاج والمخزون.
فائض تجاري قياسي وبيئة عالمية داعمة
تزامن ارتفاع الصادرات مع زيادة الواردات بنسبة 20.8 في المائة لتصل إلى 60.80 مليار دولار، وهو مستوى يفوق توقعات السوق لكنه يبقى ضمن سياق الانتعاش التجاري العام. ونتيجة لذلك، ارتفع الفائض التجاري الشهري إلى 26.95 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد يعكس قوة الميزان الخارجي الكوري في هذه المرحلة.
ويبدو أن البيئة العالمية الحالية، وعلى رأسها موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، تمنح الشركات الكورية فرصة نادرة لتعزيز موقعها في السوق الدولية. فمع تزايد الحاجة إلى الخوادم ومراكز البيانات والرقائق عالية الأداء، تستفيد سيول من وجود قاعدة صناعية متقدمة في مجالات التكنولوجيا المتخصصة.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الصورة لا تزال مرتبطة بعدة عوامل خارجية، من بينها الطلب في الأسواق الكبرى، وتقلبات أسعار الطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية، والسياسات التجارية بين الولايات المتحدة والصين. لذلك، يظل استمرار هذا الزخم مرهوناً بقدرة الشركات الكورية على الحفاظ على تنافسيتها في سوق إلكترونيات شديد الحساسية للتطورات العالمية.
قراءة أوسع للمشهد الاقتصادي
تعكس بيانات مايو تحولاً مهماً في أداء الاقتصاد الكوري الجنوبي، إذ لم تعد الصادرات تعتمد فقط على الدورات التقليدية للطلب الصناعي، بل باتت مرتبطة بشكل أوضح ببنية الاقتصاد الرقمي العالمي. وهذا يفسر لماذا أصبحت الرقائق الإلكترونية وخوادم الذكاء الاصطناعي محركاً مباشراً للنمو التجاري، ولأداء الشركات المدرجة، ولثقة المستثمرين.
وفي ظل استمرار تدفق الاستثمارات إلى قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً، قد تحتفظ كوريا الجنوبية بميزة تنافسية قوية خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا استمرت أسعار الرقائق في مسارها الصاعد واستقر الطلب على المعدات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية. ومع ذلك، فإن أي تباطؤ في الولايات المتحدة أو الصين قد ينعكس سريعاً على مسار الصادرات، نظراً لارتباط الاقتصاد الكوري الوثيق بالأسواق الخارجية.