الأعمال والاقتصاد الرقمي 09-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الجنيه الإسترليني يتراجع إلى أدنى مستوى في شهرين مع صعود الدولار وتزايد الطلب على الملاذات الآمنة

تراجع الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوياته في نحو شهرين مع استفادة الدولار الأميركي من بيانات وظائف قوية وتزايد الإقبال على الملاذات الآمنة، بينما ضغطت توقعات الفائدة والتوترات الجيوسياسية على العملة البريطانية.

تراجع الجنيه الإسترليني في تداولات الاثنين إلى مستويات تقارب أدنى نقطة له منذ نحو شهرين، في وقت واصل فيه الدولار الأميركي تعزيز مكاسبه مدفوعاً بتوقعات أكثر تشدداً بشأن السياسة النقدية في الولايات المتحدة، إلى جانب موجة طلب متزايدة على الأصول الآمنة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

وجاء الضغط على العملة البريطانية بعد أن ارتفعت أسعار النفط بنحو 5 في المائة، عقب تقارير عن استهداف منشآت بتروكيماوية وأهداف عسكرية في إيران، وهو ما دفع الأسواق إلى زيادة الإقبال على الدولار. كما استفادت العملة الأميركية من بيانات وظائف صدرت في الولايات المتحدة يوم الجمعة وأظهرت قوة أكبر من المتوقع، ما عزز الرهانات على بقاء الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

وبحسب التداولات الأخيرة، استقر الجنيه عند 1.334 دولار، أي فوق بقليل المستوى المنخفض المسجل في 18 مايو والبالغ 1.3304 دولار، وهو الأدنى منذ 8 أبريل. وفي المقابل، بقي أداء الجنيه أفضل نسبياً أمام اليورو، إذ تراجع اليورو بنحو 0.2 في المائة أمامه منذ بداية الشهر ليستقر قرب 0.864 جنيه إسترليني، في نطاق ضيق تحكمه التحركات المحدودة في أسواق العملات خلال الأسابيع الأخيرة.

ضغوط جيوسياسية تعيد تفضيل الدولار

خسر الجنيه الإسترليني نحو 2 في المائة من قيمته منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير، قبل أن يلتقط بعض الأنفاس خلال أبريل، ثم يعود إلى الضعف مع تجدد المخاوف من امتداد تأثير الأزمة إلى الطاقة وسلاسل التوريد والتجارة العالمية.

وتقليدياً، تستفيد العملة الأميركية من فترات عدم اليقين الجيوسياسي، إذ ينظر إليها المستثمرون كملاذ آمن أكثر من العملات المرتبطة عادةً بالنمو والمخاطرة، وهو ما يفسر جانباً من الضغوط التي تعرض لها الإسترليني في الأيام الأخيرة.

كما أن أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يعيد تسعير توقعات النمو العالمي، ويزيد القلق بشأن التضخم، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم لصالح الدولار وأصول أخرى أقل تقلباً. وفي هذه البيئة، تصبح العملات الأوروبية، ومنها الجنيه، أكثر عرضة للتراجع إذا لم تتوافر محفزات محلية قوية تعوض أثر العوامل الخارجية.

الفائدة الأميركية تقلص جاذبية الجنيه

لم تكن التحركات الأخيرة مرتبطة بالتوترات وحدها، بل تأثرت أيضاً بتبدل توقعات أسعار الفائدة على جانبي الأطلسي. ففي وقت سابق، كانت الأسواق ترجح أن يرفع بنك إنجلترا الفائدة مرتين هذا العام، إلا أن إعادة تسعير المسار المتوقع للاحتياطي الفيدرالي الأميركي نحو التشديد بدلاً من التيسير غيّرت الصورة لصالح الدولار.

ومع ارتفاع احتمالات بقاء العائدات الأميركية عند مستويات جاذبة، تقلصت الأفضلية النسبية للجنيه الإسترليني، خصوصاً أن المستثمرين بدأوا يركزون بشكل أكبر على ما قد يسببه استمرار الفائدة المرتفعة من تباطؤ اقتصادي وضغوط تضخمية داخل بريطانيا.

وتشير تسعيرات أسواق المال إلى أن الفائدة البريطانية قد تنهي العام عند نحو 4.26 في المائة، مقارنة مع 3.75 في المائة حالياً، بينما قد تصل الفائدة الأميركية إلى نحو 3.92 في المائة بعد أن كانت في نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة. ورغم أن الفارق ليس واسعاً، فإنه يكفي لتغيير توجهات بعض المستثمرين في سوق العملات، خصوصاً عند اقترانه بزيادة الطلب على الملاذات الآمنة.

إشارات بنك إنجلترا تعزز الحذر

زاد المشهد تعقيداً بعد أن أظهر استطلاع لبنك إنجلترا أن الشركات البريطانية تتوقع تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار خلال العام المقبل مقارنة بشهر أبريل، مع تراجع أثر صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية. وهذه القراءة تعني أن البنك المركزي قد يجد مساحة أكبر للتريث قبل الإقدام على أي رفع جديد للفائدة.

وبناءً على هذه المعطيات، تتجه توقعات المستثمرين إلى احتمال تأجيل أي تشديد إضافي حتى سبتمبر على الأقل، إذا لم تظهر بيانات التضخم أو الأجور ما يفرض تغييراً في موقف البنك. ويعني ذلك أن الجنيه قد يفتقد قريباً إلى أحد أهم مصادر الدعم التقليدية له، وهو توقعات رفع الفائدة.

وفي الوقت ذاته، لا تبدو الأسواق مقتنعة بأن الاقتصاد البريطاني قادر على تحمل دورة تشديد جديدة من دون كلفة واضحة على النشاط الاستهلاكي والاستثماري. لذلك يتعامل المتداولون بحذر مع أي إشارة توحي بأن البنك المركزي قد يفضل الموازنة بين كبح التضخم وعدم دفع النمو إلى مزيد من الضعف.

الجنيه كعملة مرتبطة بالمخاطر

قال كريس تيرنر، الاستراتيجي في بنك آي إن جي، إن الصورة النظرية كانت تشير إلى احتمال صعود اليورو أمام الجنيه إذا أبطأ بنك إنجلترا وتيرة التشديد النقدي في وقت يميل فيه البنك المركزي الأوروبي إلى مزيد من الرفع، بينما يعاد تسعير توقعات الفيدرالي الأميركي. لكن الواقع في الأسواق، على حد قوله، اتجه في مسار مختلف بسبب طبيعة الجنيه بوصفه عملة تميل إلى الأداء الضعيف خلال بيئات العزوف عن المخاطرة.

ويعكس هذا التوصيف جانباً مهماً من سلوك الجنيه الإسترليني: فهو لا يتأثر فقط بأساسيات الاقتصاد البريطاني، بل أيضاً بنبرة الأسواق العالمية، وحركة رؤوس الأموال، ومزاج المستثمرين تجاه الأصول عالية الحساسية للدورة الاقتصادية. وعندما تتصاعد المخاطر الجيوسياسية، تميل هذه العملة إلى فقدان جزء من جاذبيتها حتى لو لم تتغير المؤشرات المحلية جذرياً.

كما أن ارتباط لندن بقطاع مالي كبير يجعل الجنيه أكثر حساسية لتحولات السيولة العالمية، وهو ما يفسر لماذا قد يتأخر التعافي في فترات عدم اليقين مقارنة بعملات أخرى تستفيد مباشرة من فروق العائد أو الطلب التجاري.

ما الذي يراقبه المستثمرون لاحقاً؟

ينتظر المتعاملون في الأسواق سلسلة عوامل قد تحدد مسار الجنيه خلال الأسابيع المقبلة، من بينها تطورات الشرق الأوسط، واتجاهات أسعار النفط، وبيانات التضخم البريطانية، وكذلك تصريحات مسؤولي بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي.

وفي حال استمرت قوة الدولار مدعومة بالعائدات المرتفعة والطلب الدفاعي، فقد يبقى الجنيه تحت ضغط إضافي. أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ اقتصادي أميركي، فقد يحصل الإسترليني على بعض الدعم المؤقت. وحتى ذلك الحين، تبدو السوق أقرب إلى ترجيح استمرار التقلبات ضمن نطاق ضيق، مع ميل واضح لصالح العملة الأميركية.