الدولار يحافظ على توازنه وسط حذر الأسواق
استقر الدولار الأميركي في تداولات الثلاثاء مع استمرار المستثمرين في مراقبة التطورات المرتبطة بمحادثات السلام في الشرق الأوسط، بعد إعلان لبنان التوصل إلى وقف جزئي لإطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل. ورغم أن هذا التطور خفف جانباً من التوتر، فإن الأسواق لم تتعامل معه باعتباره نهاية واضحة لحالة عدم اليقين الإقليمي.
وتبقى نظرة المتعاملين إلى المشهد الجيوسياسي مشوبة بالحذر، خصوصاً مع بقاء ملف الصراع الإيراني في الواجهة، وارتباطه المباشر بحركة الطاقة والنفط وتوقعات التضخم العالمية. هذه العوامل جعلت عملات الملاذ الآمن والأصول المرتبطة بالمخاطر تتحرك ضمن نطاق محدود، من دون اتجاه واضح.
وتراجع مؤشر الدولار عن بعض المكاسب التي حققها في الجلسة السابقة، قبل أن يعاود التماسك قرب مستويات مرتفعة نسبياً. كما صعد اليورو إلى 1.1633 دولار، في حين سجل الجنيه الإسترليني 1.3457 دولار، ما يعكس حالة ترقب واسعة في أسواق الصرف أكثر من كونه تحولاً في الاتجاه العام.
الأسواق تراقب أثر التهدئة على النفط والتضخم
يرى محللون أن أي تحسن في المزاج الاستثماري سيظل محدوداً ما دامت المخاطر الجيوسياسية قائمة. فالاتفاق الجزئي في لبنان لا يغيّر وحده الصورة الأكبر المرتبطة بتدفق النفط عبر مضيق هرمز وباحتمالات اتساع أو انكماش رقعة المواجهة. ولهذا بقي المستثمرون مترددين في تقليص حيازاتهم من الدولار، رغم تراجع جزء من الطلب الدفاعي عليه.
وكان الدولار قد استفاد في وقت سابق من اندلاع النزاع، مدعوماً بصفته ملاذاً آمناً وباعتقاد أن الاقتصاد الأميركي أقل حساسية نسبياً للصدمات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة. لكن هذا الدعم أصبح أقل وضوحاً مع استمرار الغموض، ومع انتقال جزء من اهتمام السوق إلى ما قد يحدث في السياسة النقدية الأميركية خلال الأسابيع المقبلة.
وتتوقع الأسواق حالياً أن يكون مسار مجلس الاحتياطي الفيدرالي أكثر تشدداً مما كان مرجحاً قبل تصاعد التوترات، إذ بات رفع الفائدة يظهر كخيار مطروح بقوة مقارنة بتوقعات سابقة كانت تميل إلى الخفض. ويعود ذلك إلى مخاطر انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى معدلات التضخم وإلى تكلفة التمويل في الاقتصاد الأكبر عالمياً.
الين تحت ضغط والمستثمرون يترقبون تحرك طوكيو
في اليابان، اقترب الين من مستوى 160 يناً مقابل الدولار بعدما سجل 159.71، وهو نطاق يراه المتعاملون حساساً للغاية. هذا المستوى يظل مراقباً بقوة من جانب السلطات اليابانية، التي أكدت استعدادها للتحرك إذا اقتضت الحاجة، من دون تقديم تعليق مباشر على الضعف الأخير للعملة.
ويشير محللون إلى أن تجاوز مستوى 160 قد يرفع احتمالات التصعيد اللفظي من قبل المسؤولين اليابانيين، وربما يدفع لاحقاً إلى تدخل مباشر في سوق الصرف. وفي هذا السياق، قال استراتيجيو العملات إن المخاطر القصيرة الأجل تميل حالياً إلى قوة الدولار أكثر من ضعف الين، خاصة إذا بقيت الضغوط السياسية والمالية قائمة.
كما يترقب المستثمرون خطاب محافظ بنك اليابان كازو أويدا، أملاً في الحصول على إشارات أوضح حول مسار أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل. وتكتسب هذه الإشارة أهمية إضافية لأن أي توجه نحو التشديد النقدي قد يغير اتجاهات العملة اليابانية بعد فترة طويلة من الضعف.
البيانات الأميركية والأوروبية تحدد اتجاه التداولات المقبلة
تتجه الأنظار أيضاً إلى بيانات الوظائف في الولايات المتحدة، التي تسبق تقرير سوق العمل الشهري المنتظر نهاية الأسبوع. ويُعد هذا التقرير أحد أهم المحددات لقراءة مسار الاقتصاد الأميركي وتقدير الخطوة التالية للفيدرالي. وتشير توقعات السوق إلى إضافة نحو 85 ألف وظيفة في مايو، مع بقاء معدل البطالة عند 4.3 في المائة.
وفي منطقة اليورو، ينتظر المستثمرون بيانات التضخم لشهر مايو، باعتبارها عاملاً مؤثراً في تقييم البنك المركزي الأوروبي لمدى الحاجة إلى الإبقاء على سياسة نقدية مقيدة أو تعديلها لاحقاً. وتساعد هذه البيانات على رسم صورة أوضح للفارق بين السياسات النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو فارق غالباً ما ينعكس مباشرة على أسعار الصرف.
وبهذا المعنى، لا يتحرك الدولار فقط تحت تأثير الجغرافيا السياسية، بل أيضاً تحت وطأة رهانات الفائدة والتضخم والبيانات الاقتصادية. ومع استمرار هذا التشابك، تبدو التداولات مرشحة لمزيد من التذبذب، من دون أن تتبلور بعد إشارة حاسمة على تغيير كبير في اتجاهات السوق.
العملات الرئيسية والعملات المشفرة ضمن موجة الترقب
أظهرت العملات الأخرى تحركات متواضعة ومتباينة. فقد ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.03 في المائة إلى 0.7156 دولار أميركي، بينما زاد الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.02 في المائة إلى 0.593 دولار. وهذه التحركات المحدودة تعكس بدورها غياب شهية قوية للمخاطرة أو للاندفاع نحو بيع واسع النطاق للدولار.
أما في سوق الأصول المشفرة، فقد تراجع سعر البتكوين بنسبة 0.63 في المائة إلى 70921.37 دولار، في حين انخفض الإيثيريوم بنسبة 0.03 في المائة إلى 2002.13 دولار. ويبدو أن هذه الأسواق، مثل سوق العملات التقليدية، تتفاعل مع حالة عدم اليقين العالمية عبر تقلبات قصيرة الأجل أكثر من اتجاهات راسخة.
في المحصلة، تقف الأسواق حالياً بين عاملين متنافسين: تهدئة سياسية جزئية من جهة، ومخاطر جيوسياسية ونقدية لا تزال قائمة من جهة أخرى. وبين هذين العاملين، يواصل الدولار التحرك ضمن نطاق مدعوم بالحذر أكثر من الثقة.