كلفة اقتصادية تتجاوز حدود الجدل السياسي
حذّر تقرير حديث من أن الانقسامات الجيوسياسية المتزايدة بدأت تتحول إلى عبء مالي ملموس على الاقتصاد العالمي، مع كلفة سنوية تُقدَّر بين 213 و307 مليارات دولار. ويشير التقرير إلى أن هذه الكلفة لا تقتصر على الرسوم الجمركية أو القيود التجارية المباشرة، بل تمتد إلى موجة أوسع من عدم اليقين تضغط على حركة الاستثمار وسلاسل الإمداد والتمويل العابر للحدود.
ووفقاً للتقديرات الواردة في التقرير، فإن التشرذم الحالي يضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم العالمية، وهو ما يعني تآكلاً إضافياً في القوة الشرائية للأسر والشركات على حد سواء. كما يلفت التقرير إلى أن الضغوط تزايدت بوضوح خلال عامي 2025 و2026 بفعل تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية عالمياً.
التجارة والتمويل تحت ضغط القيود المتبادلة
يرصد التقرير انتقال التوترات من مستوى الخطاب السياسي إلى بنية الاقتصاد العالمي نفسها، عبر تشديد التعرفات الجمركية وفرض قيود على الاستثمار وتكريس إجراءات ردية متبادلة بين اقتصادات كبرى. وبحسب التحليل، فإن هذه الأدوات لم تعد محصورة في النزاعات بين الأطراف المتخاصمة تقليدياً، بل بدأت تؤثر أيضاً في العلاقات الاقتصادية بين حلفاء تاريخيين.
ويشمل هذا التحول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وكوريا الجنوبية، حيث ترتفع التكاليف التشغيلية على الشركات وتزداد صعوبة التخطيط للمشروعات طويلة الأجل. كما أن بيئة عدم اليقين هذه تضغط على قرارات التوسع، وتمويل الصفقات، وإعادة توزيع الاستثمارات العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا المسار قد يغير طبيعة العولمة المالية نفسها، من نظام مفتوح قائم على تدفق رأس المال والكفاءة التشغيلية إلى شبكة أكثر تجزؤاً، تُدار فيها المخاطر على حساب النمو.
خسائر محتملة بمليارات الدولارات
يحذر التقرير من أن السيناريوهات الأكثر حدة قد تقود إلى خسائر عالمية تصل إلى 6.9 تريليون دولار، أي ما يعادل 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذه الخسارة، إذا تحققت، ستتجاوز حجم معظم الاقتصادات الكبرى في العالم، ولن يبقى خارج نطاقها سوى الولايات المتحدة والصين تقريباً.
ولا يتوقف الأثر عند حدود الشركات والدول، بل يمتد إلى العمالة والأجور الحقيقية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يقدّر التقرير أن انخفاض الأجور قد يطال فئات المهارات العليا والمتوسطة والمنخفضة بنسب متفاوتة، ما يعني أن التضخم وعدم الاستقرار التجاري سيتركان أثراً مباشراً في دخول الأسر، لا في مؤشرات الاقتصاد الكلية فقط.
هذا الربط بين التشرذم المالي ومستوى المعيشة يعزز القناعة بأن كلفة الانقسام الدولي لم تعد نظرية أو بعيدة المدى، بل باتت حاضرة في الأسواق وسلوك المستهلكين ومستوى التوظيف والقدرة الشرائية.
الأسواق الناشئة الأكثر تعرضاً للصدمات
يرى التقرير أن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ستكون الأكثر هشاشة أمام موجة التشرذم الحالية، بسبب اعتمادها الأكبر على التمويل الخارجي وضعف عمق أسواق رأس المال المحلية. وفي السيناريو الأكثر سلبية، قد تتراجع معدلات النمو في الدول الواقعة خارج الكتل الجيوسياسية الكبرى بنسبة تصل إلى 10.7 في المائة، وهي نسبة تفوق الانخفاض العالمي المقدر عند 6.4 في المائة.
وتبرز أفريقيا مثالاً واضحاً على هذه المخاطر، إذ قد تصبح كلفة تمويل التنمية أعلى وأكثر تقلباً، في وقت تحتاج فيه القارة إلى رؤوس أموال طويلة الأجل لدعم البنية التحتية والتحول الصناعي ومشروعات الطاقة. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن بعض مبادرات التكامل الإقليمي، مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية ونظام الدفع والتسوية الأفريقي الموحد، قد تساعد على بناء قدر أكبر من المرونة أمام الصدمات الخارجية.
كما يلفت إلى أن وفرة الموارد الطبيعية والنمو السكاني في القارة يمنحانها فرصة لتحويل التكامل الإقليمي إلى رافعة اقتصادية، إذا جرى تقليص الاعتماد على مصادر التمويل الأكثر تقلباً.
العملات الرقمية وأنظمة الدفع في قلب التحول
من بين التوصيات التي يطرحها التقرير، تبرز الحاجة إلى مواءمة أكبر بين أنظمة الدفع التقليدية والعملات الرقمية، في إشارة إلى أن التحولات المالية القادمة لن تكون منفصلة عن البنية التكنولوجية التي تدير حركة الأموال والبيانات. ويعكس هذا التوجه أهمية الاقتصاد الرقمي في تقليل الاحتكاك بين الأنظمة المالية، خاصة في بيئة تتسم بالقيود والاصطفافات المتزايدة.
كما يدعو التقرير الشركات وصناع السياسات إلى الاستعداد لبيئة جيو-اقتصادية مجزأة، عبر تحديث البنية التقنية والرقابية، وبناء أدوات دفع أكثر مرونة، وتحسين قدرة المؤسسات على التعامل مع تعدد القواعد والمعايير في الأسواق المختلفة.
ويبدو أن هذا البعد الرقمي يكتسب أهمية إضافية مع توسع استخدام البنى المالية الحديثة، بما في ذلك حلول الدفع عبر الحدود وتسويات العملات الرقمية والأنظمة المربوطة بالذكاء الاصطناعي، وهي جميعاً عناصر قد تساعد في تخفيف آثار الانقسام المالي إذا طُبقت ضمن أطر تنظيمية واضحة.
خمس خطوات للحد من الأضرار
يشير التقرير إلى أن التشرذم المالي قد لا يتراجع سريعاً، لكن ضرره يمكن احتواؤه إذا تحركت الحكومات بشكل منسق. ويقترح خمس أولويات رئيسية: أولها وضع ضوابط مشتركة تحمي النظام المالي مع احترام سيادة القانون واستقلالية السياسات النقدية، وثانيها الاتفاق على قواعد أوضح لإدارة السياسات الاقتصادية بما لا يضر بالنمو العالمي.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في ضمان الاستقرار وقابلية التنبؤ في القرارات التنظيمية والاقتصادية، بما يحافظ على تدفقات الاستثمار. وتأتي الرابعة لتشمل تعزيز التوافق بين أنظمة الدفع والعملات الرقمية. بينما تركز الخامسة على دعم التكامل الإقليمي وتطوير أسواق المال المحلية في أوروبا وأفريقيا وغيرها من المناطق.
وتعكس هذه التوصيات إدراكاً متزايداً في الأوساط الاقتصادية بأن مستقبل النمو العالمي سيعتمد، جزئياً، على قدرة الدول على تقليل آثار التجزئة المالية من دون التخلي عن أهداف الأمن القومي أو أولويات حماية الاقتصاد المحلي.
رسالة واضحة للأسواق وصناع القرار
في المحصلة، يقدّم التقرير صورة مقلقة لكن دقيقة لاقتصاد عالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع التمويل والتجارة والتقنية. وإذا كانت التكلفة السنوية المقدّرة عند حدود 307 مليارات دولار تمثل العبء الحالي، فإن الخطر الأكبر يكمن في ما قد تحمله السنوات المقبلة إذا استمرت الانقسامات في الاتساع.
وبالنسبة لقطاعات الأعمال والاقتصاد الرقمي، فإن الرسالة الأساسية واضحة: حماية النمو في هذه المرحلة لا تعتمد فقط على رفع الكفاءة أو توسيع الأسواق، بل أيضاً على بناء بنى مالية وتقنية أكثر مرونة، قادرة على العمل في عالم أقل انسجاماً وأكثر تجزؤاً.