رفع جديد لتوقعات الأسواق الناشئة
عدّلت غولدمان ساكس نظرتها إلى مؤشر الأسواق الناشئة على أساس 12 شهراً، ورفعت الهدف إلى 2000 نقطة من 1850 نقطة. وتفترض هذه المراجعة أن المؤشر قادر على تحقيق مكاسب إضافية تقارب 12 في المائة مقارنة بإغلاقه الأخير عند 1787.88 نقطة.
ويعكس هذا التعديل قناعة البنك الاستثماري بأن موجة الأرباح الحالية في عدد من الأسواق الناشئة لا تزال تملك مساحة للاستمرار، خصوصاً مع اتساع أثر الذكاء الاصطناعي على سلاسل التوريد، والرقائق، وقطاع الذاكرة، وهي مجالات باتت تؤثر مباشرة في تقييمات الأسهم.
وتأتي هذه النظرة في وقت ما زالت فيه الأسواق العالمية تتأرجح بين عوامل دعم مرتبطة بالنمو التكنولوجي، وعوامل ضغط مصدرها التوترات الجيوسياسية وتقلبات الطاقة وأسعار الفائدة.
شمال آسيا في صدارة المستفيدين
تركز غولدمان ساكس بشكل واضح على شمال آسيا، ولا سيما كوريا الجنوبية وتايوان، باعتبارهما من أكثر الأسواق ارتباطاً بدورة الذكاء الاصطناعي العالمية. وتقول المؤسسة إن الأداء القوي لهذه الأسواق مدفوع بارتفاع الطلب على مكونات الحوسبة المتقدمة، وعلى رأسها رقائق الذاكرة عالية الأداء.
وسجل مؤشر الأسواق الناشئة مكاسب قوية في مايو، بقيادة أسهم شمال آسيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع بنحو 9 في المائة خلال الشهر، متقدماً على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي زاد 5 في المائة في الفترة نفسها. ويشير هذا الأداء إلى انتقال بعض زخم الاستثمار العالمي من الأسواق الأميركية إلى مناطق تستفيد بصورة مباشرة من دورة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، لفت البنك إلى أن شركتي إس كيه هاينكس وسامسونغ إلكترونيكس تجاوزت القيمة السوقية لكل منهما تريليون دولار في الشهر الماضي، بعد استفادة الشركتين من الطلب المتصاعد على الذاكرة المتقدمة، ومن شح الإمدادات الذي دفع الأسعار إلى الأعلى.
أرباح القطاع تدعم النظرة الإيجابية
أحد الأسباب الرئيسية وراء تعديل التوقعات هو تحسن توقعات ربحية الشركات داخل المؤشر. فقد رفعت غولدمان ساكس تقديراتها لنمو ربحية السهم في المؤشر إلى 55 في المائة هذا العام، مقارنة بتقدير سابق عند 45 في المائة. كما تتوقع أن يبلغ النمو 20 في المائة في عام 2027، بدلاً من 19 في المائة في التقدير السابق.
وتشير هذه الأرقام إلى أن دورة الأرباح في الأسواق الناشئة لم تعد تعتمد فقط على اتساع السيولة العالمية أو تحسن شهية المستثمرين، بل باتت تستند أيضاً إلى عوامل تشغيلية حقيقية داخل قطاع التكنولوجيا. ومع تسارع الطلب على الذكاء الاصطناعي، يبدو أن أسواقاً محددة أصبحت تمتلك قدرة أكبر على توليد نمو ربحي يتجاوز المتوسطات التاريخية.
لكن البنك أوضح في الوقت نفسه أن الصورة ليست متوازنة تماماً عبر الأسواق الناشئة كافة. فباستثناء شمال آسيا، التي تمثل نحو نصف وزن المؤشر، يُتوقع أن يبلغ نمو الأرباح 11 في المائة فقط في عامي 2026 و2027، ما يدل على أن موجة المكاسب لا تزال مركزة في نطاق ضيق نسبياً من الاقتصادات المرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا.
تأثير محتمل للتوترات الجيوسياسية
إلى جانب عامل الذكاء الاصطناعي، ربطت غولدمان ساكس أداء الأسواق الناشئة أيضاً بالتطورات الجيوسياسية، ولا سيما ما يتعلق بالنزاع الإيراني واحتمالات التوصل إلى تسوية سريعة. ووفقاً لتقديرها، فإن أي انفراج قد يخفف الضغوط على أسواق العملات والسندات، ويمنح الأصول الأكثر حساسية للمخاطرة فرصة أفضل للانتعاش.
وترى المؤسسة أن الأسواق التي تتأثر عادة بحركة أسعار الفائدة، مثل جنوب أفريقيا والبرازيل والإمارات، قد تحقق أداءً أفضل إذا تحسنت شهية المخاطرة عالمياً. ويعني ذلك أن المستثمرين قد يعيدون توزيع الأموال باتجاه الاقتصادات التي تقدم توازناً أفضل بين العائد والمخاطر في حال هدأت الاضطرابات الجيوسياسية.
كما أشارت إلى أن عملات مثل الراند الجنوب أفريقي، والوون الكوري، والزلوتي البولندي، والبيزو التشيلي، قد تستفيد من أي تحسن في المزاج الاستثماري. وينسحب ذلك أيضاً على أسواق السندات المحلية في عدد من الاقتصادات الناشئة، التي يمكن أن تشهد تدفقات أفضل إذا تراجع القلق بشأن الطاقة والممرات البحرية والتوترات الإقليمية.
قراءة في الاتجاه الأوسع للأسواق
المراجعة الأخيرة من غولدمان ساكس تعكس تحوّلاً أوسع في طريقة تقييم الأسواق الناشئة. فبدلاً من النظر إليها باعتبارها سلة واحدة تتأثر فقط بالدولار وأسعار الفائدة الأميركية، بات المستثمرون يفرقون بين اقتصادات تستفيد من الثورة التكنولوجية وأخرى تبقى أكثر ارتباطاً بالدورات التقليدية للسلع والتمويل.
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم عاملاً مفصلياً في إعادة ترتيب الخريطة الاستثمارية. فالشركات التي تنتج الرقائق أو الذاكرة أو المعدات المرتبطة بالبنية التحتية للحوسبة تحصل على حصة أكبر من التقييمات والرأسمال، بينما تتراجع أهمية بعض القطاعات التقليدية في تكوين العوائد داخل المؤشرات الأوسع.
ومن هذا المنظور، لا تمثل توقعات غولدمان ساكس مجرد تعديل فني على مستوى مؤشر مالي، بل إشارة إلى أن موجة الذكاء الاصطناعي بدأت تتجاوز أسواق الولايات المتحدة لتعيد تشكيل فرص النمو في أجزاء أخرى من العالم، وخاصة في آسيا الناشئة.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين
بالنسبة للمستثمرين، يوضح هذا التوجه أن متابعة الأسواق الناشئة لم تعد تقتصر على البيانات الكلية مثل التضخم وأسعار الفائدة والميزان التجاري، بل تشمل أيضاً خرائط التوريد الخاصة بالتكنولوجيا المتقدمة. فالقيمة السوقية للشركات المرتبطة بالرقائق قد تتحرك بوتيرة أسرع من كثير من القطاعات الأخرى، ما يرفع وزنها في المؤشرات ويؤثر في اتجاهات السوق ككل.
كما أن الجمع بين عاملين كبيرين، هما الذكاء الاصطناعي من جهة والتطورات الجيوسياسية من جهة أخرى، قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر تبايناً بين منطقة وأخرى. لذلك يبدو أن الأسواق الناشئة لن تتحرك وفق مسار واحد، بل بحسب مدى استفادة كل اقتصاد من التكنولوجيا أو تأثره بالمخاطر الخارجية.
وفي المحصلة، ترسم غولدمان ساكس صورة تميل إلى التفاؤل الحذر: نمو أقوى في الأرباح، قيادة آسيوية واضحة، واحتمال أن يمنح هدوء التوترات السياسية دفعة إضافية للعملات والأصول المحلية في عدد من الاقتصادات الناشئة.