27-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تايلاند تعيد إحياء مشروع الجسر البري لربط المحيطين الهندي والهادئ

تسعى تايلاند إلى تطوير ممر لوجستي جديد عبر جنوب البلاد يربط بين بحر أندامان وخليج سيام، في مشروع يهدف إلى تقليص زمن الشحن وخفض تكاليف النقل وتقليل الاعتماد على مضيق ملقا.

تعود تايلاند إلى الدفع بقوة نحو مشروع الجسر البري الذي يربط بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ عبر جنوب البلاد، في محاولة لبناء ممر لوجستي جديد يمكنه تخفيف الضغط عن أحد أكثر المسارات البحرية أهمية في التجارة العالمية، وهو مضيق ملقا.

ويأتي تجدد الاهتمام بهذا المخطط في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، بعد اضطرابات متكررة في حركة الملاحة البحرية في الشرق الأوسط وما رافقها من نقاشات حول الحاجة إلى مسارات بديلة أكثر مرونة وأقل عرضة للتعطيل.

فكرة الممر البري ودوره في التجارة الإقليمية

يقوم المشروع على إنشاء قناة نقل برية بين سواحل تايلاند الجنوبية، بحيث يمكن تحويل جزء من البضائع من المسار البحري التقليدي إلى مسار يجمع بين الموانئ والنقل البري. وبدلاً من أن تواصل السفن عبورها عبر المضائق المزدحمة، تُفرغ الحاويات في ميناء على أحد الجانبين ثم تُنقل بوسائل برية إلى الميناء الآخر لإعادة شحنها نحو وجهاتها النهائية.

وتستهدف هذه الآلية تقليل زمن الرحلة وتخفيف الكلفة التشغيلية على شركات الشحن، خاصة في المسارات التي تتأثر بالازدحام أو بتغيرات الجغرافيا السياسية أو بمحدودية الطاقة الاستيعابية لبعض الممرات البحرية.

البنية التحتية المخططة للمشروع

تشمل الخطة إنشاء ميناءين عميقَي المياه، أحدهما في محافظة رانونغ على ساحل بحر أندامان، والآخر في محافظة تشومفون على خليج سيام. ويرتبط الميناءان بشبكة نقل تمتد لنحو 90 كيلومتراً من السكك الحديدية والطرق السريعة، إلى جانب البنية المساندة اللازمة لضمان انسيابية حركة الحاويات والبضائع.

وتعتمد الجدوى التشغيلية للممر المقترح على دمج النقل البحري والبري في سلسلة واحدة، بما يسمح بمرور الحاويات عبر تايلاند بسرعة أكبر من الالتفاف حول المسارات البحرية الأطول أو الأكثر ازدحاماً.

مكاسب متوقعة في الكلفة والوقت

بحسب تقديرات حكومية، يمكن للمشروع أن يساهم في خفض تكاليف النقل بنحو 30%، كما قد يختصر زمن تسليم بعض الشحنات بما يصل إلى أسبوعين. وتراهن السلطات على أن هذا التحسن سيجعل تايلاند منصة لوجستية جاذبة في آسيا، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى سلاسل توريد أكثر سرعة ومرونة.

كما تشير التقديرات إلى أن الطاقة الاستيعابية للمشروع قد تبلغ 20 مليون حاوية مكافئة سنوياً. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تبقى مرتبطة بمدى قدرة المشروع على اجتذاب التمويل، وبنجاحه في إقناع شركات الشحن العالمية بجدواه العملية مقارنة بالمسارات البحرية الراسخة.

تركيز على السفن المتوسطة بدل العمالقة

لا يهدف المشروع، وفق التصور الحالي، إلى منافسة الموانئ الكبرى المخصصة لأضخم سفن الحاويات، بل يركز على خدمة السفن المتوسطة أو ما يعرف بسفن التجميع والتوزيع feeders. ويعكس هذا الخيار محاولة لبناء نموذج أعمال أكثر واقعية، يستند إلى حركة نقل منتظمة بين الموانئ الإقليمية الكبرى والأسواق المجاورة.

ويرى مؤيدو الفكرة أن هذا التخصص قد يمنح المشروع فرصة أكبر للنجاح، لأنه يراعي طبيعة الطلب الفعلي في المنطقة ولا يضعه في مواجهة مباشرة مع المراكز البحرية العملاقة التي تهيمن على تجارة الحاويات العالمية.

تحديات التمويل والبيئة والقبول المحلي

رغم الزخم المتجدد، ما زال المشروع يواجه عقبات استثمارية واضحة، إذ يتطلب تمويلاً ضخماً وتنسيقاً طويل الأمد بين الجهات الحكومية والمستثمرين وشركات التشغيل. كما أن أي تأخير في تأمين الموارد قد يضعف قدرة الخطة على التحول من تصور استراتيجي إلى واقع تنفيذي.

إلى جانب التمويل، تبرز اعتراضات محلية ومخاوف بيئية مرتبطة بتأثير البنية الجديدة على النظم الطبيعية في المنطقة الساحلية. وقد دفعت هذه المخاوف السلطات إلى طلب تقييمات بيئية إضافية في محاولة لتقليل الاعتراضات وتوضيح الأثر المحتمل على المجتمعات والبيئات البحرية والبرية.

رهان تايلاند على موقعها الجغرافي

يعكس مشروع الجسر البري رغبة تايلاند في تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية أكثر وضوحاً، عبر تقديم نفسها كحلقة وصل بين محيطين رئيسيين في التجارة الدولية. وفي حال نجاحه، قد يضيف المشروع بعداً جديداً إلى دور البلاد في النقل والخدمات اللوجستية الإقليمية.

لكن نجاح هذا الرهان سيعتمد على أكثر من مجرد الهندسة والبنية التحتية؛ فهو يحتاج إلى استقرار تنظيمي، وتمويل قابل للتنفيذ، ومقبولية بيئية، إضافة إلى قدرة واضحة على تقديم قيمة مضافة مقارنة بمضيق ملقا، الذي لا يزال حتى الآن أحد أعمدة حركة التجارة البحرية العالمية.