تتجه الجزائر إلى تعميق حضورها في سوق الطاقة عبر توسيع شراكاتها مع مستثمرين إقليميين ودوليين، وفي مقدمتهم الجانب السعودي، في وقت تعمل فيه البلاد على استغلال فرص جديدة في النفط والغاز ضمن إطار إصلاحات تستهدف رفع الجاذبية الاستثمارية للقطاع.
ويبرز مشروع إليزي جنوب بوصفه أحد أهم نماذج هذا التوجه، بعدما تحول إلى نقطة ارتكاز في التعاون بين سوناطراك وشركة مداد للطاقة شمال إفريقيا، مع التركيز على مراحل التنفيذ المقبلة وعلى الآليات الفنية والتنظيمية المرتبطة به.
لقاء رسمي لبحث مسار التعاون
استقبل وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب الرئيس المدير العام لشركة مداد للطاقة شمال إفريقيا عبد الإله بن محمد بن عبد الله العيبان، في اجتماع خُصص لمراجعة مستوى التعاون القائم واستشراف إمكانات تطويره خلال المرحلة المقبلة.
وجاء اللقاء في سياق الاهتمام المتزايد بالمشاريع المشتركة التي يمكن أن تدعم الإنتاج الطاقوي وتعزز حضور الشركاء الأجانب في السوق الجزائرية، خصوصا في ظل التوجه نحو بناء شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة ونقل المعرفة التقنية.
إليزي جنوب في صلب المباحثات
احتل عقد المحروقات الخاص بالمحيط التعاقدي إليزي جنوب موقعا محوريا في المحادثات، باعتباره مشروعا استراتيجيا في حوض إليزي يعتمد صيغة تقاسم الإنتاج. وتُعد هذه الصيغة من الآليات المعتمدة في مشاريع الطاقة الكبرى، لأنها تربط بين الاستثمار والمردود الفعلي وتتيح ترتيبات أوضح لتوزيع العائدات والمخاطر.
ويعكس المشروع رغبة الطرفين في الانتقال من إطار التعاون العام إلى تنفيذ عملي يرسخ الشراكة بين الشركة الوطنية الجزائرية والجانب السعودي، مع استهداف توسيع القيمة الاقتصادية المضافة داخل البلاد.
التحضير لدخول العقد حيز التنفيذ
تناولت المباحثات أيضا التحضيرات المتعلقة ببدء تنفيذ العقد، بما في ذلك الجوانب التقنية والتنظيمية وبرنامج الأشغال. وجرى التأكيد على أهمية احترام الآجال المحددة والمعايير المعمول بها في إنجاز المشاريع الكبرى داخل قطاع المحروقات، خاصة أن أي تأخير في هذا النوع من المشاريع قد يؤثر في الجدول الزمني للإنتاج والاستثمار.
ويبدو أن التركيز في هذه المرحلة ينصب على ضمان جاهزية المسارات العملية قبل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، وهو ما يشمل التنسيق بين فرق العمل، واستكمال الترتيبات الفنية، وضبط أولويات التطوير والاستكشاف وفق ما يفرضه المشروع من متطلبات.
فرص جديدة في سلسلة القيمة
لم تقتصر المحادثات على المشروع الحالي، بل امتدت إلى بحث فرص استثمارية أوسع تشمل مختلف مراحل سلسلة القيمة في النفط والغاز، من الاستكشاف والتطوير إلى الإنتاج. ويعكس هذا المسار رغبة مشتركة في بناء تعاون طويل الأمد يتجاوز المشاريع المنفردة إلى حزمة أوسع من المبادرات الاقتصادية.
وترى الجزائر في هذه الاستثمارات وسيلة لرفع القدرات الإنتاجية، وتعزيز المحتوى المحلي، وفتح المجال أمام نقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يسهم في تطوير الكفاءات الوطنية داخل قطاع يتميز بكثافة رأسمالية عالية وحاجة مستمرة إلى تقنيات متقدمة.
أبعاد اقتصادية تتجاوز قطاع الطاقة
يحمل التعاون الجزائري السعودي في المحروقات بعدا اقتصاديا يتجاوز حدود النفط والغاز نفسها، إذ ينسجم مع توجه الجزائر إلى بناء شراكات متوازنة تدعم التنمية الاقتصادية وتمنح القطاع دورا أكبر في تحفيز النشاط الصناعي والخدمي المرتبط به.
كما أن توسيع الاستثمارات في مشاريع الطاقة يخلق فرصا إضافية للمقاولات المحلية، ولخدمات الهندسة والصيانة واللوجستيات، ما ينعكس بشكل غير مباشر على الاقتصاد الرقمي والصناعات المرتبطة بإدارة البيانات والعمليات التقنية في المشاريع الكبرى.
وفي هذا السياق، يمكن لتوسيع التعاون أن يسهم في إدخال أدوات رقمية أكثر تقدما في مجالات المراقبة والتتبع وتحسين الكفاءة التشغيلية، وهو جانب يزداد أهمية في المشاريع التي تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر والموارد والجدول الزمني.
الجزائر تسعى لترسيخ موقعها الاستثماري
يأتي هذا الحراك في وقت تعمل فيه الجزائر على ترسيخ موقعها كوجهة واعدة للاستثمار الطاقوي، مستفيدة من الإصلاحات التي شهدها القطاع ومن موقعها كمورد موثوق للطاقة في محيط إقليمي ودولي شديد التنافسية.
وتراهن السلطات على أن يجذب هذا المسار شركاء جدد وأن يحفز الشركات القائمة على توسيع أنشطتها، خصوصا في ظل الحاجة إلى تمويلات وخبرات وتقنيات ترفع من مردودية الحقول وتدعم جهود الاستكشاف في المناطق ذات الإمكانات غير المستغلة بالكامل.
ماذا يعني هذا التعاون للمرحلة المقبلة؟
يظهر من خلال المباحثات الأخيرة أن التعاون الجزائري السعودي يدخل مرحلة أكثر عملية، عنوانها الانتقال من النوايا الاستثمارية إلى التنفيذ والمتابعة والتوسعة. وإذا نجح مشروع إليزي جنوب في اجتياز مرحلة الإعداد بسلاسة، فقد يصبح مرجعا لمشاريع أخرى في السوق الجزائرية.
كما أن استمرارية الشراكة قد تفتح الباب أمام استثمارات نوعية في مجالات أكثر تقدما داخل قطاع المحروقات، بما في ذلك الخدمات التقنية، وتطوير الكفاءات، وتحسين سلاسل الإمداد، وهي عناصر أساسية لأي اقتصاد يسعى إلى تعزيز قدرته التنافسية في قطاع استراتيجي مثل الطاقة.